يبدو من واقع الاحداث التي تمر بها دولة جنوب السودان، ان رئيس المفوضية المشتركة للمراقبة والتقييم لإتفاقية تسوية النزاع بجنوب السودان (جيمك) البتسواني فيستوس موغاي، من اكثر المساهمين في تفاقم ازمة البلاد الحالية؛ بسبب مواقفه غير الايجابية في الدفع بالاتفاقية للمضي قُدماً. فالسلبية التي صاحبت تعاطيه مع العقبات التي إعترضت طريق الاتفاقية كانت احد السمات التي قادت الى التدهور المبكر لإتفاقية التسوية السلمية. ويمكن تمييز ذلك من خلال شخصيته النمطية، وغير المبادرة لحسم القضايا التي لا تحتاج سوى لقرار شجاع للبت فيها، طالما توجد نصوص في الاتفاقية تعالج تلك المسائل الخلافية، وليس العودة لـ"الايغاد" في كل حين لأخذ المشورة . فمثلاً مسألة تقسيم الولايات من(10-28) ولاية، والتي طفت الي سطح الاحداث بعد توقيع اتفاقية التسوية مباشرة، والتي أضحت فيما بعد الشرارة التي أشعلت جذوة الخلاف بين طرفي النزاع لفترة ليست بالقصيرة، كانت بمثابة اختبار حقيقي لقدراته في التعامل مع الموضوعات الحساسة والتي تعرقل مسيرة السلام بطريقة ايجابية وحاسمة. ولكن خذل "موغاي" الجميع بإخفاقه في حل معضلة التقسيم هذه ؛بسبب عدم قدرته على فرض شخصيته على قادة على قادة الصراع. فعلى النقيض تماماً وجد "موغاي" نفسه واقعاً وخاضعاً لهوى ومزاج طرفا النزاع. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تعاطيه مع معضلة تقسيم الولايات خارج الاطار الذي نصت عليه الاتفاقية (10 ولايات). ليبحث عن حلول اخرى خارج سياق الاتفاقية، وهو ما زاد من أمد حسم تلك المسألة دون الوصول لتسويةٍ بعينها، ويفسح المجال من ناحية اخرى لطرفي النزاع لابتداع طريق آخر غير المنصوص عليه في الاتفاقية، بعد تزايد الضغوط الاقليمية والدولية المطالبة بإلغاء قرار التقسيم. يتمثل ذلك الطريق في تكوين "آلية جديدة" او لجنة مشتركة بعضوية (15فرد) من اصحاب المصلحة وشركاء الاتفاق من "الترويكا والايغاد" ،لدراسة ومناقشة الامر ومن ثم رفع التوصيات بعد شهر بشأن النتيجة التي تم التوصل اليها. ولكن في نهاية المطاف لم تنجز تلك اللجنة المكونة أعمالها بعد ان ظل المقترح حبيس الادراج الرئاسية لحين موافقة الرئيس على المصادقة عليه. ليجرجر السيد "موغاي" أذيال الخيبة والفشل في عدم حسمه لمسالة الـ(28 ولاية).الا انه قفز فوق مرحلة اخرى خارج ذلك السياق تمثلت في مرحلة "الترتيبات الامنية" ،ومُلقياً تلك المسألة جانباً ومتجاوزاً للحقائق والمألات التي قد يخلفها عدم حسم ملف تقسيم الولايات. وبالمثل أيضاً لم يختلف الحال عن سابقه، فقد صاحب تنفيذ بند "الترتيبات الأمنية" عملية شد وجذب طويلة داخل أروقة اجتماعات المجلس الوزاري الانتقالي دون ان يتم احراز أي تقدم ملموس حوله، وذلك بسبب الخلاف بين طرفي النزاع حول تواجد قوات للمعارضة المسلحة في مناطق الاستوائية الكبرى ومناطق بحر الغزال غير معترف بها من الجانب الحكومي، بجانب الضبابية التي صاحبت عملية جعل العاصمة جوبا منطقة "منزوعة السلاح" . التقدم الوحيد الذي احرز في هذا الشأن والذي لا يمكن ان يرتقِ لمستوى التأثير على الارض في بند "الترتيبات الامنية"، يتمثل في الاعتراف الجزئي الحكومي لاحقاً بتواجد قوات للمعارضة المسلحة في بعض مناطق الاستوائية، شريطة ان تُكون لجنة مشتركة بين الطرفين للتحقق من تواجد تلك القوات على الارض. ولكن بالرغم من إيجابية الخطوة الا انها في المجمل العام لم تحسم ملف "الترتيبات الامنية" بصورة نهائية. ولم يتحرك السيد "موغاي" للتدخل لإحراز أي خطوة ايجابية لحسم ذلك الملف الحساس، والذي يعتبر السبب الرئيس في اندلاع اعمال العنف الاخيرة. فعملية القفز فوق المراحل التي قام بها "موغاي" ادت الى حرق الاتفاقية وموتها "سريرياً" ، ما أخرج اتفاقية التسوية السلمية من مسارها الطبيعي.
اذن بناءً على الحالتين في سياق ما ذكر، وقياساً على حالات اخرى مشابهة ، يتضح بما لا يدع مجال للشك بان السيد "فيستوس موغاي" يمثل بطريقة اخرى وجهاً اخرا فاقم من ازمة جنوب السودان، بجانب الوجوه الاساسية التي أشعلت فتيله؛ بسبب مواقفه المتراجعة واخفاقه في حسم القضايا الخلافية التي كانت يمكن ان تساهم في تجنيب البلاد حدوث تلك المواجهات الكارثية. وكانت اخر فصول خيباته في ادارة صراعات طرفا الحكومة الانتقالية ،تذبذب وتراجع مواقفه حول مسألة تعيين رئيس وفد التفاوض في المعارضة المسلحة، ووزير المعادن بحكومة الوحدة الوطنية السابق، تعبان دينق خلفا لمشار الذي فر بحياته خلال المواجهات الاخيرة. فقد أبدى "موغاي" رفضاً قاطعاً للطريقة التي تم بها تعيين "قاي" في بداية الامر، حيث وصف الامر بعدم الشرعية وبأنه خرق واضح لاتفاقية التسوية السلمية .ولكن لاحقاً تحول هذا الموقف الرافض الى موقف داعم ومؤيد لقرار التعيين، ليتراجع مرة اخرى عن موقفه الداعم بعد مغادرته جوبا مناشداً الحكومة بالعودة لمسار الاتفاقية.
هذه المواقف المهزوزة عكست سلبية شخصية "فيستوس موغاي" ، بالرغم من الصلاحيات الكبيرة التي مُنحت له من خلال الاتفاقية وخاصة فيما يتعلق ببند المرجعية النهائية وقرار الفصل في القضايا التي قد تكون محل خلاف في حال تعذر طرفا الاتفاقية في الوصول الى وفاق. تلك المواقف السلبية تجاه حلحلة القضايا الاساسية، كان لها بالغ الأثر في التدهور المُريع لاتفاقية التسوية الموقعة بين طرفي النزاع بهذه الصورة الغريبة والتي ادت الى تجدد القتال مؤخراً.
على ضوء ما ذكر يمكن الحديث بان السيد "موغاي" يتحمل وزر ما آلت اليه الامور بالبلاد بسبب شخصيته الضعيفة ،وعدم مواجهته للحقائق بشجاعة. والنقطة الاهم عدم تبصيره للمجتمع الدولي والايقاد بحقيقة ما يجري على أرض الواقع بدقة. فازدواجيته الغريبة في الحكم على واقع الامور، هي ما قادت البلاد الى هذه المرحلة الكارثية. فقد تبدلت الادوار ورهن "موغاي" نفسه في زاوية "الفرجة والمشاهدة" بينما ترك الطرفان المتنازعان يقومان بالأدوار الرئيسية متجاوزين الاطار الذي حددته الاتفاقية. فقد أضحى "موغاي" البيدق الذي تحركه رغبات وإتجاهات اطراف الصراع . والأدهى من ذلك إرتضائه وقبوله القيام بذلك الدور المتواضع بالرغم من تاريخه المشرف، بدليل عدم إقدامه على خطوة الاستقالة، وعودته الخجولة مؤخراً من وراء الابواب الخلفية.
فقد عاد الرجل للبلاد ولم تتغير شخصيته، وعادت معه ضبابيته القديمة في التعامل مع أزمة البلاد وكأنه لم يتعلم الدرس ،ولا توجد مستجدات في معيته رغم التحولات التي طرأت في مسار الازمة. وربما يتساءل الجميع لماذا عاد السيد "موغاي" اذن للبلاد، رغم عدم مقدرته على انتاج الوصفة السحرية التي تحل معضلة جنوب السودان..؟!
وحتى طرفا النزاع أظهرا امتعاضاً غير عادياً لسلبية "موغاي" بسبب ازدواجيته الغريبة، فمؤخراً
شن طرفا اتفاق السلام في جنوب السودان، الحكومة والمعارضة المسلحة بقيادة رياك مشار، هجوماً عنيفاً على مفوضية المراقبة والتقييم المشتركة– جيمك- ووصفا مواقفها بالمتناقضة.
وقد جاء ذلك الامتعاض علي خلفية الإتهامات الأخيرة التي وجهتها المفوضية لطرفي النزاع بإنتهاك إتفاق السلام.
وقال الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية في المعارضة المسلحة مناوا بيتر قاتكوث في تصريح لراديو "تمازج" الاسبوع المنصرم ،إن الرئيس البوتسواني السابق فيستوس موغاي ظل يناقض نفسه في كثير من المواقف وخصوصاً تصريحاته الأخيرة القائلة بأن ليس لديه خيار سوى التعامل مع النائب الأول الجديد تعبان دينق قاي.
وأعتبر "مناوا" ذلك تجاوز وخرق لما تم الإتفاق عليه مؤخراً في إجتماع رؤساء الإيقاد بأديس أبابا، بضرورة عودة الأطراف إلي تطبيق الإتفاقية وتنحي تعبان دينق قاي.
مضيفاً "بأن أي معادلة سياسية يتم طرحها بالداخل أو من قبل الداعمين في الإقليم دون دكتور رياك مشار لن يحقق السلام والاستقرار في جنوب السودان".
وقد إتهم أيضاً "بول مكوينق" الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية جناح الرئيس سلفاكير، رئيس مفوضية الرصد والتقييم المشتركة بأنه يفتقر للمسؤولية، مشيراً إلى أنه ليس لديه القدرة على تنفيذ اتفاقية السلام بجنوب السودان.وإن النائب الأول الجديد تعبان دينق قاي هو الممثل الشرعي للمعارضة المسلحة وأنه يسعي جاهداً للتعاون مع رئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت لإحلال السلام في كل ربوع البلاد. وقد طال الإمتعاض أيضاً، النازحيين بمقرات الامم المتحدة أيضاً بسبب سلبيته الغريبة . فقد تظاهر عدد كبير من المواطنين داخل مخيم الأمم المتحدة بالأمس القريب للمطالبة بنشر قوات الحماية الإقليمية في جنوب السودان، خلال زيارة وفد مجلس الامن لمخيمات النازحيين بجوبا. ورفع المتظاهرون شعارات تندد بمنظمة الإيغاد ومفوضية المراقبة والرصد المشتركة والإتحاد الأفريقي.رافعين لافتات كُتب عليها ،"لقد فشلت الإيغاد وآلية مراقبة السلام والإتحاد الأفريقي"، حيث طالبوا بطرف ثالث يساهم في تنفيذ اتفاقية السلام في البلاد.
يتضح جلياً في سياق هذه الاحداث بأن السيد "موغاي" اضحى شخصاً غير مرغوب فيه من كافة الاطراف، وان وجوده على رئاسة المفوضية المشتركة للمراقبة والتقييم أصبح عائقاً امام مسيرة السلام بصورة لا تتخطاها العين .ولا يمكن بأية حال ان يستعيد الرجل زمام الامور في البلاد حتى في وجود قوى المجتمع الدولي. وبات من المسلم به بأنه ليس هناك مجالاً لما يسمى بالفرصة الاخيرة للسيد "موغاي" لحفظ ماء الوجه هذه المرة، فقد استفحل الامر وعم التشرد والنزوح البلاد. فلا تكفي تصريحاته المخيبة عن شعوره بالصدمة عن افتقاد قادة البلاد للإرادة السياسية التي تنقذ عملية السلام. فماذا تتوقع من قادة يتناحرون نهاراً جهاراً في ذكرى استقلالهم يا "موغاي"..؟!. ولا تكفي أيضاً تصريحات "بان كي" المثيرة للاشمئزاز بتعبيره عن قلقه المتواصل من تدهور الاوضاع في جنوب السودان دون ان يضع يده على مكامن الخلل الحقيقية ومعالجتها. فمازال الصراع على الكراسي الوثيرة هو الهم الشاغل في الدولة الوليدة ومازال قادة البلاد غير عابئين بحقيقة الأوضاع المأساوية التي يرزح تحتها شعب البلاد. وقد حان الوقت لكي اضم صوتي لدكتور عشاري عن رأيه المجروح حول مفوضية الاتحاد الافريقي والهيئات الاخرى التي تنضوي تحت لواءها ،والشبهات الاخلاقية التي تدور حول قادة تلك الهيئات والمفوضيات، وربما يمثل السيدان "امبيكي" و "موغاي" هذه النوعية من القادة.
اما على صعيد البحث عن حلول حقيقية للأزمة الحالية التي وصلت الى مستويات كارثية تهدد بانهيار الدولة برمتها ،يبقى الوضع في الداخل مفتوح على كافة الاحتمالات في ظل التحولات الجديدة التي فرضتها اعمال العنف التي اندلعت بالبلاد مؤخراً ، والتي أدت الى الانهيار المفاجئ لمنظومة الحركة الشعبية في المعارضة المسلحة وتعيين "تعبان دينق" نائباً أول لرئيس البلاد ، بجانب قرار مجلس الامن الأخير(2304) بشأن جنوب السودان القاضي بنشر قوات دولية قوامها (4000) جندي بالبلاد، والذي أحدث ارتباكا غير عادياً في الصف الحكومي بشأن آليات التعامل معه. واذا ما تم استصحاب زيارة وزير الخارجية الامريكية "كيري" الاخيرة الى كينيا ونتائج ما تم النقاش حولها بشأن أزمة جنوب السودان ، وزيارة الرئيس الكيني "كينياتا" الى جوبا مؤخراً والرسائل والمضامين التي حملها لنظيره الجنوبي، يتيقن بأن أزمة البلاد قد تدخل فصلاً جديداً ومرحلة اخرى مغايرة لما كان يجري في السابق، بحيث يصعب التكهن بنهاياتها ومالاتها ،خاصة بعد دخول لاعبين أساسيين في متن الازمة. وربما يتعين على حكومة البلاد إستيعاب تلك التحولات الجديدة تفادياً لأي صدامات محتملة في المستقبل القريب مع توجهات المجتمع الدولي المقررة بشأن أزمة جنوب السودان. فالنشوة العارمة التي إجتاحت أركان القصر الرئاسي عقب تنصيب "دينق قاي" رسمياً نائباً اول لرئيس البلاد، والمتخيلة بانه قد يُنهي الأزمة ويقود الى الاستقرار السياسي، قد تحتاج الى اعادة ترتيب للاوراق والنظر للأمر من زوايا متعددة، في واقع الاحداث المتسارعة. فملامح الفترة المقبلة لم تتضح بعد في ظل ترنح الخطاب الحكومي في مجابهة ثقل الضغوطات في الوقت الراهن. ولكن يظل المجتمع الدولي ودول الاقليم من اللاعبين الرئيسين في تشكيل معالمها سواء كان من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية او عبر الآلية العسكرية.


<عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.;