في رحلتها الطويلة الدولة المركزية في السودان تآكلت و ضعفت واضمحلت نتاج عنادها ومكابرتها في عدم الاستجابة لمطلوبات الهامش الذي افقرته بسياساتها المتخبطة دائماَ وذات الطابع الأناني , بدأت ملامح المناهضة لهذه المنظومة المركزية التي اوكلها المستعمر إدارة مصالحه بالبلاد منذ مؤتمر المائدة المستديرة و ظهور بوادر الامتعاض الجنوبي من شكل بدايات تكوُّن هذه المركزية القابضة , منذ ذلك الزمان و هامش البلاد يصارع هذا الثور الذي تربى بعلف المستعمر, هذه الصراعات تفجّرت بصورة اشمل و اوسع من ناحية الجغرافيا و الافكار بعد ظهور الفتى جون على مسرح الاحداث, حيث كان يمثل النسخة المتطورة جداً لبلورة هذه الاحاسيس الى رؤية ثاقبة هزمت كل تابوهات الدويلة المركزية المصنوعة.
ثورة الفتى جون لن تكون الاخيرة في سبيل التحرر الكامل للشعوب السودانية و العودة بهم الى الوتد الذي ضربه اسلافهم في عميق التراب , بل تعتبر هي النقلة النوعية التي وضعت الجميع امام المواجهة المباشرة و الصريحة , حيث عرفت مكونات الشعوب السودانية المهددات الحقيقية لصيرورتها كأمة لها دور عظيم في التاريخ البشري , جسّد هذا الدور معنوياً ابن المكي إبراهيم في قوله : (من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياة القادمة) , هذه المشاعر التي طرحها الكثير من شعرائنا و مفكرينا لم تكن محض اشعار و مفردات للبوح الجميل بل هي نتاج تأثير جينيومي له اعماقه البعيدة في وجدان الانسان السوداني , ذلكم الفتى و معه تلك الكوكبة الواعية بابجديات الصراع بين الاصل و الفرع كانت الداعم الاساس لتحرك ماكنة التغيير الفكري و المفاهيمي لجيل اليوم.
ابن بور الافريقي العتيق لم تقف رؤيته عند حدود الرنك بل تعدتها حتى وصلت حلفا و جبل مرة إلى جبال التاكا , ولم تتمترس عند حدود الافريقانية وانما تجاوزت هذا التأطير الى شمولها للاتجاهات الايدلوجية الاخرى التي يتبناها بعض المستنيرين , ومن مؤشرات عظمة وشمول هذه الرؤية انها اجتذبت احد انشط و اصدق و اكفأ كوادر اليمين السوداني وهو المهندس داؤود يحى بولاد , فالشهيد بولاد وبشهادة رفقاء دربه من الذين قدموا ابنائهم قرابين في المعارك المقدسة حسب زعمهم مع الحركة الشعبية كان صاحب الصوت المبكي عندما يقرأ ويرتل القرآن الكريم و كان المشعل الاكثر التهاباً الذي يلوح به شيخهم و رائدهم عندما تضيق من حولهم الدنيا, تخيلوا وتصوروا معي هذا التحوُّل الكبير لداؤود (اليميني) والتحامه مع جون (اليساري) , لقد قالها داؤود حينها فكانت مفردة قاسية على القلوب لكنها خرجت صادقة من الضمير , قال : (لقد علمت اخيراً أن رابطة العرق اقوى من رابطة الدين) , وجد داؤود ان جون هو الاقرب اليه وجداناً و فهماً وحضارةً رغم اسلام الاول و مسيحية الثاني , فكانت ثورة بولاد شبيهة بثورة الاديب الامريكي الاسود الكس هيلي في روايته (الجذور) , فبرغم طول المدى الزمني بين وصول جد الكس مصفداً بالاغلال من مالي للولايات المتحدة الامريكية الا ان جذوة الرباط الجينيومي لم تنقطع فهفا قلب الكس الى منبعه .
من ثم جاء الانقلاب الاكبر في هذا الصراع عندما خرج جميع رهط داؤود من منظومة الدويلة المركزية القابضة في نهاية الالفية الثانية قاذفين بكل شعارات الدولة الدينية على وسخ الرصيف , وخرج الخليل على خطى داؤود , وقُتل الخليل كما قُتل داؤود , انها آلة الدويلة المركزية حامية حمى الامبريالية و المصالح الشرق اوسطية في بلاد السودان , وكأني بروحي الخليل وداؤود تتناجيان في برزخ الكمال و السمو وتقولان لبعضهما أن لا خوف ولا حزن على شعوبنا من بعد ان أنرنا لهم طريق السؤدد و الانعتاق.
بعد ان قضت الامبريالية و البيوتات الشرق اوسطية على الكثيرين من حملة الوية التغيير بمساعدة ومساندة وكلائهم في هذه الدويلة المركزية اليوم نشاهد سقوط الوطن في بئر آسنة, وما فتيء هؤلاء الوكلاء سماسرة بيع الوطن في اسواق النخاسة الاقليمية و الدولية يتراقصون على جثث الفقراء الكادحين و المرضى من هوامش البلاد البعيدة , عكس هذا المشهد صورة الفنان شول منوت وهو طريح ارصفة احد شوارع المدن التي اغتصبها المرابون , شول لم تشفع له اهزوجة (ايها الناس نحن من نفر عمروا الارض حيثما قطنوا) , صورته وهو ملقي على الارض و حوله تتبارى اكياس الزبالة و الغراطيس التائهة التي تذروها الرياح من فوق جسده المريض هي الرسالة الانسانية قبل السياسية الى هذه الزمرة المتمكنة من جسد الوطن المريض كمرض شول أن قد آن أوان ثورة الجياع و المرضى.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.