إستندت العملية العسكرية على المستجدين وقوات قليلة العدد من ضباط الصف والجنود لا قدرة لها على تغطية المواقع الإستراتيجية دعك من تأمين وحماية السلطة الجديدة. وتم إشراك جنود قسراٌ (!) رغم أن الجنود ما عادوا منقادين بالرابطة العسكرية لضباطهم في التحركات السياسية والإنقلابات العسكرية .. وللجنود والصف تنظيماتهم ورؤيتهم السياسية.
وأن تعطيل قوة الحزب الشيوعي العسكرية وإخفاء تنظيمات ضباط الصف والجنود كان متعمداً .. وتكوين مجلس الثورة في معظمه من الضباط الشيوعيين ومنهم المبعدين من الجيش كان مقصوداً .. مثل تنازل كثير من الضباط المنفذين لكبار الضباط لإدارة العملية ومنهم المعادين للشيوعية .. وننظر الوقائع.
تنظيم الصف والجنود الشيوعيين
"ومن الأخطاء الجسيمة في الخطة العسكرية أن تنظيم الضباط لم يشرك معه تنظيم الجنود الشيوعيين والديمقراطيين في التحضير والتنفيذ وما بعد التنفيذ وهو تنظيم له وزنه .. وأمام الأمر الواقع أضطر تنظيم الجنود لإصدار بيانه لأعضائة ومؤيديه يوم 20 يوليو وجرى توزيع البيان بطريقة مكشوفة مما أدى إلى كشف عضوية من التنظيم ومحاكمة بعضهم وطرد آخرين".
(مشروع تقييم السكرتارية المركزية للشيوعي لأحداث 19 يوليو ص 66) وأضاف:
كان لأعضاء تنظيم الجنود العديد من الملاحظات والإنتقادات على الوضع العسكري بعد الإنقلاب مثل إعتراضهم على طريقة تجريد السلاح من المظلات ولواء المدرعات دون مراعاة أن بعض الجنود والصف من أعضاء التنظيم والمؤيدين. كان يمكن أخذ رأيهم والإستفادة من مواقعهم. كما كانت لهم إعتراضات على توزيع الحراسات الداخلية وتأمين المواقع.
وجدير بالذكر أن اللجان الثورية العمالية رفدت تنظيمات الجنود الشيوعيين بأعداد مقدرة من العمال الشيوعيين ومنهم جنود باللواء الثاني مدرعات وفي 21 يوليو تحدد إمدادهم بالسلاح يوم 22 يوليو وفات الأوان.
وكان للحزب تنظيمات للشيوعيين العسكريين أحدهما للضباط والثاني لضباط الصف والجنود. واتخذ الشكل التنظيمي طابع الثنائية برغم أن تنسيقاً وتبادل معلومات كان يجري بينهما. ولم يكن هذا مؤشراً على إنعدام الثقة بين الطرفين بقدر ما كان هدفه ضمان إجراءات تحوطية تقي التنظيم عمليات الإختراقات أو الضربات التي قد تحدث من أجهزة الإستخبارات (محمد محجوب عثمان – تنظيم الضباط الشيوعيين – كتاب الجيش والسياسة).
وفي توثيق المساعد/ صالح محمد محمود من اللواء الأول مدرعات جاء:
 إنتظم في التنظيم الشيوعي في 1961. وعضوية التنظيم باللواء الأول مدرعات كانت بنسبة 10% من قوة السلاح في 1967.
 معظم عضوية التنظيم نقلت للمديريات الجنوبية قبل يوليو 1971 والأعداد القليلة التي شاركت حضرت من الجنوب.
 شارك في 19 يوليو بعد إخطاره في نفس اليوم لكن الغريب إبعاده من اللواء الأول مدرعات ووضعه في حراسة الإذاعة والتلفزيون.
وتنظيم الجنود الشيوعي ممتاز وقديم، بذل عبد الخالق وعبد القادر عباس جهوداً جبارة لتطويره، والإرتقاء به وتنظيم مصنع الذخيرة كان يذخر بعضوية كبيرة وكان للحزب الكثير من العضوية في أسلحة الطيران والمظلات وسلاح الإشارة.
(توثيقات/ عثمان الكوده وعثمان محمد عبد القادر)
أما توثيق (صلاح بشير من ضباط المدرعات المنفذين) :
أن عدد الجنود الذين شاركوا في الإستيلاء على كتيبة جعفر لم يتجاوز 36 جندياً وكانوا جميعاً من المشاة ماعدا ثلاثة مدربين دبابات ولولا إلغاء حالة الإستنفار ما كان من الممكن إستلام الكتيبة. وعند الإستلام وجدوا بها 22 ضابطاً. أما القوة عند الإنقلاب المضاده فقد تكونت من ستة دبابات.
الحقيقة: كل العملية العسكرية في 19 يوليو إستخدمت بها خمسة دبابات (عبد الله إبراهيم الصافي).
الحقيقة: من غير المتصور إجراء مقارنة بين قوات 19 يوليو والقوات المضاده لا من حيث الأعداد أو التدريب .
أما الرائد/ محمد زين والذي كان عليه إستلام سلاح المدرعات واللواء الثاني ورئاسة سلاح ومدرسة المشاة بقوة 60 ضابط صف وجندي فقد غاب عن الحضور بعد إختفاء القوة (!) وتم إحتلال اللواء الثاني بالمستجدين في اللواء الأول وعددهم 28 جندياً.
تنظيم الضباط الشيوعيين في أضعف حالاته
التنظيم كانت بداياته في 1954 وتحمل عبء مهام تنظيم الضباط الأحرار كان في أضعف حالاته في يوليو 1971 للآتي:
1- قسم من عضوية الضباط الأحرار (القوميين) إستأثر بالسلطة.
2- قيام تنظيم ضباط مايو الأحرار إنضم إليه بخلاف القوميين والإنتهازيين بعض الضباط الديمقراطيين والوطنيين.
3- العمل المشترك في الضباط الأحرار كشف عضوية التنظميات العسكرية الحزبية (الشيوعيين وأحزاب اليسار).
4- فصل عدد من الضباط الشيوعيين والديمقراطيين 16 نوفمبر 1970 – مايو 1971 (معظمهم شارك في 19 يوليو).
5- نقل أعداد من الضباط وضباط الصف والجنود الشيوعيين والديمقراطيين خارج الخرطوم ومنها للمديريات الجنوبية.
وبالرغم من ذلك فإن بعض الضباط الشيوعيين والمرشحين لعضوية الحزب وعدد من الديمقراطيين وآخرين كانوا من الحزب الشيوعي (القيادة الثورية) هم المخططين والمنفذين وأية تصورات أن الضباط الديمقراطيين فرضوا الأمر الواقع على الشيوعيين لا سند له.
إشارة: تبنى الحزب الشيوعي (القيادة الثورية) نظرية الكفاح المسلح بأثر الخلافات في الحركة الشيوعية العالمية (الصين) ونلاحظ أن المؤتمر الرابع للحزب لم يتعرض لإنقسام 1962 الذي نتج عنه الحزب. ولم يتخذ أي قرار بشأنه وظل عبد الخالق ينادي بمساعدة المنقسمين بالنقاشات ...
آثار ضعف التنظيم الشيوعي والديمقراطي
1- ضعف مراقبة تنفيذ التعليمات والأوامر (عدم تعطيل دبابات اللواء الثاني فنياً).
2- الفشل في التعامل مع الوحدات العسكرية.
3- إشراك ضباط خارج التنظيم وإيكال مهمات مؤثرة لهم (حراسة أعضاء مجلس قيادة الثورة).
4- ضباط منفذون يشرح لهم دورهم يوم 19 أو بعد إنجاز العملية، بل إن ضباط كبار أصبحوا يديرون العمل ويصدرون الأوامر في القيادة العامة.
5- معظم الضباط الشيوعيين لم يشتركوا في التخطيط ولا التنفيذ.
إن المجموعة التي (خططت) و (نفذت) أهملت القواعد الأساسية للإنقلابات صنعوا قيادة عسكرية للعملية دون التشاور معها ونصف مجلس الثورة من المبعدين. وفي الداخل لم يعتمدوا على أية قوات و(صنعوا ظروفاً) مكنتهم من السلطة لوقت وجيز بالتمويه والإجراءات:
1- صف وجنود ينفذون تعليمات دون علم للطريق الذي يسيرون فيه.
2- مشاركة قسرية للجنود بالابقاء بتأخيرهم عن الترحيل الجماعي.
3- توظيف للمستجدين فيما لا يدركون.
4- إلغاء الإستنفار بكتيبة جعفر يوم 16 يوليو.
5- التنوير الأول لضباط الصف: حماية أهداف مايو.
6- إشتراك الجنود قليلي العدد إعتماداً على الإنضباط والضبط والربط العسكري دون تنوير كافي.
7- مسئولية الحرس الجمهوري عن تأمين أعضاء مجلس قيادة الثورة.
8- مدرعات الحرس الجمهوري أمر تحريكها عند رئيس الحرس.
أما حماية وتأمين السلطة الجديدة فقد شطبت من أجندة القيادة وتم الرد على الضباط الذين أثاروا المسألة، أن هذه هي مهمة القيادة بل إن المتآمرين من الشيوعيين المدنيين أطلقوا فرية (أن الحزب سيتصرف وعلى العسكريين تسليمه السلطة نظيفة).
الحزب في أضعف حالاته:
إنقسام 1970 من عمليات تصفية الحزب بالتذويب داخل الإتحاد الإشتراكي أضعف الحزب وانكشفت أدوات عمله السري ولم تحل مشكلة العمل القيادي حيث كان من المقرر عقد المؤتمر الخامس في يونيو 1971.
واللجنة المركزية ظلت أضعف الحلقات منذ أكتوبر 1964 عندما تساقطت 60% من عضويتها ولم يتم بحث أسبابها.
أنظر: بعد ثورة أكتوبر تم إعتقال أحمد أبارو (قائد البوليس) وبدأت لجنة التحقيق في مواجهته بتجاوزاته وعملت على التعرف من خلال التحقيق على طبيعة النشاط المخابراتي الأجنبي المعادي للبلاد وحدوده وآثاره.
أدلى أبارو ببعض المعلومات ثم طلب من رئيس لجنة التحقيق تحويل إعتقاله إلى (إعتقال منزلي) وفي مقابل ذلك يقوم بكشف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي كان يمد جهاز الأمن بالمعلومات عن نشاط الحزب المدني والعسكري وأماكن وجود ماكينات الطباعة.
كما تحدث عن عضو اللجنة المركزية الذي يمد السفارة الأمريكية بالخرطوم بالمعلومات حول نشاط الحزب (تعرف عليه الحزب في 1982 وسكت عن جرائمة واستمر في الحزب حتى 1968 وكان في لندن في 19 يوليو 71( وعرض رئيس لجنة التحقيق الأمر على أحمد سليمان المحامي (عضو اللجنة المركزية للشيوعي وقتها) رئيس اللجنة الوزارية للتطهير الذي إستنكر العرض وأن (أبارو) إنما يدبر لهروبه أو لخلق مشاكل داخل الحزب الشيوعي. (أحمد سليمان كان سفير السودان في موسكو في يوليو 1971).
ونتأمل رسالة عبد الخالق (مايو 1970) والتي أكد عليها المكتب السياسي:
" في إعتقادي أن الحزب الشيوعي لن يستطيع إجتياز هذه الفترة الحاسمة من تاريخه من غير أن يطهر صفوفه من العناصر اليمينية والبوليسية ومن كل العناصر المهتزة فكرياً .. حركة الثورة السودانية تتطلب في الظروف الراهنة حزباً موحداً إلى أقصى الدرجات ومطهراً من الإتجاهات اليمينية."
وكتب:
إن هناك جواسيس يعملون لصالح اجهزه الأمن واللجنة المركزية والمكتب السياسي عاجزان عن إتخاذ موقف منهم وعن وضع حدود تنظيمية حماية لنقاء الحزب .. وإن الحزب الشيوعي سيجد نفسه في النهاية عاجزاً عن الدفاع عن برنامجه وعاجزاً عن قيادة حركة الجماهير .. والنهاية عزل كادر الحزب المتمسك بالماركسية ونفيه وضربه.
الكتيبة بديل تنظيمات الشيوعي !!
1- حضر مساعد المدرعات للخرطوم قادماً من جنوب السودان 23 يوليو للإلتحاق بكورس الترقي بجبيت في القيادة العامة وتم توجيهه لمقابلة الضابط المسئول بالشجرة لاستخراج تصاريح السفر وهناك أخطر بطلب (الهاموش) مقابلته.
2- يوم 27 يونيو أخطره الهاموش بإلغاء كورس الترقي لعدم ملائمة الظروف وأوكل إليه مهمة تدريب كتيبة (135) جندي بخور عمر في كورس تدريب مكثف (مدرعات ومدفعية) وأن يتم التخريج يوم 10 وبحد أقصى يوم 14 يوليو.
3- خلال فترة التدريب زار المعسكر (ود الزين) مرتين والهاموش حضر يوم 10 يوليو.
4- في 18 يوليو تم توزيع كل الجنود على القيادة العامة والحرس الجمهوري. وفي ذات اليوم تم تنويره وضباط صف آخرين (بالنشاط المعادي للثورة الذي يجري والذي بدأ بين طلاب جامعة الخرطوم) ومن ثم صدرت له التعليمات لتجهيز الدبابات والمدرعات وظل التيم المكلف يؤدي مهمته كل ليل 18 حتى صباح 19 يوليو (المدرعات والدبابات التي نفذت التحرك).
5- مساعد المدرعات عاد إلى منزله صباح 19 يوليو بعد عدة ساعات من التحرك تمت إعادة الإتصال به ليشارك في العملية وتمت محاكمته بعشر سنوات (توثيق/المساعد/ حسن عبد السلام محمد).
الضباط الشيوعيين ومنهم أبو شيبه والعطا يعلمان بتنظيمات الصف والجنود ويكفي أن فرع الحزب بالذخيرة هو الذي أخرج لهم عبد الخالق ويدركون يقيناً أن القوات تتحرك بتعليمات الحزب وفي الحزب عن طريق (مسئول الإتصال الحزبي) وقتها عبد المجيد النور شكاك الذي يتلقي التعليمات بالتحريك من السكرتير العام الذي لا يستطيع إصدار تلك التعليمات إلا بموافقة اللجنة المركزية، وهذة يلزم إحاطتها بساعة الصفر، واجتماع اللجنة المركزية مساء 19 يوليو وموقفها كان معلوماً لذلك قطعت العملية عقد الإجتماع الذي كان سيكشف الكثير. ووضع أبو شيبة بدائل كثيرة لقوات الحزب وما كان لها أن تجدي شيئاً (أكثر من عشرة بدائل) واستعصم أبو شييبة بالحرس الجمهوري لا يغادره وترك القيادة العامة للحركة لكبار الضباط من المايويين وأعداء الحزب ولم يكتف بذلك بل نقل العميد المتقاعد المتهم بتدبير إنقلاب ضد مايو من سجن كوبر إلى إحدى غرف القصر الجمهوري مع إغلاق باب الغرفة من الخارج (؟) ولا يخفي العميد عداءه للحزب (!!)
إن تعطيل قوة الحزب وإخفاء تنظيمات الصف والجنود من جهة، والوجه الشيوعي للعملية من جهة أخرى لا يعني غير وضع الحزب طعماً، وأن الحزب هو الذي دبر وخطط ونفذ .. ولذلك تمت محاكمة عبد الخالق بتهمة التدبير لا تهمة تأييد الإنقلاب بعد وقوعه ليتم إغتياله والتحرك العسكري الذي لا قوات له، وينتظر وصول أطقم دبابات من العراق للحماية والتأمين وقيادته خارج الجيش وخارج السودان .. والتحرك العسكري دون معرفة (توازن القوى) في الجيش وخارجه .. لن يكون (ثورة) ولا (إنتفاضة) ولا (إنقلاب) فما هو ؟!
وننظر:
 كنا ننشعر بتذمر وسط الجنود خاصة المظلات والمدرعات منفذي إنقلاب مايو.
 تمت مخاطبة كبار الضباط ومطالبتهم بمواصلة العمل بصورة طبيعية وبذلك أصبحوا هم الذين يديرون العملية.
 إطلاق سراح جنود اللواء الثاني مدرعات وصرف السلاح لهم وهم الذين أعادوا نميري (عبد الله إبراهيم الصافي).
 لاحظنا منذ الساعات الأولى بعد التنفيذ أن القوات غير كافية لتغطية المواقع الإستراتيجية.
 سمح للجميع بالإنضمام للعملية واندس الكثيرون وسطها (عبد العظيم عوض سرور).
اشاره:
الاخ فاروق عكود من ظباط يوليو يعتقد ان نسبة الظباط المفصولين المشاركين التي وردت في المقال السابق خطا....ساقوم بالمراجعه والتصحيح وافيد ان النسبه ماخوذه من عدد الظباط الذين تمت محاكمتهم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.