ما أن تطرق أسماعنا مفردة (الحرم) حتى نتهيأ لوضع خاص . الحرم يرتبط بالقداسة و الرفعة والرقي , فينال بذلك استثناء يجعله بمنأى عن تدابير و ضوابط تجري على الأسواق و الملاعب و المسارح , حيث يعرف ضمناً أن رواد الحرم يترفعون طوعاً حتى عما هو مباح في غير الحرم . و عليه فلا ينتظر أن يقوم سوق في حرم المسجد و لو لبيع المصاحف .. فكيف تكون الصدمة إذا تبين أن الاستثناء الذي يناله الحرم قد أصبح ثغرة يتسلل منها باعة المخدرات ؟  
الحرم الجامعي , اكتسب خصوصيته من مكانة الجامعة , التي تحتاج هي الأخرى إلى استثناء , حتى لا تعيقها بعض التدابير العامة عن أداء مهمتها الخاصة في إعداد طلابها من الناحية العلمية و تأهيلهم للحياة العامة من خلال النشاط المصاحب .. و يعرف أن الجامعة مؤسسة أكاديمية في الأصل , تولي اهتماماً للنشاط المصاحب باعتباره مكملاً لـ (الحياة الجامعية) التي تؤهل الخريج لدور مجتمعي كبير .. هذه الصورة هزتها خروقات كثيرة جعلت من الضروري إعادة النظر في الضوابط المتعلقة بالحياة الجامعية , و لعل أهم موجبات إعادة النظر هما : التسلل من ثغرة الاستثناء لارتكاب الجرائم , و  تمدد النشاط المصاحب على حساب الدور الأكاديمي الأصيل للجامعة ؛ حتى كاد النشاط المصاحب يصبح الأصل في مهمة الجامعة .  
أصبح الوضع الخاص للحرم الجامعي ثغرة لارتكاب جرائم كاملة الأركان , بل و أصبح سبباً في تعطيل إجراءات ملاحقة الجناة كما يحدث مع مجرمين خارج (الحرم) , حتى صار من المفارقات إمكانية ضبط سكران يهدد المارة في الشارع بينما يختبئ في الحرم الجامعي ناشط سياسي تقطر سكينه بدم  زميله , و صارت جريمة حرق المكتبة أو تحطيم المعمل فعلاً مباحاً ما دام يأتي ضمن احتجاج الطلاب على قرار للإدارة أو السلطة .
 لا شك أن تلك الظواهر قد أزعجت الجميع , لكنه انزعاج مرتبط بتمسك متزمت بنمط محدد للحياة الجامعية ؛ رغم إمكانية إيجاد بديل سهل متمثل في المحافظة على خصوصية وضع الجامعة مع مراجعة التدابير الحالية التي ثبت عدم جدواها في ضبط الحياة الجامعية .. و يبدأ ذلك بمنح الأولوية لدور الجامعة الأكاديمي الذي أصبح مشكوكاً في أصالته , و مكبرات الصوت تعلن عن ندوة سياسية كبرى لا يملك معها المحاضر غير أن يوقف المحاضرة لبضع دقائق حتى يكمل التنظيم السياسي إعلانه , و الطلاب يقتحمون قاعة الامتحانات لتعطيل الامتحانات تعبيراً عن رفضهم لقرار صادر عن السلطة الدكتاتورية , أو أن يمتنع آخرون ـ و ظهرهم محمي ـ عن أداء الامتحان لأنهم في مهمة جهادية في أحراش الجنوب .
يقودني الحديث عن الجامعة إلى حالة عجيبة تجذرت و تمددت و باضت و أفرخت بسبب التعامي عن مواجهتها حتى استمرأ أصحابها الحال .. أعني تخلص الأحزاب السياسية من مهمتها الأساسية في العمل السياسي و (تكليف) الطلاب بهذه المهمة حتى أصبحت اتحادات الطلاب مسئولة عن الثورة و إحداث التغيير , و قد يلومها قادة الأحزاب إذا تقاعست عن دورها !
يعرف أن الحزب وعاء سياسي يضم مختلف شرائح المجتمع , و أن قضايا الزراع و العمال و التجار و الطلاب و النساء و الشباب تقع في دائرة مهمة و دور و رسالة كل حزب ما دام الحزب يضم كل هذه الشرائح . و يعرف أيضاً أن الحزب بطبيعته هو المنظم للندوات و التظاهرات و الاحتجاجات , لكن تلاحظ بعد نجاح الأحزاب في صرف الناس عن هذه البداهة , أن المظاهرة لا تخرج من دور الأحزاب و كأنها أندية رياضية , و أن شرارة الثورة لا بد أن تندلع من الجامعة حتى بدا للناس أن انطلاق شرارة الثورة من غير الجامعة فعل محرم بفقه الثورة ذاتها .
  برسوخ هذا الفهم العجيب , أصبح مألوفاً ألا يتصدى للقضايا أهلها , فلا يخرج المزارعون في مظاهرة احتجاجاً على فساد التقاوي و المبيدات و الأسمدة , و علهم ينتظرون طلاب الزراعة للتصدي للمهمة , و لا تنظم الغرفة التجارية مسيرة احتجاجا على زيادة الضرائب أو الجمارك أو على محاباة السلطات لتجار الحزب الحاكم , و لا يتظاهر العمال و لا المعلمون ..  لا يتظاهر مجموع هذه الفئات من أمام دار الحزب تعبيرا عن قضية تتعلق بالحريات أو السلام أو الضائقة المعيشية .. الكل ينتظر الطلاب , مدفوعين و مخدوعين بأنهم وحدهم ضمير الأمة و حملة مشاعل التغيير .. هذا احتيال سياسي لا يتورع أصحابه من جعل الطلاب وقوداً في محرقة أعدتها الأحزاب العاجزة , تحت مسمى مشاعل الثورة و قادة المستقبل ..
ثلاثة أمور تتعلق بالحياة الجامعية , تحتاج إلى تصحيح هي مفهوم الحرم الجامعي و حدود النشاط المصاحب و استغلال الطلاب .. و قد تلاحظ أن أي دعوة لتصحيح أو مراجعة هذه المفاهيم تزعج عطالة السياسة المتبطلين عند أسوار الجامعات ينتظرون الفرج من صغار الطلاب , فيشهرون سلاحهم الشهير : إنها دعوة مشبوهة لتدجين الجامعة ؛ ليبرز السؤال المنطقي : و لماذا لا يخرج للشارع حزبكم غير المدجن ؟  


 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.