بائعة الكِسرة وصبي العَراوي: حبيبة والمساح
الإبداع في المسغبة وشظف العيش

مولد قصيدة

ودمدني - عاصمة الجزيرة الخضراء وعصب اقتصاد السودان متمثلا في مشروع الجزيرة .. المشروع كان يُعتبر أكبر مشروع يُروى بالري الإنسيابي وأكبر مزرعة في العالم ذات إدارة واحدة .. كانت المدينة تعج وتزخر بالحياة المتنوعة ..  بالأنشطة
أنجبت المدينة فحول الشعراء وقادة السياسة وروّاد الفن والغناء كما أنجبت التمردين الصعاليك على حد سواء .. وفيها نشأ وترعرع شاعرنا علي المسّاح .. احتضنت المدينة ألوان الطيف حيث تتماذج الثقافات والأعراق وتتلون وتتباين مستويات المعيشة والحياة ولكن الكل عاش في شيئٍ من التآلف والانسجام والوئام .. الحي البريطاني، القسم الأول، دردق والجزيرة، الحلة الجديدة، المدنيين وود أزرق ، بانت وجبرونا والدباغة وغيرها.. في وسط المدينة مكتبات تزخر بالكتب العربية والأجنبية .. المدينة يحتضنها النيل الأزرق بصفاء مائه الازرق في الصيف وعنفوان جريانه الحامل للطمي الأحمرمن هضاب الحبشة في فصل الخريف .. هكذا تزدان المدينة به .. وحقاً أنه من الصعب أن يتخيل المرء مدينة حية بلا نهر .. هناك المطاعم والحلواني ودور السينما ومراكز الشباب .. ثم على النيل الأزرق تتمدد جنينة كعكاتي .. وفي الضفة الأخرى للنيل حنتوب الجميلة .. من منا من لم يتلذذ بفول أبو ظريفة ومكاوي ومطعم الست الإغريقية في محطة السكة حديد .. من منا من لم يمش في الشارع زهوا يحمل أحرفا عربية صقيلة وأنيقة خطها يراع أبو الأجماروداعبتها أنامله الفنانة .. ومن جهة أخرى فإن من عاش فترة في هذه المدينة الفريدة لا بد أن يتذكر شخصيات وثقافت أخرى كانت تحتويها هذه المدينة الفريدة .. شخصيات عباس الذي خطط ونفذ لسرقة بنك باركليز في وقت لم يكن أحد يجرؤ حتى في التفكير في ذلك ناهيك عن التخطيط والتنفيذ .. وشخصيات أخرى مثل عوض حلاوة والصادق أبو العافية .. هذا جانب آخر في المدينة لم أر له شبيها إلا في الغرب الأمريكي حيث ثقافة الكاوبوي رعاة البقر .. في إحدى الحقب كانت بطولة المدينة يتقلدها عوض حلاوة وعند ما هزمه الصادق أبو العافية في قتال ملاكمة شهير تم تنصيب الصادق بطلا في مكانه .. وهناك حسن فرفشة الذي أجاد وتمكن من العزف على العود إلى درجة أنه كان يعزفه من وراء ظهره ..  
في منتصف ستينيات القرن الماضي وأنا طالب في المرحلة الثانوية كنا نسكن في المدنيين غير بعيد من حيث تسكن إمرأة صبوحة تفوح طيبة وبساطة اسمها "حبيبة" اسم يدل على ويعبر عن صفاتها .. كانت تبيع “الكِسرة” وهذه مهنتها لتوفير لقمة العيش ولكنها في الوقت نفسه هي الأم التي انجبت شاعرنا الكبير علي المساح !! هكذا نشأ الشاعر المساح وهكذا كانت البيئة المحيطة التي شهدت ميلاد إبداعاته الشعرية .. وكما هو ملاحظ فإن شظف العيش وقلة الحيلة والوسيلة لم تمنع هذه الموهبة العبقرية أن تتفجر وتنتج كل الجمال والفن الذي أدهش معاصريه ومازالت تتناقله الاجيال رجعا وترديداً .. ولكن لا عجب !! إنه السودان بلد الشعر والفطرة السليمة .. ألم يندهش نزار في زيارته فاطلق قولته الشهيرة: في السودان إما أن تكون شاعرا أو أن تكون عاطلا عن العمل .. وكما قيل فإن ريفائيل سيكون أعظم فنان حتى لو وُلد بغير يدين !! وهكذا كان الحال لدى شاعرنا المسَّاح!

زمانك والهوى

زمانك والهوى أعوانك من درر قصائد غناء الحقيبة وشاعرها علي المساح من أكبر شعرائها .. ويقال إنه لُقب بالمسَّاح لأنه كان مثل مهنس المساحة كثير التجوال في أرجاء مدينة ود مدني .. غير أنه وصف نفسه أيضاً بـ "المسَّاح دمع البَكى" .. وبالطبع تجوال الشاعر ليس كأي تجوال وإنما يتجول الشاعر بحثا عن الجمال تلتقط ذاكرته الفوتغرافية صوره ومكوِّناته حتى تولد القصيدة مشحونة بحرارة التجربة وعنفوانها.. هل كان المساح يتجول كما يفعل مهندس المساحة؟  نعم هذا صحيح لكنه يجوب الأرض بدهشة الفنان الباحث أبدا عن ما يحفز ويدعم الإبداع .. كان شاعرا مقلا غير أنه كتب عيون - عيون الشعر في ما عُرف بشعر الحقيبة .. وعلى سبيل المثال لا الحصر: الشاغلين فؤاداي وغصن الرياض المايد وبدر السما التي ترنم بها هرم الغناء السوداني ابن مدني ابراهيم الكاشف وغيرها .. كانت أدواته وملكته الشعرية فريدة ومصقولة بالرغم من أنه لم يتلق تعليما رسميا بل كان أميَّا مثل ابن بلده الكاشف لم يكن ملما بالقراءة والكتابة غير أنه يجيد النظم وقول الشعر أي إجادة .. حتى المهنة البسيطة التي أختارها أو فرضت عليه لأنها مهنة الوالد وهي - خيّاط بلدي - لم يترق فيها إلى ترزي وإنما كان مجرد “صبي عراوي” لمن يعرفون هذه الحرفة .. ولكن - وهذا هو سر الموهبة - كان ملكا غير متوج في عالم الفن والإبداع ..
 
تقول الرواية أن قصيدة - زمانك والهوى أعوانك - نظمها فى ملهمته و هى فتاة من اصول مصرية تسمى "بهجة" ويذكرها - توريةً ـ في نهاية القصيدة (يا البهجة هلّ هلالك). وبما أنني عشت في ود مدني سنوات الطلب أرجح أن الملهمة للقصيدة هي إحدى حسان أجزخانة الحضري المشهورة آنذاك .. وكانت طبيبات تلك الصيدلية يتوجهن إلى العمل في الصيدلية صباحا ومساءً يتبخترن مشياً عبر شوارع المدينة وهن يرتدين الزي الأوربي المميز اللافت للنظر .. وطبعا كانت ذاكرة المسَّاح الشاعرة تختزن كل هذا الزخم تنسجه وتنتجه مثل دودة القز حريرا ناعما في شكل قصائد ..  وهذا ما حدث أيضا لزميل المسَّاح وصديقه خليل فرح الذي كان متيما بودمدني ويكثر من الزيارات لها .. في إحدى زياراته رأى "زهرة روما" وهي تقود سيارتها الأمريكية المكشوفة في شارع النيل فكان مولد – من جناين الشاطئ – وتلك قصة أخرى ..
على أي حال قد سافرت "بهجة" مع اسرتها فى عطلة الى مصر فى عام 1924
.. و لما عادت سالت صويحباتها - وهي تعلم إعجاب الشاعر بها - ان كان غيابها قد اوحى للمساح بشئ؟
فانشد المساح صديقتها قصيدة – زمانك والهوى أعوانك - و تغنى بها فنان ودمدنى محمد سليمان الشبلى
وكذلك تغنى بها الفنان عوض الجاك والكثيرون على مر الزمن ..
واللافت للنظر أن القصيدة تزخر بألأساليب البلاغية مثل الطباق والجناس وصيغة فعلان في اللغة العربية بالإضافة إلى التورية التي استخدمها في النهاية في الإشارة إلى اسم المحبوبة .. واستخدم المساح أيضا الجمع في التعبير عن المثنى (زمانك والهوى أعوانك) وهو تعبير بليغ وكثير عند العرب .. طبعا هناك من تحذلق وأراد أن يصحح الشاعر بأن يقول : زمانك والهوى أعانك وهذا تعبير عادي ومبتذل .. فتعبير الجمع مشحون بالمعاني ويضفي امتدادا واتساعا وزخماً لما يحمل الزمان والهوى من عناصر السيطرة والغلبة التي ليس معها حل سوى الإستسلام لغلبته .. وقد عبر عن هذه الفكرة بطريقة أخرى ود القرشي محمد عوض الكريم في إحدى جواهر أغنياته – عازة وصالك – حين قال : "جاني جيشك واقف حاز عليَّ النصير" عندما فكَّر الشاعر مجرد تفكير في أن يحارب حب العازة ويفني عمر غرامها في مهده "درت أحاربو غرامك وافني عمرو قصير"، فهيهات أن ينجح في مواجهة جيش الغرام العرمرم .. فكانت النتيجة: "جاني جيشك واقف وحاز عليَّ النصير" !! ..

القصيدة
زمانك والهوى أعوانك.....احكمي فينا هذا أوانك
حمامة الغصون صداحة فوق أغصانك
ذكرى لي حبيب ياحمامه مولاي صانك
هاجت عبرتي ويا دموعي كيف حبسانك
وين تلقى المنام يا عيوني غاب إنسانك
مدنف وجدى بيك لكن فقدت... حنانك
روحي وهيبه ليك هي هدية طوع بنانك
هاروت سحره مأخوذ من سحر عينانك
ظلموك لو يقولوا الدر شبيه أسنانك
في صبحي ومساى نازلات دموع ساحالك
وأنا كايس رضاك ورضاك أظنه محالك
أتعكر صفاي وبياضي أصبح حالك
والحال العلى ياريتو لو يو حالك
حسنك مافى عجمان ولا عربانك
لو هب النسيم الزاكى ميل بانك
أدبك خدرك الضاراك على ما بانك
ما ضر لو أكون أنا من احد حبانك
قلبي ضنين هواك من كل جميل يخلالك
يا ذات الجمال فرضا علىّ إجلالك
لي شوفتك مباح دمى العزيز ما غلالك
عدتي وعاد هناى يا البهجة هلّ هلالك

الفاتح إبراهيم
كاليفورنيا - الولايات المتحدة


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.