طلب منى الاستاذ النور أحمد النور رئيس تحرير جريدة الصيحة اليومية إنابة عن اعضاء منتدى صافى النور للحوار المجتمعى ابتدار نقاش حول البطالة     unemployment فى السودان.وقد جبرت خاطره رغم ضيق الوقت.وعقدت حلقة النقاش برئاسة الفريق الركن فاروق محمد على صباح يوم السبت 13 مارس 2016 بمنزل السفير الدكتور على يوسف بالطائف وقد اتحف سعادة السفير و اسرته الكريمة الحضور بما لذ وطاب من الطعام و الشراب. فلهم الشكر الجزيل.  

         وقد قمت فى اطار التحضير لابتدار النقاش بالبحث فى الشبكة الدولية للمعلومات internet عن معلومات و دراسات حديثة عن البطالة فى السودان وعثرت على دراسة واحدة نشرت فى بداية العام 2011 وهى بقلم الدكتورة سامية ساتى عثمان محمد نور التى كانت وقتها محاضرة بجامعة الخرطوم.وتحتوى الدراسة على أرقام كثيرة جدا ولكنها لا تجيب بوضوح كافى على السؤال لماذا ارتفاع البطالة فى السودان ؟                            
ماذا نعنى بكلمة بطالة unemployment  ؟  

المعنى المباشر و المعروف لدى عامة الناس هو ان الشخص العاطل هو الشخص الذى لا يقوم بأى عمل منتج يدر عليه دخلا و لكن المعنى الاقتصادى للكلمة و المستخدم من قبل منظمة العمل الدولية هو إن الشخص العاطل هو الشخص الذى تنطبق عليه ثلاث صفات : أولها هى انه لا يعمل وثانيها لديه الرغبة فى العمل وثالثها انه يبحث عن عمل ولكن لا يجده.وبهذا التعريف للبطالة لا يعد الذين لا يعملون ولا يرغبون فى العمل ولا يبحثون عن عمل، لا يعدون عطالى.ويجوز ان نطلق عليهم صفة رماتلة (جمع رمتال).وتحسب البطالة بالنسبة للناس الذين يعتبرون فى عمر أو سن العمل working age  وهى الاعمار التى تترواح بين الخامسة عشر و الرابعة والستين(15 الى 64) و يشكل هؤلاء حوالى 60% من سكان السودان اليوم. ومن مجموع السكان الذين فى سن  العمل نستبعد الذين لا يستطيعون العمل بسبب المرض أو الاعاقة أو الانتساب للدراسة او التفرغ لعمل البيت مثل النساء اللاتى لا يرغبن فى العمل وبذلك نحصل على ما نقول عليه القوى العاملة  labour force.وتقول المعلومات الرسمية أن نسبة البطالة فى السودان حوالى (19%) وسط كل السكان و (34%) وسط الشباب (48%) وسط خريجى الجامعات.وقد أصدرت منظمة العمل الدولية معلومات عن البطالة وسط الشباب الذين تتراوح اعمارهم من الخامسة عشر الى الرابعة والعشرين ( 15الى 24)   خلال الفترة من 1996 الى 2015 (20 سنة).وقامت المنظمة بتقسيم تلك المدة على أربع فترات و حسبت معدلات البطالة لكل فترة عن طريق نسبة العاطلين عن العمل مقارنة بالقوة العاملة labour force  و الفترة الاولى هى من 1996 الى 2010 و الثانية من 2001 الى 2005 و الثالثة من 2006 الى 2010 و الرابعة من 2011 الى 2015.و قد اخترت خمس دول من أجل المقارنة و هى الجزائر و مصر و تشاد و أثيوبيا و السودان.وكان معدل البطالة فى مصر (%33.9) فى الفترة الاولى و (%37.9) فى الفترة الثانية و (%41.7) فى الفترة الثالثة و (%42) فى الفترة الرابعة.و فى الجزائر (22.5%) و (26.3%) و (20.4%) و (20%).و فى السودان (22.7%) و (22.7%) و (23%) و (23.3%) و فى الجارة تشاد (10.9%)و (10.6%) و (10.7%) و (10.5%).و فى الجارة أثيوبيا (7.5 %) و (7.9 %) و (6.6 %) و (7.1 %) .ويلاحظ القارئ الكريم ارتفاع معدلات البطالة فى مصر و السودان و الجزائر و انخفاضها فى اثيوبيا و تشاد.                                
جدول يوضح معدات البطالة وسط الشباب أعمار (15 الى 24) مقارنة بالقوى العاملة
بيان    2000/1996    2005/2001    2010/2006    2015/2011
مصر    %33.9        %37.9        %41.7        %42.0
الجزائر    %22.5        %26.3        %20.4        %20.0
السودان    %22.7        %22.7        %23.0        %23.3
تشاد    %10.9        %10.6        %10.7        %10.5
أثيوبيا    %7.5        %7.9        %6.6        %7.1


لماذ يجب الاهتمام بالبطالة ؟                                    
هنالك أكثر من سبب لضرورة الاهتمام بالبطالة و التصدى لها وذلك لان مآلات البطالة الاقتصادية والاجتماعية و السياسية مدمرة جدا. فالشخص العاطل عن العمل لا يملك اى مصدر للدخل وما لم تكن ليده ثروة يعيش منها فأنه يسوف يعانى من الفقر المدقع الذى يقود الى الجوع و المرض وانهيار الحياة الاسرية و ربما الجنون و الوقوع فى هاوية الانحطاط الاخلاقى (السرقة و اغتصاب الاموال و ممارسة الدعارة) و أخيرا الموت. و يؤدى الفراغ الى الانحراف. و تنطوى البطالة على عدم الاستفادة الكاملة من الطاقات الانتاجية المتوافرة فى المجتمع و على تآكل و تراجع المعرفة و المهارات و خاصة عندما تطول مدة البطالة. و يشكل العاطلون عن العمل و خاصة الشباب الذين يعيشون فى المدن أكبر مهدد للاستقرار السياسى فى أية بلد.                    
من أين تأتى البطالة ؟                                        
يقول الاقتصاديون ان هناك فى كل الاقتصادات التى تقوم على حرية تملك وسائل الانتاج و حرية العمل وتبادل السلع و الخدمات و بها منافسة حقيقية و غياب للاحتكار و غياب للتدخل الحكومى الضار الذى يعيق حرية حركة الاسعار و حرية تحرك الموارد البشرية و المالية بين القطاعات ،هناك ميل طبيعى للاستخدام الكامل للقوى العاملة labour force فى المجتمع لثلاثة أسباب رئيسية السبب الاول هو ان اى انسان يحتاج للحصول على دخل لكى يعيش ويكون ذلك بأن يعمل لحسابه مثل المزارعين والرعاة والتجار وصغار الحرفيين الخ أو يعمل مقابل أجر لدى شخص آخر مثل الحكومة أو رجال الأعمال والسبب الثانى هو انه يوجد فى كل مجتمع مبادرون entrepreneurs يقتنصون الفرص المتوافرة للاستثمار وتحقيق الارباح ومن تلك الفرص وجود ايدى عاملة عاطلة يجوز استخدامها لانتاج سلع او خدمات وبيعها لتحقيق الأرباح و عندما يحقق المبادرون النجاح يتبعهم المقلدون وثالثا يؤدى وجود فائض فى السلع او الخدمات او الايدى العاملة او الاموال المتاحة  للاقراض ،يؤدى الى تراجع اسعار السلع وأسعار الخدمات و الاجور ومعدلات الفائدة  على  القروض والى ارتفاع الطلب ومعدلات استخدام الموارد .ولكن لا يعنى ذلك زوال البطالة كاملا.بل توجد ثلاث أنواع من البطالة هى البطالة الاحتكاكية frictional unemployment  والبطالة الهيكلية structural unemployment والبطالة الدورية cyclical unemployment  .وتعنى البطالة الاحتكاكية البطالة  فى الفترة التى يبحث فيها الشخص عن عمل بسبب دخوله سوق العمل لاول مرة  بعد ترك المدرسة او اثناء الانتقال من عمل الى عمل أخر وهذه  بطالة مؤقتة.والنوع الاخر من البطالة هو البطالة الهيكلية التى تنشأ عن عدم التوافق بين المهارات المتوافرة فى السوق وما يطلبه المخدمون  فمثلا ليدنا اليوم فى السودان عدد كبير جدا من خريجى الجامعات فى كل التخصصات لا حاجة لهم فى سوق العمل الذى يعانى من نقص حاد فى العمال المهرة مثل البرادين والحدادين والسباكين والكهربائية الخ.والنوع الثالث من البطالة هو البطالة الدورية cyclical التى تنتج عن تراجع  النشاط  الإقتصادى بسبب وجود فجوة كبيرة بين  العرض الكلى للسلع والخدمات aggregate supply والطلب الكلى aggregate demand  نتيجة افراط المنتجين فى التفاؤل اثناء فورة الإنتعاش الاقتصادى والتوسع الكبير جدا فى الاستثمار والتخديم والانتاج الذى يؤدى الى وجود فوائض كبيرة فى  السلع  والخدمات تدفع المنتجين الى تخفيض الانتاج وتخفيض أعداد المستخدمين أو تحدث الفجوة بسبب تراجع الطلب الكلى بسبب ارتفاع معدلات ارتفاع الاسعار (التضخم) مثل ما عندنا فى السودان لأن التضخم يؤدى الى تأكل القيمة الشرائية للدخول وتراجع الطلب الكلى على السلع والخدمات.ولكن على المدى الطويل (عشرة سنة او أكثر) سوف تعمل حركة الاسعار بالارتفاع والانخفاض  إلى إزالة الفجوة ويعود معدل البطالة الى المستوى الذى يقال عليه المستوى الطبيعى natural  و يتراوح بين 4% و 6% حسب درجة الحرية المتاحة فى كل اقتصاد والحوافز التى تشجع الإقبال على العمل أو تشجع الرمتلة.                                            
لماذا إرتفاع معدلات البطالة فى السودان ؟                            
قلت اعلاه ان معدلات البطالة وسط الشباب (15 الى 24 سنة ) وحسب المعلومات الصادرة عن منظمة العمل الدولية تراوحت فى خلال السنين العشرين من 1996 الى 2015  تراوحت فى الجارة تشاد بين (10.9%) كحد أعلى و(10.5%) كحد أدنى وفى الجارة أثيوبيا بين (7.9%) كحد أعلى وحد أدنى (6.6%) ولكن فى سوداننا الحبيب تراوحت نسبة العطالة وسط الشباب، (15 الى 24 سنة)، تراوحت بين (23%) حد أعلى و (22.7%) حد أدنى أو يمكن ان نقول بقيت على حالها (23%) لمدة عشرين سنة فى حين يقول المنطق الاقتصادى ان وجود مورد اقتصادى غير مستخدم يشجع المبادرين على الاستثمار بالتوسع فى المنشأت القائمة او اقامة منشأت جديدة وتوظيف ذلك المورد بقصد تحقيق الأرباح.ولكن لماذا لم يحدث ذلك فى السودان ؟            
اولا يجب ان أورد حقيقة مهمة جدا هنا وهى ان المصدر الاساسى لفرص العمل فى الاقتصادات الحرة هو القطاع الخاص ولا توفر الحكومات اكثر من (20%) من فرص العمل ويعمل ما يزيد عن (80%) من القوى العاملة labour  force اما لحسابهم او مستخدمين فى قطاع الاعمال business sector من صناعة ومزارع كبيرة وتجارة ونقل واتصالات وخدمات مصرفية الخ.ولكن لماذا يحدث ذلك فى تشاد وأثيوبيا ولا يحدث عندنا فى السودان ؟            

ماذا يقول رجال الأعمال ؟                                
وأعتقد ان افضل من يجيب على السؤال اعلاه هم رجال الاعمال السودانيين الذين فضلوا الهروب بجلدهم وأموالهم.فمثلا جاء فى جريدة ايلاف الاسبوعية عدد الاربعاء 16 مارس 2016 الآتى :  "قال سفير اثيوبيا فى السودان آبادى زمو ان الشركات التجارية السودانية أصبحت ثانى أكبر المستثمرين الاجانب فى أثيوبيا بعد الاستثمارت الصينية وبلغ عددها (500) مشروع بعد اجراءات التسجيل وبلغ حجم هذه الاستثمارات (2500) مليار دولار."                    
ولم اتحدث بصراحة فى المنتدى الذى اشرت اليه اعلاه حول لماذا لم يوظف القطاع الخاص فى السودان العمالة العاطلة عن العمل لأننى كنت ضيفاً لدى جماعة لا اعرف الميول الفكرية والسياسية لاعضائها وقد تحدثت عن ضعف البنيات التحية مثل النقل و الكهرباء وعن السياسات الطاردة مثل سياسة سعر صرف الجنيه السودانى ولكن أقولها فى هذا المقال ان سياسة نظام الانقاذ التى تقوم على (التمكين) هى السبب الرئيسى فى تحجيم دور القطاع الخاص السودانى بل وفى طرده من السودان .وأعنى بالتمكين تمكين رموز واعضاء الحركة الاسلامية اقتصاديا بمحاربة الآخرين وفتح الابواب وتسخير الموارد المالية لهم هم وحدهم.وقد بوشرت تلك السياسة منذ الايام الاولى للانقاذ تحت شعار تصفية النفوذ الاقتصادى للطائفية حسب ما جاء فى المقالات التى قامت بكتابتها كوادر الإنقاذ الاعلامية فى الصحف التى كانوا يصدرونها فى ذلك الوقت .وبناء على تلك السياسة حوربت الأسر التجارية الكبيرة المعروفة محاربة شرسة بسبب انتمائها اما لحزب الأمة او الحزب الاتحادى الديمقراطى ولكن الشئ المؤسف هو ان الذين حلوا محلهم لم يكونوا بمستوى قدراتهم ولم يستثمروا الاموال التى حصلوا عليها فى السودان.                                

 ولكن ما العمل ؟                                        
أولاً تتطلب محاربة البطالة إرادة و عزيمة قوية لدى المسؤو التنفيذى الأول فى الدولة كما تتطلب كما قال الصادق الرزيقى رئيس تحرير جريدة الإنتباهة فى معرض النقاش،تتطلب شراكة قوية بين الحكومة و القطاع الخاص.                                    
وثانياً يجب ان يكون هناك عدل وعدم تمييز بين الناس على اساس الانتماء الحزبى فى ممارسة العمل التجارى ولا يكفى ان يقول الرئيس عمر البشير بأنتهاء عهد التمكين بل يجب ان يبعد كل الذين مارسوا ذلك التمكين والظلم والفساد من كل المواقع التنفيذية التى يشغلونها اليوم.        
وثالثاً يجب ايقاف الحروب لما فيها من موت واهدار وتعطيل للموارد.                
ورابعاً يجب ان توجه الموارد البشرية والمالية الى الاستثمارت التى تزيل معوقات الاستثمار الخاص وخاصة الطرق وسكك الحديد والكهرباء ومواعين تخزين المياه.                
وخامساً يجب ان توظف اموال مقدرة فى برنامج للتدريب واعادة التدريب لمحاربة البطالة الهيكلية واحداث توافق بين المهارات والفرص المتاحة للعمل.                        
وسادساً يجب ان يعالج ضعف القطاع المصرفى بالسماح بقيام نظام مصرفى مزدوج تقليدى وغير تقليدى.                                                
وسابعاً  على الحكومة ان تعتمد فى تمويل صرفها على الايرادات من الضرائب و تكف عن  مزاحمة القطاع الخاص فى موارد البنوك الشحيحة.                    
وثامناً يجب ان يحرر سعر الصرف تحريراً كاملاً ويلغى نظام السوقين، رسمى و موازى، المعمول به اليوم لانه يقوم على الظلم والفساد الذى يمشى على رجليه بين الناس.                
وتاسعاً يجب ان يحارب ارتفاع الاسعار (التضخم) بصرامة بتوقف الحكومة الكامل عن طباعة العملة لسد عجز الايرادات وتوقف بنك السودان المركزى عن شراء الذهب او شراء أو دعم شراء أو إنتاج اية سلعة اخرى عن طريق طباعة العملة.                        
وعاشراً يجب الغاء قرارات بنك السودان المركزى التى تحظر أو تقيد تمويل قطاع التشييد .