المدخل الأساسي لهذا المقال هو التأكيد علي ان الأختلاف حول تشخيص الأزمة السودانية يبدو مشروعا ومنطقيا وبالتالي فان نقد اية رؤية حول هذا الأمر يتم عبر تطوير ميكانيزم الحوار الموضوعي من أجل الوصول لمخرج حقيقي عبر حالة الأنسداد التاريخي التي دخل فيها الوطن نتيجة لفشل النخبة السودانية تاريخيا وعبر الراهن. وفي هذا الخصوص فأن هذا المقال يحاول اختبار جدلية المركز والهامش عبر كتابة دكتور ابكر ادم اسماعيل عبر كتابه الموسوم ( جدلية المركز والهامش، قراءة جديدة في دفتر الصراع في السودان). وهذه القراءة النقدية لا تقلل  من اسهامات وجهد الدكتور أبكر ككاتب وكأديب وكذلك تؤكد علي ضرورة الحوار الفكري بين السودانيين من أجل التأسيس لمرجعية حاكمة في التصورات نحو قضايا الوطن.
اشكالية الكتاب
اشكالية هذا الكتاب هي اشكالية منهجية، فالرؤية التي بدأ بها الدكتور أبكر اطروحته تتصل بتصوره ان جدلية المركز والهامش هي منهجه الخاص في القراءة للواقع و هذا حسب قوله الآتي ( قلنا في تعريفنا لمنهجنا: جدلية المركز والهامش انه منهج متعدد محاور الجدل نحلل بواستطه وضعيات تاريخية معينة، حيث نعاين هذه الوضعيات من خلال ميكانيزمات التمركز والتهميش التي  علي اساسها يدار الصراع علي المستوي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آن واحد ) (صفحة 91).وهذا يطرح سؤالا جوهريا حول ماهية المنهج، فالمنهج هو( عبارة عن مجموعة من التنقنيات والطرق المصممة لفحص الظواهر والمعارف المكتشفة أو المراقبة حديثا أو لتصحيح وتكميل معلومات أو نظريات قديمة تستند هذه الطرق اساسا علي تجميع تأكيدات رصدية وتجريبية ومقياسية تخضع لمباديء الأستنتاج) (وكيبيديا).  ولهذا فان المنهج العلمي يتخطي مجرد وصف المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث الي فهمها وتفسيرها وذلك بالتعرف علي مكانها من الاطارالكلي للعلاقات (ويكيبيديا). فجدلية المركز والهامش لم يتم أختبارها علميا لكي تصل الي مستوي قراءة الظواهر وتفسيرها لأنها هي في اطار البحث من أجل اثبات  صحتها وفي نفس هذا الأتجاه فهي ليست نظرية لأنها  ما زالت بين قويسين لأنها تقع في مساحة  ما بين المعرفي والوجودي او الابستمولوجي والأنطلوجي اذ ان الفكرة لا يمكن اختبار صحتها الا في حال تحققها علي أرض الواقع أو الوجود. وهذه الفكرة  التي يطرحها دكتور أبكر قد لا نستطيع أن نقرأ من خلالها المرحلة المشاعية في تجربة البشر مثلا وقد لا نستطيع من خلالها تفسير العلاقات في مجتمعات اشتراكية حقيقية تزول فيها الطبقات وتصبح فيها المركزية الوحيدة هي مركزية الأنسان. اذن تسمية جدلية المركز والهامش بكونها منهج علمي ذو خصائص استقرائية لا تسنده أية دلائل علمية ولهذا فهي وضمن قراءة  بها قليل من التدقيق الحصيف تصبح الفكرة مجرد خطاب  ايدولوجي مشحون بالاسقاط التاريخي علي الأحداث، اذ ان الخطاب هو مقولة الكاتب وأقاويله وهو بناء وجهة  من النظر مصوغة في بناء استدلالي اي استعمال مواد او مفاهيم معينة فالخطاب في هذه الحالة يعبرعن فكرة صاحبه فهو يعكس ايضا قدرته علي البناء (مهبول الوداد) . وهذا ما نلاحظه في الكتاب فبناءه النظري يبدو عميقا ولكن بتفكيكه  تتجلي نقاط ضعف عديدة سنناقشها لاحقا. لكن الأهم ما في الأمر فأن دكتور أبكر لم يقنعه التفسير الماركسي للتاريخ ولكنه وبشكل أو اخر استخدم التحليل الماركسي في قراءة تطور المجتمعات وبمطابقة بينة. كما أنه وعندما أراد أن يتحدث عن تاريخ السودان أستند في كل شهاداته علي كتابة أستاذ تاريخ ماركسي وهومحمد سعيد القدال والذي يقرأ التاريخ قراءة ماركسية بجذر اقتصادي وأجتماعي. لا أقول ان هذا تناقض ولكنه يدلل علي غياب المنهج الذي أفترضه دكتور أبكر لقراءة التاريخ والحاضر. الاشكالية الأخري هي أشكالية المراجع، فالبرغم من المحاولة الموسعة للحديث عن تجربة البشرية ككل الا انه لا توجد مراجع تعبر عن الأفكار الموجودة في هذا الكتاب وبالطبع فان امكانية التوليد في مثل هذه الحالات تبدو مستحيلة وهذا يعكس تأثير فكر الرواية في الكتابة لكن كتابة التاريخ والنتظير للاشكالات الأجتماعية تحتاج الي مرجعيات كبيرة. ولهذا عندما تبحث لهكذا مراجع في نهاية الكتاب لا تجد ما تستند اليه لمراجعة المكتوب. كما وان الكتاب وبحجم صغير اراد له كاتبه ان يكون حاوي لكل شيء من المشاعية وحتي الديمقراطية الليبرالية. أخيرا فان الشهادات كانت طويلة وتكاد تكون مكررة وهي وجهة من الضعف في هذا الكتاب.
قراءة المتن ونقاط الاعتراض:
بالتعمق في هذا الكتاب وبغض النظر عن الملاحظات حول ضعف المراجع الا أن الفصل الأول من الجزء الأول في هذا الكتاب تميز بنوع من التنظير الموضوعي و بالذات فيما يتعلق بالأنسان من الطبيعة الي الثقافة  وقد شرح الكاتب الجدل الثقافي بتأسيس معرفي وبالذات في ثنائية جدل القديم والجديد والجدل الثقافي وميكانيزمات التفاعل الثقافي وكذلك الجزء المتعلق بالأنتقال من الثقافة الي الدولة وطبيعة السلطة و انتشار الثقافة. ووفق رؤية منهجية كان من المفترض ان يكون هذا الجزء مخصص للمقاربات المنهجية والتعريف بها وبالذات في الفصل الاول. وبأنتقال الكاتب للحديث عن مدخلات انتاج الواقع التاريخي في السودان عاد لمناقشة نظرية العقد الأجتماعي ونظرية القانون الطبيعي والعلمانية والماركسية والاشتراكية ولماذا فشل تطبيق الماركسية في كثير من البلدان، وهنا سنلاحظ خلل منهجي في ترتيب الأحداث وتداخل الحقب. فما انتجته اوربا في بداية القرن التاسع عشر من افكار ليس للسودان علاقة به وكان يجب  ان ينحصر النقاش حول دور الاستعمارالبريطاني في السودان وأثره في انتاج الواقع السلبي والذي من ضمنه هذا المركز المتوهم. لأن الأستعمار البريطاني للسودان تم عبر السلاح وليس عبر الأفكار وهذا يفقد الكتاب تماسكه الداخلي. فالأستعمار البريطاني نظر للسودان واستنادا للمركزية الأوربية كمورد للمواد الخام من اجل ان تدور المصانع في انجلترا. وكان يمكن  التأسيس لهذه المفهاهيم عبر  الفصل الأول من خلال مقاربات منهجية ولتكون بين النظام الماركسي بوجهته الأشتراكية والراسمالية بوجهتها الليبرالية. النقاش المهم في هذا الكتاب يتصل بالمقاربة المنهجية لجدلية المركز والهامش.
نقد المقاربة
يعتقد الكاتب أن المركز يشتغل علي الأتي : اعادة الانتاج ،الترميز التضليلي، النفي والأستقطاب والقمع في حين أن الهامش يقوم بالمقاومة السلبية ، الاستشعار والتنظيم ، الحرب ثم الثورة .فالسؤال الأساسي هل المركزهو كتلة صماء متماسكة ضد الهامش. لأن الكاتب يتحدث عن مركز يشتغل علي تحويل محددات الثقافة- الثوابت الي اسلحة ايدولوجية لتبرير الممارسات والمصالح الناجمة/القائمة علي التراتبيةالأجتماعية (ص43). فالحديث عن الثقافة  كمركزية ثابتة وبالتالي بكونها ايدولوجية يغفل أن الثورة تحدث داخل المركز ومن ذات الذين يحملون ذات الثقافة. وقياسا بالسودان وهو مجال اهتمامنا فان كل الثورات التي اندلعت تاريخيا فيه فقد اندلعت داخل هذا المركز ومصطحبة معها قضايا الهامش ومدافعة عنه. هنا يجب أن نقول بضرورة نحت المفاهيم بشكل صحيح ولنتحدث عن ايدلوجية السلطة وليس المركز كثقافة وبشرهم ضحايا السلطة القامعة لطموحاتحم. وهذا التهميش أحدثته النخبة السودانية في ارتكازها علي واقع الاستعمار في السودان اذ يتمدد هذا التهميش في كافة بقاع السودان وقد اتخذ في بعض الحالات تهمشيا ثقافيا لمجموعات بعينها، وهذا التهميش الثقافي لا يجب أن يقرأ خارج السياق العام للتهميش السياسي والاقتصادي لكافة قطاعات المجتمع. لانه وللأنصاف التاريخي لا توجد كتلة متماسكة ثقافيا وتشتغل بشكل مؤسس ضد مجموعات أو مركز ثقافي متوحد حول الاقلال من شأن المختلف ثقافيا. لكن واقع التهميش العام وانعدام حالة التماسك الوطني افرزا واقعا يرتد دوما باتجاه القبيلة والطائفة، وفي هكذا مححدات فان النظرة للآخر تتم من خلال منظور القبيلة والطائفة ومن ثم تتراجع مساحة الوعي فيها لصالح المنتمين الي القبيلة او الطائفة ، والمؤسف ان السلطات الحاكمة استخدمت هذه المححدات لقهر المختلف ثقافيا. ولهذا فان قراءة الواقع السوداني يجب ان يتم وفق متلازمة ثلاثية هي سبب التأزيم المستمر في الواقع السوداني الذي احدثته هذه المتلازمة وفي علاقتها مع النخبة أو السلطة عبر التاريخ وهي المتلازمة العضوية المتمثلة في القبيلة والغنيمة والعقيدة كمفردة اسس لها مثقفون عرب وقايسوا من خلالها الواقع العربي. لانه لوحاولنا تطبيق ذات  جدلية المركز والهامش لقياس ما يحدث في دولة جنوب السودان مثلا فأننا لا نستطيع قراءة ذلك الواقع علميا لأنه لا يوجد مركز بالمفاهيم التي ينظر لها دكتور أبكر والذي يمكن  الاعتماد عليه في التحليل هو علاقة السلطة بالقبيلة ومن ثم السعي الي الغنيمة وفق شروط  خاصة مسكوت عنها. هذه القراءة لا تحاول تبرير القمع ضد الهامش وبالذات المختلف ثقافيا عبر الية السلطة سودانيا ولكن يجب ان لا نحمل المركز ببعده الثقافي كل الذي حدث ضد الهامش تاريخيا واقصد المركز كبشر لديهم ثقافة متقاربة.  فالحرب ضد الجنوب والتي قادتها السلطة ضد الجنوبيين جريمة بكل المقاييس لكن السؤال الأساسي هنا، هل يتحمل المركز كمجموع بشري هذا الذي حدث للجنوبيين وللذي يحدث لاهلنا في دارفور ومناطق الحرب الاخري هل نحن جميعا في الشمال شركاء في جريمة فصل الجنوب؟ هذه أسئلة جوهرية و مهمة لأن المركز هنا ليس مركزا ثقافيا ايدولوجيا ،لكنه مركزا اختطفته النخبة السودانية المرتبط أداءها بمرحلة ما بعد الأستعمار والتي اوصلت الواقع الي هذه الدرجة من التردي وتتحمل هذه النخبة وحدها المآلات الخطيرة التي حدثت في هذا البلد، وآخرها فصل الجنوب عن الشمال. الجانب الاخر يبدو الكاتب ايدولوجيا وهو يتحدث عن العوامل الخارجية التي اثرت في الواقع السوداني مقرنا دور الأستعمارين التركي والبريطاني بحالة دخول العرب للسودان. هذه القراءة تمزج بين حركة الشعوب عبر أزمنة مختلفة والاستعمار كحالة تكونت بعد تبلور الراسمالية ومن ثم حاجة هذه الراسمالية الي المواد الخام التي تساعد في دوران عجلة الراسمالية ومن هنا يتحول الاستعمار الي حالة غير انسانية تنتهك فيه الشعوب وتدمر البلدان من أجل ان يستفيد المستعمر. ونظرا لدخول العرب للسودان ونحن هنا نحتكم للتاريخ فان دخولهم للسودان تم في الغالب كمجموعات بشرية مهاجرة تبحث عن ملازات امنة والحالة الوحيدة التي حاول العرب فيها دخول السودان وعبر السلاح لم تنجح ومن خلال الحملة التي قام بها عبد الله بن ابي السرح. هذا يؤكد ان دخول العرب للسودان تم عبرمراحل كثيرة وضمن هجرات سكانية عادية. واللافت للنظر هنا أن العرب وبدخولهم للسودان لم يعزلوا انفسهم عن الواقع الجديد بل أصبحوا جزاءا اصيلا منه عبر التداخل والتزاوج مع السكان المحليين. هذه الحقيقية لم يتوقف عندها الكاتب كثيرا لانه أصبح محكوما بالفعل اللاحق الذي ارتبط بالأستعمارين التركي والبريطاني والنخب التي ارتبطت بهما من المنتمين للثقافة العربية وحولوا الواقع بعد ذلك الي واقع استغلال وغنيمة،  وهي الرمزية التي  يشير فيها الكاتب اشارة مكررة الي الجلابة. ونحن اذ نقف ضد اشكال الاستغلال الذي تم وما زال يتم فاننا نقول ان هذا الاستغلال لعبت فيه عوامل  خارجية دورا كبيرا مرتبطا ذلك بمصالح النخبة و جشعها وضمن هذه الحالة فاننا ندين كافة الممارسات التي تمت والمتعلقة بتجارة الرقيق تاريخيا ونقول انها شارك فيها البعض والمحسوبون علي الثقافة العربية وشارك فيها زعماء قبائل محليون. ولهذا فليس كل الذين ينتمون للثقافة العربية كانوا شركاء في هذه الممارسة واستناداالي ذلك فان كلمة جلابة وما فيها من جانب تحقيري تجاه مجموعة سكانية يجب ان لا تطلق هكذا لان الغالبية من هؤلاء الناس لم يجلبوا شيئا ويعانون الفقر والتهميش بكل صوره. وبالتالي فأن توصيف كل من انتمي لهذه المجموعة بكونه جلابي فيه بعد عن الموضوعية ويصبح الفاعلين به هم اصحاب الايدولوجيا والتي تشكك حتي في مصداقية من انتموا للحركة الشعبية  من الشماليين وناضلوا في صفوفها ردحا من الزمن. وعودة الي قراءة الظاهرة الأستعمارية فان الكاتب استخدم المقياس التناظري ليوازي بين الثقافة العربية والاستعمار مهملا النقطة الجوهربة في علاقة العرب بالسكان المحليين. فتاريخيا وعندما فكر العرب في انشاء دولة شبه حديثة لم يفكروا بشكل مركزي معزول عن الذين حولهم، ولهذا فان الحلف السناري وفي القرن السادس عشر لم يتم التركيز  عليه  عبر هذا الكتاب من اجل اثبات فرضية ان وجود العرب في السودان يتساوي ووجود الأخرين الذين دخلوه وفق سلطة السلاح. هذا الحلف هو التعبير الاساسي للعلاقة التي تمت وبشكل حضاري بين العرب والسكان المحليين وما تم لاحقا وبعد دخول الأتراك فهذه مرحلة منتزعة من التطور الطبيعي لتلك العلاقة والتي لو كتب لها الاستمرار لأنتجت دولة قائمة علي التسامح واحترام الاخر وهي النقطة التي يجب ان نحاكم من خلالها الثقافة العربية تاريخيا، وليس عبر الذي تم لاحقا عبر الادوار التي رسمها الأستعمار التركي و نظيره البريطاني لمساراتها وتشكيل النخبة النيلية عبر اهداف هذين الأستعمارين. لان التحالف السناري كان يشتغل علي وعي متقدم بضرورة مشاركة المكان ،بالرغم من شكله المتواضع الا انه قد شكل اول ارضية لمفهوم القبول بالاخر والمشاركة في بناء الدولة ونحن اليوم محتاجون لأعادة هذا المفهوم والتأسيس عليه من اجل بناء دولة حديثة يتشارك الجميع في بناءها وفق شروط جديدة وبافق التحالف السناري. وبالرغم من الاتفاق حول دور الظاهرة الاستعمارية في تكوين حدود السودان الحالي الا ان بوادر هذا التكوين قد بدأت تتشكل من خلال الحلف السناري وكما قال الدكتور القدال فان بواكير هذه الوحدة قد بدات تتبلور من خلال دولة الفونج ومن خلال محاولات دار فور لضم كردفان ولهذا فان السودان الحالي ليس تجميعا ميكانيكيا بهذا الاطلاق كما يقول دكتور ابكر ولكن وعبر تلك الفترة بدأت تتشكل معالم الدولة السودانية عبر تطور طبيعي قطعته الطغمة التركية بدخولها للسودان. وحتي لو تماهينا مع رؤية دكتور أبكر في دور الأتراك في تكوين السودان الحالي فان تكوين الدول وفي كثير من الأحوال قد تم عبر الضم والألحاق والنموذج الامريكي يغنينا عن التدليل بنماذج اخري. فالكثير من الولايات الامريكية ضمت الي امريكا عبر الحرب وامريكا نفسها تكونت علي خلفية ابادة شعب باكمله لكي تنشأ دولتها الراهنة، وهذا ليس تبريرا لهذا السلوك وهو مدان قطعا، ولكن طبيعة تكوين الدول وعبر حقب تاريخية مختلفة  قد لعبت فيه عوامل كتيرة وليس من ضمنها الاختيار الشعبي الديمقراطي. واذا كنا قد وجدنا السودان بحدوده الحالية فهل علينا تفكيكيه وأعادته الي الحقبة قبل التركية ام الحفاظ عليه وفق أسس جديدة ضمن واقع يحترم انسانه ويستفيد من كل امكانياته من اجل خدمة وتطوير الناس .
تنميط الثقافة
التذكير بان الثقافات ومهما كانت طبيعتها فانها  تحمل عناصر ايجابية وسلبيةلانها تعبر عن حركة مجتمع والمجتمعات لديها اسقاطاتها احيانا ومحمولاتها السلبية. ولكن يصبح من غير الموضوعي ان نقرأ الثقافة من جانب واحد وبالتركيز علي معاميلها السلبية فحسب. والثقافة العربية كمثلها والثقافات الاخري عرفت عبر تاريخها بعض الممارسات والتي ركز عليها الدكتور ابكر في كتابه مستشهدا بكتابات محمد عابد الجابري وبالذات فيما يتعلق بظاهرة العبيد والموالي داخل حقل الثقافة العربية. ما اورده دكتور ابكر حول هذه الظاهرة صحيح وهي ظاهرة لا انسانية عرفتها الثقافة العربية . ولو نظرنا الي ثقافات اخري عديدة فقد مارست هذه الظاهرة وبشكل لا انساني كذلك . ولكن حتي في هذا الأطار فان الثقافة العربية ليست الموالي او الجواري والعبيد ولكن هي ثقافة فتحت دائرتها تجاه كل العالم عبر رسالة هي نتاج واقعها مفتوحة علي كل الأصعدة الأنسانية وهي كذلك ثقافة المعطيات الكبري في الفكر والفلسفة والأكتشافات العلمية. وحتي لو حصرنا الأمر في مسالة الموالي والعبيد فكان هؤلاء عنصرا اساسيا في بناء الدولة  بل عنصرها الأساسي  داخل مؤسساتها ووصل من هؤلاء العبيد والموالي الي السلطة في مرات عديدة قبلت به هذه الثقافة وحامليها ان يتبوأ اولائك الناس تلك المناصب، بل والأهم من ذلك وحتي اللغة العربية نفسها ومن خلال تجويدها وتدوينها فقد قام بها من غير العرب في ظاهرة فريدة واستثنائية. والتناقض الذي سعي اليه دكتور أبكر بين الاسلام والعروبة بكون العروبة واصلت مكنونها السلبي علي مستوي الوعي القبلي وامتلاك العبيد هذا التناقض يفهم الاسلام خارج نسق الثقافة العربية . فالأسلام ليس دينا مستوردا عندما يتعلق بالثقافة العربية لكنه هو نتاج واقعها اذ ان الرسالة سواء كانت سماوية او غيرها تتطلب الاستعداد الحضاري والمستوي العقلي الذي يشتغل علي وعي يتوازي وهذه الرسالة . فالنص الرسالي اواي نص اخر لا ينفصل عن الواقع الذي نشأ فيه اذ هو في النهاية منتج عبر الواقع و يتداخل معه ولكنه قد لا يتطابق معه. ولهذا فان مقولة حسين مروة الاتية تلخص لنا هذا الجدل وهي (ان الثقافة التي جاءت نتاج العلاقة العضوية-الجدلية بين الحياة العربية والحياة الاسلامية ، بين الفكر العربي والفكر الأسلامي بين اللغة والفكر الذي تعبر عنه اللغة، هي ثقافة عربية- اسلامية، لا انقسام فيها بين ما هو عربي خالص وما هو اسلامي خالص وما هو عربي-اسلامي متداخل، ولا انقسام فيها بين ما هو نتاج مثقفين ومفكرين ذوي اصول عربية وبين مثقفين ومفكرين اسلاميين ذوي اصول غيرعربية. انهم جميعا سواء، لانهم جميعا انطلقوا في تفكيرهم كله من منطق اللغة العربية-اي منطلقهااللغوي والبياني والفكري، ولانهم جميعا انطلقوا في ممارساتهم، باوسع مجالاتها من قضايا معينة لمجتمع معين ومن مشكلات اجتماعية وسياسية وفكرية وهي مشكلات هذا المجتمع نفسها للذين يعيشون جميعا في اطاره ويستمدون نظرتهم الي العالم من خلال واقعه التاريخي ونمط علاقاته الأجتماعية)( حسين مروة- النزعات المادية في الفلسفة العربية.). نقطة اتفاقنا مع دكتور ابكر ان ظاهرة العبيد والموالي هي نقطة ضعف في الثقافة العربية واستمرار ممارستها في السودان  عبر تواريخ مختلفة تقدح في الممارسين لهذه الظاهرة ولكنها تعتبر استثنائية اذا ان الثقافة العربية تخيرت رسالتها لكي تصل الي المستوي الأنساني ولكن المجتمعات احيانا تحكمها بعض المصالح وهذه المصالح هي التي ابقت هذا الظاهرة لفترات طويلة والتي كانت تحتاج الي وعي بنيوي من اجل تجاوزها.
خاتمة القول
ان عنونة هذا المقال وايراد كلمة ازمة العقل فان ذلك لا يشير الي دكتور ابكر وحده بل لنا جميعا، اذ اصبحنا جميعا نفكر داخل هذا العقل نتيجة لتراكم الأزمات.  واشكالية تفكير عقل الأزمة انه احيانا يصبح انحيازيا واستقطابيا اذا لم ننتبه للمأزق الذي نحن فيه جميعا. وللخروج من هذه الأزمة يجب تفكيك متلازمة القبيلة’ والغنيمة والعقيدة  والتي جسدها حكم الأسلاميين بأمتياز. ومن ثم السعي نحو المجتمح المنفتح بعضه علي بعض والوقوف ضد كل المصطلحات المجزئة للمجتمع مثل عبيد، خدم، جلابة، همباتة  بالذات عند المثقفين وبالتالي السعي الي المجتمع المتعافي ، وهذا لن يتم الا بتحويل السلطة للشعب وتجسيد المضامين المتعلقة بالمشاركة لكل فئات الشعب ودون اي تمييز عرقي او ديني او جنسي وبناء وطن متوحد وفق اتفاق حضاري يقلص من مفهوم النخبة واحتكار السلطة  وتحويلها الي الشعب، ونسعي في ذات الوقت من أجل مصالحة أجتماعية تقوم علي اسس العدالة والمساواة وحينها تتفكك العلاقة الجبرية بين السلطة والمواطن  ويصبح كل مواطن هو مركز فاعل داخل وطن حضاري تنتفي فيه  كل التمايزات والاقلال من الاخر. وفي النهاية مودتي وتقديري لدكتور ابكربكونه فتح هذه النافذة لحوار حول اطروحة اختلفنا حولها او اتفقنا فانها تدعو للتفكير والمراجعة وهذا ضروريا في ميكانيزم التطوير والتطور.  
 
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.