عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    شكل مطلب "قسمة الثروة والسلطة" في السودان محورا رئيساً من محاور المفاوضات السياسية من أجل السلام في السودان، سواء كان ذلك خلال مباحثات السلام في الجنوب، أو في دارفور وغيرها من مناطق الاحتراب الأهلي في البلاد. ومن خلال المشاركة الشخصية في مباحثات الجنوب ضمن وفد التفاوض الحكومي آنذاك خلال الفترة ما بين 1990 و 1994م تبين لهذا الكاتب أن موضوع قسمة الثروة يكاد يكون أهم من مشكلة قسمة السلطة لمن ينظرون في عمق الأزمة لا في شكلها أو أهواء الأطراف المتفاوضة على جانبي النزاع. وبعبارة أخرى، لو تحققت عدالة اجتماعية مدعومة بعدالة في قسمة الموارد والثروات والفرص القومية بين أهل السودان، فسوف يضمحل مطلب قسمة السلطة إلى حد كبير.

    و في ما يلي محاولة للإجابة عن سؤال ظل يراود بعض الجادين في الوصول إلى أسباب متينة لتحقيق الاستقرار السياسي في السودان، حول (الكيفية) التي بها يمكن قسمة الثروة في السودان قسمة عادلة، إعتمادا على تعداد السكان قوميا ومحليا كمعيار لهذه القسمة.

    إن الافتراض الأساسي لهذا المعيار السكاني في قسمة الثروة هو: أن (جميع) أهل السودان يملكون (جميع) موارد السودان بأنواعها المختلفة. ويشمل ذلك الثروات التعدينية والزراعية والصناعية و ما يستخدم من هذه الموارد في تقديم خدمات الصحة والتعليم والأمن وغيرها من الخدمات العامة، والفرص الاستثمارية، وفرص التوظيف في الخدمة العامة، وسائر القيم المادية المنسوبة للثروة القومية، أو الممولة من هذه الثروة.

    ولتسهيل حساب الموارد يتم استخدام المعدلات والطرق المعتمدة في هذا الحساب لدى المؤسسات الدولية المعتمدة مثل الأمم المتحدة، تحريا للحيدة و تأكيدا للثقة. في الخدمات الصحية مثلا ننظر في عدد الأسرَّة في المستشفيات لكل ألف نسمة، و غير ذلك من الوحدات التي تمثل حجم هذه الخدمة، مع تطبيق ذات النهج في قياس وحدات الخدمات الأخرى، مثل التعليم والأمن وغيرهما.

    وتكون الخطوة التالية بعد تثبيت الافتراض بأن (جميع) أهل السودان يملكون (جميع) موارد السودان، هي احتساب النسبة القومية لملكية وحدات الموارد القومية، بعد تحديد هذه الوحدات كما الحال في المثال السابق، وذلك عن طريق قسمة جميع الموارد القومية على جميع السكان في السودان.

    و على سبيل المثال، إذا كان بالسودان 50,000 سرير للمرضى بجميع المستشفيات السودانية، وعدد سكان السودان 39 مليون نسمة (حسب احصائيات البنك الدولي لعام 2014م)، فتكون النسبة القومية لهذه الخدمة الصحية المحددة (توفير أسرة المستشفيات) هي توفر سرير واحد لكل 780 مواطن في السودان. و يتم الاحتفاظ بهذه النسبة المعيارية القومية لاستخدامها في اختبار مدى عدالة توزيع أسرة المستشفيات في جميع الوحدات الجغرافية في مختلف أنحاء السودان.

    ويكون هذا الاختبار بالنظر في موجودات الموارد، ولنأخذ مثال عدد الأسرة في المستشفيات، في أي وحدة جغرافية، إقليماً كانت هذه الوحدة أو ولاية أو حتى مدينة أو قرية، ونستخرج النسبة المحلية الخاصة بها، سواء كانت الإقليمية أو الولائية أو النسبة الخاصة بالمدينة أو القرية، ويكون ذلك من بإجراء عملية قسمة بسيطة مشابهة لتلك المستخدمة في احتساب النسبة القومية. فبعد إحصاء إجمالي عدد أسرة المستشفيات في الوحدة الجغرافية المختارة، تتم قسمة عدد السكان على عدد هذه الوحدات (الأسرة) للحصول على النسبة المحلية لعدد أسرة المستشفيات في تلك الوحدة الجغرافية.

    ولنفترض وجود عدد من النسب المحلية الخاصة بعدد من الوحدات الجغرافية ذات الكتلة السكانية المتشابهة، عندها يمكننا أن نقارن النسبة المحلية في كل وحدة جغرافية معينة بالنسبة القومية، لنحدد مدى عدالة توفر وحدات الخدمة المعينة في كل من هذه الوحدات الجغرافية أو المحليات موضوع المقارنة، ولن تخرج نتائج المقارنة عن ثلاث حالات لا رابع لها:


    (١) أن تكون النسبة المحلية مساوية للنسبة القومية، فتكون هذه النسبة المحلية عادلة.


    (٢)أن تكون النسبة المحلية أعلى من النسبة القومية، فتكون هذه النسبة المحلية زائدة.


    (٣)أن تكون النسبة المحلية أقل من النسبة القومية، فتكون هذه النسبة المحلية ناقصة.


    و وفقا لهذه النتائج، بعد تطبيقها على جميع الوحدات الجغرافية في البلاد، وجميع وحدات الموارد (بعناصرها الموصوفة سلفا في هذا المقال الموجز)، يمكن وضع السياسات اللازمة لاستعادة التوازن في قسمة الموارد بنسق تدريجي، حتى تتحقق العدالة الاجتماعية فيما يتعلق بقسمة الثروة على مستوى البلاد.

    والملاحظ أن هذه الطريقة تُغني عن تطبيق مبدأ التمييز الإيجابي المعروف بـ Positive Discrimination أو Positive Action ذلك لان النقطة رقم (٣) في المقارنات أعلاه، والمتعلقة بحالة النقص عن المعدل القومي في نصيب محلية معينة من مورد معين، ستتولى ذلك، عن طريق العمل على تعويض النقص عبر السياسات المرسومة خصيصا لهذا الغرض.

    وهذا الإجمال والاختصار لا يفصح عن الكثير من الاليات والأدوات الإحصائية والديموغرافية وغيرها مما سيكون من أعمال مفوضية خاصة يجري تكليفها بهذه المهمة الفنية، بما يحقق العدالة ويحافظ على الفاعلية في ذات الوقت.

    _________________________


    * هذا المقال ملخص بتصرف لورقة قدمها هذا الكاتب ونوقشت في نادي القضاة بالسودان ثم نُشرت عام 2002م، بعد تنقيحها، في مجلة الأعمال الفكرية بعنوان "العدالة الاجتماعية في السودان". و تقدم الورقة رؤية (قومية)، لجميع مشاكل قسمة الثروة في السودان، بغض النظر عن المنطقة وبغض النظر عن وجود معارضة مسلحة أو غير مسلحة أم لا، باعتبار أن المواطن السوداني في أي بقعة من السودان يساوي أي مواطن سوداني آخر في أي بقعة أخرى من البلاد، مواليا كان أو معارضا، بغض النظر عن أي فروق أخرى (عرقية أو جهوية أو قبلية أو لونية أو عقدية أو حزبية أو غيرها) في إطار وحدة الإنسانية والمواطنة ..