عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    مدخل أول:

    أصبح الإسلام رديف للإرهاب عند كثير من المجتمعات والأفراد، ولكثيرين الحق في ذلك نتيجة لان كل المفاهيم التي يقول بها الإرهابيين هي مفاهيم أصيلة في الإسلام أو في الفكر العربي الإسلامي، فعندما يكفر الوهابيين الصوفية والشيعة وعندما يكفر الصوفية الوهابيين  والشيعة وعندما يكفر الشيعة الاثنين الآخرين عندها ندرك ان هذا الفكر لا يقبل الآخر حتى ولو كان جزء منه ولا يعترف بإنسانيته، وإذا تعمقت أكثر في تلك الجماعات تجد ان لكل مرجعه الذي يأتي به من الكتاب والسنة. اما في موضوع الآخر الذي لا ينتمي للديانة المحمدية نجد ان الكل متفق بتكفيره، فهو آخر غير جدير بالتعامل في اقله أو يجب على المسلمين محاربته عند المتشددين. ولذلك فهو دين (أي الدين الإسلامي) لا يقبل الآخر ولا يرى فيه صفة الإنسانية ويدفع المجتمعات المسلمة نحو رفضه مطلقا.

     

    مدخل:

    ولكن هل الرؤية التي يقدمها الفكر العربي الإسلامي هي الرؤية الإرشادية اذا كانت في الرسالة الخاتمة أو غيرها من الرسالات؟ بالتأكيد لا، فلم تستوعب لا النخب أو المجتمعات عموما ومن ضمنها المجتمعات العربية مغزى الرسالات الإلهية التي جاءت لفائدة البشرية، وتم تحريف تلك الرسالات وتضمينها داخل الوعي المجتمعي، ولم يقتصر التحريف لرسالة دون أخرى بل شمل جميع الرسالات منذ الرسالة الأولى إلى الرسالة الخاتمة. فإذا قصرنا الحديث في هذه المقالة على الرسالة الخاتمة فلأنها تمثل ضمنيا جميع الرسالات. وما يوجد في الفكر العربي الإسلامي عبارة عن مفاهيم إرشادية مع معاني المجتمع الجاهلي، ولذلك أصبح الفكر العربي الإسلامي والرسالة الإسلامية تعبر عن ذلك المجتمع واستيعابه للحياة، ولم تستفد النخب من الإرشاد الإلهي حتى تعيد صياغة رؤيتها للحياة الإنسانية.

    سأحاول ان أوضح الاختلاف بين الفكر العربي الإسلامي وبين الإرشاد الإلهي من خلال بعض المفاهيم حتى ينتقل الناس من الإسلام إلى الإيمان.

     

    مفهوم الإله في الفكر العربي الإسلامي والإرشاد الإلهي:

    جاء مفهوم الإله في التدوين العربي الإسلامي كما يوجد تاريخيا في الذهن الإنساني منذ بداياته التاريخية، فالإله في ذلك الفكر هو الإله الفاعل في الحياة، فالإله يوجد خلف كل فعل للإنسانية والطبيعة وهو المحرك الخفي لذلك الفعل، ولا توجد حدود للفعل الإلهي أو أسباب وكل ما يحدث داخل الحياة الإنسانية من أحداث وأفعال هي من الله وعلى الإنسانية تقبل ذلك فلا راد لقضاء الله كما يقول الفكر العربي.

    هذا ما يقوله الفكر العربي الإسلامي ولكن عندما نرجع للإرشاد الإلهي نجد خلاف ذلك الفكر، فالإله لم ينفي عن نفسه قدرة الفعل ولكنه يتعالي عن الفعل الجزئي فلم ينفي عن نفسه خلق الحياة ولكنه في نفس الوقت منح الإنسانية قدرة الإدراك والفعل وترك لها أمكانية استيعاب ذلك الخلق وطريقة التكامل الإنساني الإنساني والإنساني الطبيعي. فلا توجد مشيئة إنسانية وإلهية مشتركة ولكن كل ما في داخل الحياة هي مشيئة إنسانية تخضع فقط لتكاملها مع الذات الإنسانية ومع الطبيعة في الفعل أو عدم التكامل فذلك يرجع إلى الإنسانية ولا يتدخل الإله في الأفعال داخل الحياة وتركها للإنسانية ليرى ماذا ستفعل.

     

    مفهوم الدين بين الفكر العربي الإسلامي والإرشاد الإلهي:

    يرى الفكر العربي بان الدين يمثل سبيل وطرق عبادة الله وهو الهدف الأول والأخير من الرسالة السماوية وعلى الإنسانية ان يكون غايتها الأولى والأخيرة هي معرفة الله والتفرغ لعبادته، فالدعوة إلى الله وعبادته له القيمة الأولى والدرجة الأعلى من كل القيم الأخرى.

    اما في الإرشاد الإلهي فنجد ان الدين عبارة عن نصائح للإنسانية لمعرفة ذاتها وعلاقتها الإنسانية مع بعضها البعض وعلاقتها مع الطبيعة، ففي معرفة ذلك التكامل أعمار للأرض وإعلاء للشأن الإنساني المستخلف على هذه الأرض، وهي العبادة الحقيقية المطلوبة. فلا يمكن للإنسانية معرفة الله كذات حتى تستطيع ان تدرك ما تفضله تلك الذات، ولكن ما يمكن للإنسانية فقط هو معرفة ذاتها وعلاقتها مع الطبيعة، ولذلك فعبادة الله تكون من خلال معرفة الذات والآخر والتواصل معه وكذلك معرفة التوازن الطبيعي وعدم الإضرار به ففي ذلك إضرار بالإنسانية.

     

    ويرجع تقبل الله للطقوس الإنسانية المسماة عبادة إلى تقسيم الإنسانية لوعيها الإنساني وتحويله إلى سلوكيات، فيتقبل الله تلك الطقوس بغض النظر عن شكل ممارستها السلوكية اذا كانت تؤدي إلى استيعاب حقيقي للإنسانية ودورها على الأرض، فإذا لا يفرق شكل الطقس السلوكي ولكن المعني الذي يؤدي إليه.

     

    العبادات بين الفكر العربي الإسلامي والإرشاد الإلهي:

    مازج الفكر العربي الإسلامي بين الذات الإلهية والعبادات فأصبحت العبادات تعبر عن رغبة تلك الذات وتلبي غاية من غاياتها ولذلك كانت تكل العبادات تؤدي لذاتها أي كمطلب من الذات الإلهية وليس من اجل معاني أخرى، ففي عرف ذلك الفكر ان العبادات بكل أنواعها والمعاملات عبارة عن قيم نهائية أتت من الإله لفائدة الإنسانية باعتبار ان تلك القيم تمثل الخلاص الإنساني وفي ممارستها تجد الإنسانية خلاصها. ولذلك يكون كل سلوك في تلك القيم مطلوب في ذاته أولا قبل معناه.

    أثبتنا بالمراجع التاريخية في مقالات سابقة (ويمكن الرجوع إلى المقالات السابقة والتي توجد جميعها على المدونة الشخصية مدونة الثقافة السودانية وأزمة التدوين)، أثبتنا بان كل الممارسات السلوكية التي تتم باسم الدين هي في شكلها السلوكي قد أتت من المجتمع الجاهلي أو نخب ذلك المجتمع الذين كانوا يقولون بالحنفية. اما في كل الرسالات الإرشادية نجد الحض على العبادات بكل أنواعها من صلاة وزكاة وغيره بمعناه وليس بشكلها السلوكي، فلا توجد أفضلية في الشكل السلوكي ولكن الأفضلية في المعني الذي يتكامل مع أشكال السلوك الأخرى. فلم يدعو الله في رسالاته إلى شكل سلوكي ولكن دعي إلى معاني تتوافق مع المعاني الكلية للإنسانية.

     

    فلا يمكن للإله ان يدعو الإنسانية إلى تطبيق شكل سلوكي محدد وهو الذي خلقها ويدرك تحولاتها واختلافها من مرحلة إلى أخرى مما يتطلب تحول في الشكل السلوكي أو المعني الجزئي، فما كان حلال وواجب في بداية الإنسانية مثل زواج الأخ بأخته يصبح محرم في المراحل الأخرى ليس لتغير الإله ولكن لتحول الإنسانية. وكذلك تختلف المجتمعات بعضها عن البعض في إنتاج اشكالها السلوكية، ولذلك عندما يأتي الإرشاد يأتي بمفاهيم كلية ويترك للإنسانية تنزيل تلك المفاهيم الكلية على واقعها. فإذا نجد ان ممارسة الصلاة أو عدمه وممارسة الصيام أو غيره من العبادات لا فائدة له اذا لم يتكامل مع القيم الأخرى في سبيل أعمار الأرض والتواصل الإنساني، كذلك ليس لصلاة المسلمين كشكل سلوكي فضل أو مكانة عن صلاة غيرهم مثل المسيحيين أو اليهود أو غيرهم، فيمكن ان تقبل صلاة اليهودي وترفض صلاة المسلم اذا تكاملت الأولى مع غيرها من القيم الداعية إلى التواصل والتكامل الإنساني وأعمار الأرض ولم تتكامل الأخرى.

     

    الإسلام في الفكر العربي الإسلامي والإرشاد الإلهي:

    الإسلام في الفكر العربي عبارة عن عقدية وقيم وتحول تلك العقيدة جميع المسلمين إلى مجتمع واحد مثل المجتمعات القبلية والثقافية من حيث وحدة السلوك والتفكير. فالرسالة جاءت في عرف ذلك الفكر محملة بقيم سلوكية مطلقة لكل المجتمعات ولكل زمان، وكل تعديل أو نقد لذلك الفكر يعد كفر بمرسل الرسالة فساوى الفكر العربي الإسلامي بينه وبين الله في المطلق.

    اما إذا جئنا إلى الإرشاد الإلهي نجد ان كل الرسالات الإرشادية عبارة عن رسالة إسلامية لماذا؟ لان الإرشاد واحد في كل الرسالات ولكن تختلف المجتمعات، ولذلك رغم انها رسالة واحدة ولكنها جاءت بعدة لغات وباختلاف مراحل التحولات للمجتمعات، فلم تأتي بلغة واحدة أو تحمل نفس القيم ولكنها في إرشادها تواصلت مع المجتمعات بلغتها ومن خلال قيمها السلوكية متقبلة لجزء من تلك القيم رافضة لجزء اخر تجاوزه الزمن ساكتة عن جزء ثالث، مؤكدة على علو المفاهيم على القيم باعتبار ان المفاهيم ثابتة ولكن القيم متغيرة بتغير الزمن الإنساني. فلم تدعو تلك الرسالات رغم انها في المحصلة رسالة واحدة إلى وحدة الإنسانية ولا يمكنها ذلك لمعرفة الله بالإنسانية وتحولاتها ولكنها دعت كل المجتمعات إلى التواصل الإنساني إلى التكامل الإنساني الطبيعي إلى اعمار الأرض (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)). ولذلك يصبح الإرشاد الإلهي ليس قيم سلوكية ولا يدعو إلى وحدة إنسانية كما المجتمعات والثقافات ولكن يدعو الإنسانية وفق مجتمعاتها ومراحل تحولاتها إلى استيعاب مغزى الإنسانية من خلال قيمها السلوكية الذاتية وليس بقيم سلوكية ربانية، فلا وجود للقيم الربانية أو الشريعة الإلهية إلا عند الفكر العربي الإسلامي الذي ساوى بينه وبين الله، اما في الإرشاد الإلهي فلكل مجتمع طريقة للحياة والتحولات واللغة وغيرها (مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، والقيم السلوكية التي توجد داخل الإرشاد العربي واليهودي عبارة عن أفضل القيم الموجودة لدي المجتمعات أو نخبها في ذلك الزمن أي في زمن الرسالة، فإذا حتى القيم التي توجد داخل الإرشاد الإلهي ليست مطلقة فهي قد اتت لمجتمع محدد بزمن محدد فهي مقيدة بزمانها ومكانها فلا وجود للمطلق الإنساني. فإذا تجاوزها الزمن فعلى المجتمعات تجاوز تلك القيم إلى قيم اخرى تحقق معني ومغزى الإنسانية.

     

    وكذلك لا يحول الإرشاد المجتمعات المختلفة إلى مجتمع واحد ولا يدعوها إلى تغيير أسمائها وقيمها ولا يفاضل الله بين الناس نتيجة للاسم أو الانتماء ولكن يفاضل بالعمل المؤدي إلى فائدة الإنسانية، فليس خالد بأفضل من جون أو كيم نتيجة لاسمه أو لانتمائه إلى الرسالة المحمدية مثلا في حين ان جون ينتمي إلى الرسالة المسيحية مثلا وكيم لا ينتمي إلى أي من الرسالات، ولكن الأفضل عند الله بناء على الإرشاد هو من يضيف عمله إلى الإنسانية ويسعي إلى اعمار الأرض بغض النظر عن اسمه وبغض النظر عن انتمائه لرسالة إرشادية من عدمه.

     

    الكفر في الفكر العربي الإسلامي والإرشاد الإلهي:

    الكافر في الفكر العربي الإسلامي هو كل من يدين بديانة غير الديانة المحمدية (ورغم تكفير الجماعات الإسلامية بعضها بعضا مثل الوهابية والصوفية والشيعة إلا اننا سنأخذ المعني العام للكفر)، ويعمل ذلك الكفر على خلق مسافة بين المسلم والكافر ويؤمن ذلك الفكر بان المسلمون سيرثون الأرض بعد اقتلاع الكفر منها ولذلك يدعو إلى البحث عن مصادر القوة واقتنائها من اجل ذلك اليوم. ويركز ذلك الفكر المتأثر بالفكر الجاهلي على اليهود باعتبارهم أكثر الكفار خطرا على الرسالة ويدعو إلى محاربتهم جهرا وإبادتهم حتى أخر يهودي ولو كان طفلا.

    عندما نرجع إلى الإرشاد الإلهي نجد ان الكفر ليس أزمة في حد ذاته فالكفر في الإرشاد الإلهي يمثل قصور استيعاب من قبل الإنسانية لذاتها، ولم تأتي الرسالات الإرشادية لمؤمنين ولكنها أتت لمجتمعات ضلت عن معني الإنسانية من اجل مساعدتها، وعندما نعتوا بالكفر ليس بدافع السبة وتحديدا للمجتمعات التي لم تأتي بها رسالات إرشادية التي سميت في كثير من الاحيان بالمشركة ولكنها سبة لمجتمعات جاءت بها رسالات إرشادية ولم تستفد منها، وكان ذلك استفزاز من اجل دفع الإنسانية إلى الاستيعاب ودافع للمجتمعات التي أتت بها الرسالات لأول مرة ان تستفيد من تلك الرسالات ولا تتركها كما المجتمعات الأخرى، فالكفار من اليهود والمسيحيين هو الذي لم يؤمن برسالته تلك كما يجب (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) ـــــــ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47))، وصفة الكفر تلك ليست صفة عامة بالنسبة للمسيحيين واليهود ففيهم من هو مؤمن بالإرشاد الإلهي كما يجب ولذلك وجب عدم تعميم صفة الكفر والاعتماد فقط على الفعل (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)).

     

    وكذلك الكفر كصفة ليس بعائق عن التواصل الإنساني بل يجب ان يكون دافع للتواصل من اجل دفع الآخرين لاستيعاب الإرشاد، ولم يوقف الإرشاد التواصل الإنساني بل دعي له (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) باعتبار ان الطعام ارفع أنواع التواصل الإنساني ومن خلاله يمكن التعارف والتراحم.

     

    هل على متبع الإرشاد المحمدي قتال الكفار؟

    في الفكر العربي الإسلامي قتال الكفار ولو كان في اخر الحياة واجب، ويجب على المسلم ان يختلف عن الآخرين ولو كانوا ينتمون لمجتمع واحد.

    اما عند الرجوع للرسالات فنجد انها لم تأتي للقتال ولم تأتي لتعرف بالإله أو الإيمان به كغاية أولى فلو أراد الله لخلقهم مؤمنين (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99))، فلا يمكن للإنسانية ان تؤمن بالإله المتعالي اذا لم تدرك ذاتها أولا ومغزى حياتها الإنسانية وعلاقتها مع الطبيعة، ولذلك جاءت الرسالات من إرشاد الإنسانية إلى استيعاب معني ومغزى الإنسانية وعندما تصل الإنسانية إلى ذلك تصل إلى إدراك الإله المتعالي.

     

    وعندما نتتبع الرسالة الخاتمة نجدها لم تفرض القتال ولكنها دعمت الدفاع عن النفس ضد من يحاول إبادة الذات نتيجة لاختلافها فقط (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40))، وذلك لا يكون إلا عند استنفاد كل الفرص من اجل تفادي الحروب ولكن عند أول بادرة للسلم يجب علي الفرد ان يلبي ذلك لان الهدف الذي تستقيه من الإرشاد الإلهي هو أعمار الأرض وليس ابادتها (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62))، وان حياة كل فرد بنفس أهمية حياة الجميع وذلك للتكامل الإنساني الذي يؤدي فيه كل فرد دور محدد فيجب عدم إزهاق الأرواح (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).

     

    الإيمان كبديل للإسلام العربي:

    لقد بدل الفكر العربي الإسلامي الرسالة الإرشادية الإلهية برسالة قيمية عربية تعبر فقط عن الإنسان العربي ورؤيته للحياة في زمن الرسالة، فقد حرف ذلك الفكر كل المفاهيم المتعلقة بالرسالة لتتوافق مع مفاهيم تلك المجتمعات مما ابعد الرسالة عن المساهمة في الاستيعاب الإنساني بمغزى الحياة الإنسانية، وجعلها خصما على كل إمكانية للتكامل الإنساني الإنساني، فعندما أدرك ذلك الفكر عجزه عن المساهمة في الإضافة للحياة الإنسانية أصبح يسعي إلى تدمير تلك الحياة حتى يثبت أحقيته في الوجود.

    فكل مفاهيم الفكر العربي الإسلامي تعبر عن ذلك الفكر ولا علاقة لها بالإرشاد الإلهي، ولكل من يفترض انه يعبد الله من خلال ذلك الفكر يجب ان ينتبه إلى انه يعبد الفكر العربي والإرشاد الإلهي برئ من كل ذلك، فكل من يقول بان الله يسير الحياة بفعله هو يشرك الإله داخل الحياة، وكل من يقول بان الله قد أرسل قيم من عنده للإنسانية هو يشرك بين الله وبين تلك القيم، وكل من يقول ان القران هو كلام الله هو يشرك الله مع الإنسانية ويتعالي الله عن كل ذلك، وكل من يقول بان الرسل اعلي من البشر هو يجعل من الرسل آلهة فوق البشر، اذا كل الأفكار التي تحيط بذلك الفكر هي تصور مجتمع معين للحياة الإنسانية لا علاقة لها بالإرشاد الإلهي، ورغم ان الرسالة جاءت لكي تدفع نحو تجاوز تلك التصورات إلا أنهم فعلوا كما فعلت المجتمعات الأخرى التي جاءت بها الرسالات وسوروا تصوراتهم تلك بمفاهيم من الرسالة وأصبح المسلم لا يعرف نفسه ومغزى حياته ولا يعرف الله لكي يعبده العبادة الصحيحة ولكن يعرف الفكر العربي ويعبد الفكر العربي.

     

    فإذا هي دعوة للإيمان وترك للإسلام العربي، هي دعوة للإيمان بالإله المتعالي الذي خلق الحياة لتتكامل فيما بينها بناء على استيعاب الإنسانية وفعلها، وان الله ينتظر ليرى ماذا سنفعل بهذه الهبة التي رفعت الإنسانية فوق كل المخلوقات الأخرى فهل نستفيد منها ام نواصل في هذا التيه ونقول ان الملائكة كانت على حق (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)).

    والإيمان ليس قيم سلوكية تعطي وليس على المؤمن ان يتغير من مجتمعه وإلا لتغيرت الرسل من مجتمعاتها ولكن الإيمان دافع لكل فرد لاستيعاب مجتمعه والمساهمة فيه. هو أيضا دعوة لرؤية الآخر كآخر مختلف يتكامل مع الذات من اجل أعمار الأرض، وكذلك دعوة لاستيعاب التوازن الطبيعي وعدم الإخلال به ففي ذلك ضرر للإنسانية.

     

    خاتمة:

    كثيرا ما يتم سؤالي هل أنت مسلم؟ وأجيب بلا واضحة أنا لست مسلم وإنما مؤمن ولا انتمي لإسلامكم هذا، فالإسلام القادم من الفكر العربي لا فرق بينه وبين الجاهلية وإنما أسوا من ذلك كثيرا وهو يقول بأنه من عند الله، فلا احد من نخب الفكر العربي التي جاءت بذلك الفكر تقول هذه رؤيتي للحياة الإنسانية استقيتها من استيعابي للإرشاد الإلهي ولكنهم يقولون قال الله، أراد الله، شريعة الله، فهم ينطقون بلسان الله وتعالي الله ان يكون له لسان.

    وعلى النخب تحديدا تقع المسئولية الأكبر باعتبارهم أصحاب الدور الأول في الاستيعاب وقيادة المجتمعات، فالخوف من مقارعة الفكر العربي الإسلامي والاختباء خلف مفاهيم مثل الحرية والديمقراطية لن توقف ذلك الفكر، فعلى النخب ان تواجه ذلك الفكر في حقله، في مفهوم الله والرسالات وان تجرده من الأسلحة التي يعمي بها المجتمعات وان توضح للجميع بانه فكر أنساني وليس قول الهي وعلى المجتمعات بعد ذلك ان تختار.
////////////////////