إخواننا المصريين – حفظهم الله وحفظ الكنانة – يتكلمون أمثالاً؛ بل يتنفسون أمثالاً. وبعض أمثالهم جميل التأليف كثيف الدلالات، وبعضها في تأليفه عَيٌّ وحَصَر، وخالٍ من دلالة تماماً (وإن قلت عِيّ فأنت على صواب)، فمن جميل التأليف كثيف الدلالات قولهم: "اللي يخاف من العفريت يطلعلو"، ومن أمثال العي والحصر قولهم: "اللي ما يعرفك يجهلك"؛ فلم يضيفوا شيئاً بقولهم "يجهلك"؛ فالذي يجهلك هو اللي ما يعرفك. وفي هذا زيادة لفظ بلا زيادة معنى؛ وهو ما يعرف في البلاغة العربية بالحشو؛ وهو عين ما يغيظ الرباطابي، ويجعله يسخر منك حدَّ السخرية ما تقيف. فاللغة العربية رباطابية؛ بل رباطابية أصيلة (أمها بتَّ عمَّ بوها)، وهذا الضبط لتُقرأ كما تُنطق.

ثم إن قولنا العفاريتيّ فيه نسبة للجمع، وهو ما يخطِّئه البصريون، ويجوِّزه الكوفيون، وجوَّزه – فيما جوَّز – مجمع اللغة القاهريّ. وفي كلام العرب السالف بعض ألفاظ فيها نسبة  للجمع، من مثل قولهم: شعوبيّ وأنصاريّ وملوكيّ. فإن قلت "مجلس الأمن الدُوَلِيّ" ونفخ فيك أحد الغيورين على العربية غيرة عمياء، وقال لك: "قل الدَّوْلِيّ ولا تقل الدُّوَلِيّ، أنك – لا وفقك الله – تذبح العربية كِيرِي"، فقل له: "طُزّ". وبعضهم – بنصف معرفة – ينصِّب نفسه شرطيًّا على بوابة اللغة، يحرر المخالفات ولا يقبل الرشوة. أما إذا صحّحك في العربية أحد الغيورين على العربية غيرة مبصرة؛ فاستمع له وأنصت، وخذ عنه، واتخذه لك ولياً وشيخاً. ولنترك اللغة الآن وندلف إلى جخنون أستاذنا سيد الدوش.

يخاف سيد الدوش من العفريت والعفريت يطلعلو، فهو يحتفظ بأربع نسخ من مفتاح العربية، واحدة في السلسة المعتادة، وواحدة في حقيبة كتبه، وواحدة في محفظة نقوده مع ثلاثة عشر ريالاً سعودياً لا يحمل غيرها خوفاً من عفريت الضياع، وواحدة عند ابنه عوض الكريم. ولكني وجدته يوماً في موقف السيارات في جامعة الملك سعود محتاراً؛ لأنه أغلق باب السيارة بعد تأمينه والمفتاح داخلها، وحقيبة الكتب داخلها ومحفظة النقود داخل حقيبة الكتب، وابنه عوض الكريم كان قد سافر إلى جدة لزيارة ناس خالته ومعه المفتاح الاحتياطي. إنه العفريت الذي خاف منه وها هو يطلعلو. وجئنا بمكنيكي حلَّ المشكلة. فحمل حقيبة الكتب وهرول نحو القاعة ليلحق المحاضرة. وحقيبة كتبه الثقيلة هذه إذا حملها بدا في منظر عجيب؛ إذ يمتد صدره إلى لأمام، وعجزه إلى الخلف، وينخفض كتفه الأيمن حتى ليكاد يلزم الجابرة، ويرتفع الأيسر ويميل نحو رأسه فيدفن أذنه اليسرى وهي حية، وتختلف رجلاه وهو يمشي من ثقل الحقيبة، حتى لتحسب أن هذا الرجل خُلق برجلين كلتيهما يمنى، وهو منظر إن فاتك من سيد الدوش فلن تراه في وَدْ مقنَّعةٍ أبدك الأبيد.

يمشى سيد الدوش وهو يتلفَّت دائماً؛ فهو يسمع أصواتاً تأتي من اليمين واليسار ، والسافل والصعيد، ومن دار جعل ودار الريح، ويتلفَّت ولا يجد شيئاً. وحقيقة الأمر أنها أصوات قديمة عشَّشت (لا عشعشت) في أذنيه منذ أن كان يلعب بأبو الدنّان، وأبو الجندي، وأبو الدردوق، وأبو الأسود الدؤلي.

لا يتوضأ سيد الدوش للصلاة إلا قبل دقيقة واحدة من إقامتها؛ لأنه إذا توضأ قبل دقيقتين طلعلو عفريت الانتقاض فرجع إلى الحمام. وهو عادة ما يخرج من ذلك الحمام الأفرنجي مبلل الملابس وكأنه توضأ في تُرعة. فالذي بين الحراز والمطر لا يساوي شيئاً مما بينه وبين النجاسة.

ولسيد الدوش عفريت غريب؛ هو عفريت الجهر؛ إذ لا يتحدث الرجل إلا همساً، فهو يظن أن الحديث الجهري ربما يجيب الهبوب من حيث لا يحتسب المتحدِّث ولا المُخاطب، فحين يضع فمه في أذنك، ويضع كفَّيه حول فمه وأذنك ويجمعهما معاً، بحيث لا يترك مقدار سم الخياط؛ حتى لا تتسرب همسة متمردة إلى خارج أذنك؛ تظن أنه سيسرُّ إليك بأنه تزوج بالثانية، فإذا به يقول لك بكرة إجازة.

يحتفظ سيد الدوش بست نسخ من أوراقه الثبوتية، وأوراق أولاده وبناته وأقاربه حتيالدرجة الثالثة وأزواج بناته وأقاربهم؛ خشية أن تضيع النسخ الخمس لأحدهم، فتكون هناك واحدة في الأقل. وأشد ما يقلقه صديق ابن خالة زوج البنت الكبرى الذي يدرس في مامون حميدة، فهو ولد مسلَّط لا تكاد جلابيته تنزل تحت ركبته، وله ساقان مقوَّستان رقيقتان كساقي ماعز، يمشي والمسافة بينهما تقارب المتر. والولد منضمة وله عينان جاحظتان تتَّقدان بحطب جهنم، وله عمامة نصف متر، يربطها حول رأسه فتظنه مفلوقاً. ولا يرى سيد الدوش هذا الولد سوى داعشيّ مخيف، ويخشى أن يُسأل عن الولدصديقُه الذي هو ابن خالة زوج بنت الدوش؛ فيقول وهو بين أيدي رجال الأمن "أنا والله لا أعرف شيئاً، ونادوا لي بابا الدوش"، وللدوش دعاء يردده في دبر كل صلاة من فروضه ونوافله، وفي حلِّه وتَرحاله: اللهم اجعل بيني وبين رجال الأمن حجاباً، واجعل لي عليهم من لدنك سلطاناً نصيراً حتى تقضي فيَّ أمرك". ولكن – ولله الحمد – لم يطلعلو حتى الآن عفريت داعش، ونسأل الله ألا يطلعلو.

صفوان عثمان  الرياض/ المملكة العربية السعود