على نحو مفاجئ تراجعت الادارة الامريكية عن مشروع قرار لها اعلنته في الاسابيع الماضية، خلال الجلسة الاجرائية لمجلس حقوق الانسان  التابع للامم المتحدة، عزمها ‏تقديمه يخلص الى اعادة  السودان إلى البند الرابع، ويقضي بتعيين مقرر خاص لحقوق الإنسان هناك.

الادارة الامريكية وبغير المتوقع ، دفعت  بمشروع قرار رسمي جديد  لمجلس حقوق الانسان يقضي بإبقاء السودان في البند العاشر مع تعديلات في مهام الخبير المستقل تمنحه حرية الحركة في دارفور وكردفان.

تراجع وإحباط

 القرار الامريكي فى نسخته الجديدة المعدلة ، شكل حالة من السخط والاحباط وعدم الرضا فى سماء القوى المعارضة لنظام الحكم فى الخرطوم ـ بشقيها السياسي والعسكرى ، بعيد اجتهادها المضني فى التعاون مع مجموعات الضغط الامريكية لإرجاع السودان لبند الرقابة (الرابع) .

تقارير صحفية بالخرطوم ذكرت ان قوى المعارضة التي تواجدت بجنيف اصيبت بخيبة أمل كبيرة ازاء مشروع القرار الامريكي الجديد خلافاً للمشروع الامريكي الاول الذي يوصي بوضع السودان تحت البند الرابع " الرقابة" ونقل خروقات حقوق الانسان لمجلس الامن الدولي واتخاذ قرارات بشأنه.

 (واشنطون)..ماذا تريد؟

حزمة من التكهنات أطلت بعنقها فى محاولة منها للاجابة على سؤال ...ماذا تريد واشنطون من وراء تراجعها ؟

ويبدو ان للولايات المتحدة الامريكية استراتيجية تنظر لما وراء ما ذهبت اليه  من دعمها لملف حقوق الانسان في السودان ، تلك الخطوة التى تشكل علامة فارقة فى علاقتها مع (الخرطوم) مذ مجئ الانقاذ للسلطة 30 يونيو 1998 .

مشهد جنوب السودان

ولعل مشهد جنوب السودان الدولة الوليدة والحرب التى بعيد انفصالها من السودان  كان حاضرا فى المخيلة الامريكية ، لاسيما والدور المشهود الذى  لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في نشأة دولة جنوب السودان  من خلال الرعاية والحماية والدعم مما مكن أبناءها من تحقيق حلم الانفصال، لتحتل الدولة الوليدة مكانة هامة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا.

الادارة الامريكية  كانت من أوائل الدول التي اعترفت رسميًّا بجمهورية جنوب السودان، وتعهدت بشراكة ثابتة وعلاقة تعاونية.

 وأصبحت من أكبر الدول التي تقدم مساعدات مالية لـ (جوبا)، وبدت تمهد لان تحتل دولة جنوب السودان مكانا هاما في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا، بالنظر الى الموقع الجغرافي، للدولة الوليدة والجيوسياسية، بالاضافة الى  مواردها الاقتصادية وعلى رأسها النفط يدعم تلك المكانة، حيث تعتبر جنوب السودان منطقة مصالح اقتصادية كبرى بالنسبة لكثير من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين.

وبحسب تصريحات سابقة لمسؤولين اميريكيين وغيرهم من المراقبين الاجانب للشان، فان السودان الدولة الوحيدة القادرة على انهاء الصراع بين فرقاء جنوب السودان ووضع حد له.

عضو الوفد الحكومي في مفاوضات السلام د. حسين كرشوم ، اكد ان تغييرا كبيرا طرأ على  الموقف الامريكي نحو السودان، وقال فى تصريحات صحفية من (جنيف ) ان "هنالك شيئاً ما لم يتضح بين الخرطوم وواشنطن التى اشار الى انها  تحدثت فى جلسة مجلس حقوق الانسان بجنيف  أمس الاول بلهجة ايجابية في جنيف، لافتا الى استعدادها لرفع العقوبات الاحادية حال حدوث تقدم في مفاوضات السلام".

(كرشوم)، راى ان  تقرير الخبير المستقل الذي اعتزم تقديمه اليوم بانه لا يعكس بالضرورة حقيقية الاوضاع داخل السودان ويعتمد كثيرا على تقارير المنظمات الطوعية.

اسباب التراجع

اما الخبير الاستراتيجي والدبلوماسي الرشيد ابو شامة ، فقد ذهب مشككا فى نسبة مشروع القرار الاول للادارة الامريكية ، وعده اتجاه لدى بعض المستشاريين او ( اللوبيات ) وجماعات الضغط ،واوضح قائلا : ان مشروع القرار الاول ربما لم يكن صادرا من الحكومة الامريكية بشكل مباشر، وقد يكون من قبل مستشارين أو من اللوبيات وجماعات الضغط التي لديها مصلحة في معاقبة حكومة الخرطوم، لكن بعد ان تم تصعيده لم يجد الدعم من القيادة الامريكية التي لديها اسباب اقوى من معاقبة السودان  لعدة اسباب ، اشار الى انه يمكن حصرها في ثلاثة اسباب ، فصلها فى انه ليس من مصلحة امريكا معاقبة السودان في الوقت الراهن باعتبار ان لديها مصلحة استراتيجية في تحقيق السلام في السودان لاعادة الاستقرار في دولة جنوب السودان ، لاسيما بعد زيارة الرئيس الاوغندي يوري موسيفيني الذي جاء للخرطوم بإيعاز من امريكا،مشيرا الى ان  معاقبة السودان ووضعه في بند الرقابة يعطل مشوار الحل السلمي في الجنوب أو يجعله يتراجع.

الخبير ابوشامة ذهب الى ان امريكا تريد ان تغلق الباب امام دولة روسيا التي اشار الى انها بدأت تظهر اطماعا في المنطقة الافريقية لاسيما دولة الجنوب،وقال : وبما ان السودان البوابة الرئيسية لأفريقيا، فان أي محاولة امريكية لفرض عقوبات على السودان ربما تساعد في "ارتماء" الخرطوم في احضان روسيا لاسيما بعد مبادرة المصالحة التي قادتها في السودان وجنوب السودان ودعمها في المحافل الدولية.

ابوشامة ، اكد امريكا من واقع  دعم الاتحاد الافريقي والجامعة العربية وعدد من الدول الاسيوية للسودان في مجلس حقوق الانسان ، رات ان مشروع قرارها لن يجد التاييد والمساندة داخل المجلس واثرت التراجع ، لافتا الى ان الدعم الافريقي والعربى والدولى جعل الحكومة واثقة بان مشروع القرار الامريكي ربما لن يجد أذنا صاغية الا من الدول الاوربية وبعض الدول الاخرى، وبالتالي يمكن ان تخسر امريكا مشروع قرارها.

وزارة الخارجية على لسان متحدثها الرسمي السفير على الصادق ، ذهبت فى ذات المنحى وهو يقول في تصريح صحفي : إن البعثة السودانية في جنيف تقود تحركات مكثفة بالتنسيق مع دول صديقة لإجهاض تحركات تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ترمي لإعادة السودان إلى الفصل الرابع الخاص بالرقابة على انتهاكات حقوق الإنسان.

السفير قطع  بان البعثة السودانية بجنيف ستقاوم أي محاولة لزعزعة ملف حقوق الإنسان، بالتنسيق مع الدول الصديقة في مجلس حقوق الإنسان.

وقال  "إن السودان وحلفاءه قادرون على تفنيد أي مزاعم تحاول أمريكا الصاقها بالسودان من خلال تقديم التطورات المحرزة في أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة الماضية، وشرح ما قامت به الحكومة للارتقاء بالملف بعيدا عما أسماه "المغالطات المضللة التي تنشرها الجهات المعادية للسودان".     

المعارضة تخسر بجنيف

وفى موازاة ذلك ، نجد ان معارضة (الخارج) ،  ربما شعرت بمسعى الادارة الامريكية بتبديل موقفها الداعم لها في فرض رقابتها على حقوق الانسان في السودان، فى ظل تاكيدات مسؤولي الحكومة  بان تقرير الخبير المستقل المزمع سيحمل فى جوفه الكثير من الادانات للحكومة السودانية.

 وحتى امس الاول فشلت تظاهرة دعت اليها منظمات سودانية معارضة للتنديد بأوضاع حقوق الانسان بالسودان بميدان (كرسي المعارضة) الواقع في قلب مدينة جنيف، الا من حضور ثلاثة اشخاص فقط هم د. يوسف الكودة وحافظ عبد الله من حركة تحرير السودان وشخص ثالث رفعوا لافتة وحيدة كُتب عليها " أرحل يا البشير " حسبما نقلت احدى صحف (الخرطوم ).

 وتقدمت قوى المعارضة والحركات المسلحة بذات اليوم بطلب لتسيير تظاهرة اليوم (الاربعاء) في جنيف تندد بأوضاع حقوق الانسان في السودان بعد فشل تظاهرة الامس، ولكن الطلب ربما يتم رفضة لتزامنه مع تظاهرة تنظمها منظمات طوعية غير حكومية تنديدا بالعقوبات الامريكية الاحادية على المواطنين السودانيين.

وقالت مصادر خاصة عن عقد جلسة حوار تفاعلي اليوم الاربعاء في جنيف يقدم فيها السودان دفوعاته حول اوضاع حقوق الانسان ، وتضمن تقرير الخبير المستقل مطالبة للحكومة بتقديم الجناة المسؤولين عن ازهاق ومقتل عدد من المواطنين في احداث سبتمبر وكذلك اشار التقرير الى التطور السياسي الايجابي بقيام الانتخابات الاخيرة واعلان الحكومة الغاء الرقابة القبلية على الصحافة.

تقرير الخبير المستقل

وعلى هذا فإن تقرير الخبير المستقل الذى تتخوف منه (الخرطوم) ربما لن يكون بالاثر المتوقع له بعد تراجع الادارة الامريكية التى يرى كثير من المراقبين انها ظلت تمثل منصة لقرارت منظمات الامم المتحدة .

ووفقا لتقارير صحفية فان بعثة السودان الدائمة بجنيف اوضحت ان محاور تقرير الخبير المستقل لأوضاع حقوق الانسان اريستيد نوسين الذي سيقدمه امام مجلس حقوق الانسان، والذي اعتبرته البعثة بانه يهدف بما تضمنه من وقائع وتوصيات على ابقاء السودان داخل بند الاجراءات الخاصة، وحسب تقرير البعثة الموجه الي وزارة الخارجية فى الخامس من اغسطس الماضي، فان الخبير المستقل، تلقي معلومات انه بين يناير وابريل ٢٠١٥ القت القوات الحكومية ٣٧٤ قنبلة جوية في منطقة بجنوب كردفان مما ادي الي وفاة ٣٥ مدنيا وجرح٧٠ اخرين فضلا عن انتهاكات ارتكبتها الحركات المسلحة ضد حقوق الانسان خاصة الهجوم علي كالوقي الذي ادى الي مقتل ٤٠ مدنيا وهجوم اخر للحركة الشعبية قطاع الشمال تسبب بمقتل وجرح العشرات.

(نوسين)  عبر عن قلقه حيال تصاعد العنف الجنسي ضد النساء بما فى ذلك الاغتصاب وذكر ان "يوناميد" رصدت ٢٧ حالة لـ٣٩ ضحية ، واعتبر الخبير ان التراخي فى التحقيق او انفاذ القانون في مثل هذه الحوادث يضعف حق الضحايا في الوصول الي العدالة، ونقل عن بعثة الامم المتحدة والاتحاد الافريقي "يوناميد" تدهور الاوضاع في دارفور بعد نشر قوات الدعم السريع وان البعثة وثقت هجوما وقع بواسطة هذه القوات ضد المدنيين يعتقد انهم متواطئون مع الحركات.

 وقال الخبير ان "يوناميد" تحصلت على معلومات من الضحايا والشهود تؤكد على وجود سلوك وتوجه منظم لحرق القرى ونهب الممتلكات.

 وابدى الخبير المستقل قلقه من القيود المفروضة علي الحريات والحقوق السياسية وحرية الصحافة والتجمع واتهم اجهزة الامن والحركات المسلحة بارتكاب جرائم اختفاء قسري واعتقال تعسفي وتعذيب.

 وقال بانه تلقى تقارير عن اطالة امد الاعتقال التحفظي دون فرص الوصول للعدالة او المساعدة القانونية.

ولكن بعثة السودان الدائمة بجنيف، شككت فى دقة التقرير ومصادر معلوماته وطالبت ، بدراسته بعناية  وتفنيد المزاعم والاتهامات الواردة فيه  بالشواهد والوقائع والادلة والتأكيد على موقف السودان بان تفويض الخبير يقع تحت البند العاشر ولا يشمل المراقبة والتحقيق بل تقديم العون الفني وبناء القدرات.

تشكيك فى النوايا الامريكية

ولكن ثمة تشكيك فى نوايا واشنطون تجاه الخرطوم ظل ملازما لتوصيف شكل العلاقة بين الطرفين ، ما يجعل من تحول موقفها و تقاربها المفاجئ مع الحكومة السودانية مثار تساؤل يصعب الاجابة عليه فى الوقت الراهن ،ما اذا ما كانت الادارة الامريكية جادة فى العبور بعلاقتها مع الخرطوم الى محطة التطبيع او ان تنازلها عن جزء يسير من مواقفها تجاهها لا يعدو كونه (تكتيكاً) لكسب الوقت ليس إلا .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.