العرف عند الحسانية في النيل الأبيض في عشرينات القرن الماضي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قلنا إن العرف عند البدو والرُّحَّل في السودان هو القديم الثابت مما اعتاده الناس وساروا عليه واحتكموا إليه وهذا ما يجعله يختلف عن القوانين التي تفرض على الناس فرضا، لأن العرف عندهم أختاروه ورضوا به لأنفسهم وتقبله عامة الناس وهذا هو سر قوة العرف والإلتزام به. قد يكون عرف مجموعة ما، أحيانا، مخالفاً للنصوص الشرعيةأو القانونية للدولة ويؤجج ذلك عدم التوافق بين الانتماء للمجتمع القائم على روابط الدم وصلة الرحم والوشائج والنسب من جهة والانتماء للدولة التي يقوم الانتماء لها على مفهوم المواطنة من جهة أخرى، لذلك نجد أحيانا بعض التناقض بين الانتمائين وتنشأ ثمة علاقة بين البدو أو الرحل والدولة يسودها التوتر أشبه بذلك التوتر والشك الذي يسود علاقة البدو مع الحضر، الدول بطبعها مدنيّة ومنحازة نحو الحضر وتتبنى وجهة النظر أهل البنادر تجاه مواطنيها من البدو والرحل. وأنحياز الدولة  ناتج من الخوفمما يمكن وصفه بِـ "ترييف" البنادر و"بدونة" الريف أو السير عكس ما اسموه "المدنية" و"التحضر"

ذكرنا أيضا أن دستور الحكم الذاتي لسنة ١٩٥٣ ودستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦ وكذلك الدستور المؤقت لسنة ١٩٦٤ لم يرد فيها أي نص يشير صراحة إلىالعرف (أو الدين) كمصدر للتشريع وإن كانت كلمة "العرف" وردت في صيغة القسمالقضائي في الدستور المؤقت لسنة ١٩٦٤ وكذلك الدستور المؤقت السودان لسنة١٩٥٦ "أن أعمل بكل ما في وسعي لأن أناصر دستور السودان الموضوع بقانون وأنأحقق العدالة لجميع طبقات الشعب بمقتضى القوانين والعرف في هذه البلاد دونخشية أو محاباة أو سوء قصد، والله المستعان"، أما في الدستور الدائم لعام ١٩٧٣ (نظام نميري) نصت المادة المادة ١٥ "أن الأسرة أساس المجتمع،  أن الدين فيجمهورية السودان هو الإسلام ويهتدي المجتمع بهديه بوصفه دين الغالبية وأن المسيحيةدين عدد كبير من المواطنين ويهتدون بهديها" ورد في المادة (٩) من دستور١٩٧٣ وكذلك في المادة الرابعة من دستور سنة ١٩٨٥ الانتقالي نصاً واضحا بإعتبار العرفأحد مصادر التشريع: "الشريعة الإسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع. والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم". ثم جاء دستور سنة١٩٩٨ بنص آخر يخص العرف في المادة ٦٥ يقول "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمةاستفتاء ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع ولا يجوز للتشريع تجاوزاً لتلك الأصول. ولكنه يهتدي برأي الأمة العام وبإجتهاد علمائها ومفكريها، ثم بقرار ولاة أمرها". وأخيراً المادة الخامسة من الدستور الانتقالي لسنة ٢٠٠٥ نصت على التالي: "يكون التوافقالشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ فيالإعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تسن على المستوى القومي،وتطبق على جنوب السودان أو ولاياته"

قلنا إنّ فرض قانون الدولة على المجتمعات اﻟﻌﺸﺎﺌرية البدوية وتعطيل ما تعارفوا عليهمن أعراف في السودان لم يكن أمراً سهلا، بل تطور ماراً بمراحل وحقب تاريخيةمختلفة وأوردنا مثال ذلك ماحدث للبعض في دار المناصير أبان الحكم التركي عندماحاولت الحكومة فرض اﻟطﺎﻋﺔ واﻻﻨﺼﻴﺎع ودﻓﻊ ﻀريبة ريال نقدا على كل ساقية فيمجتمع تكافلي تعايشي فكانت النتيجة أن نجع المزراعون المستقرون إلي الوديانالمجاورة وأصبحوا بدوا بعد أن كانوا مستقرين رافعين شعار "عشرة في تُربة ولا ريالطُلبة" واستمروا كذلك إلى جاءت اﻹﺼﻼﺤﺎت اﻷﺨﻴرة ﻓﻲ اﻟﻌﻬد اﻟتركي فعاد البعضوبقي القليل منهم بدواً إلى يوم زماننا هذا.

قد يختلف من العرف السائد في أوساط مجموعة معينة عن المجموعات المجاورة والتيتشاركها مصادر الماء والرعي ومسارات الرحيل حيث يزداد التوتر على طول الممراتالرعوية  وتكثر الاحتكاكات في فترات الجفاف الشديد حيث تشتد الخلافات وتشتعلبين مجموعات الرعاة أنفسهم وبين الزراع والرعاة أحيانا خاصة في حالة ضعفأوغياب الحكم المحلي وعدم وجود آليات أو مؤسسات فض النزاع على الأرض للحد منهذه التوترات. وقلنا أيضا إن في بعض المجتمعات السودانية تُرفّع العادات لتكونأعراف أو قوانين عرفية ذات طبيعة جزائية عقابية يعاقب على عصيانها وغني عن القولإن العرف أو القانون العرفي يتم تطبيقه فقط على سكان المجموعة الأصليين ولا يمكنفرضه على الآخرين من خارج المجموعة إلا إذا تم التراضي على ذلك.

تم تدوين مجموعة الأعراف الورادة هنا، في عهد الاستعمار، بواسطة مساعد حاكم ولاية النيل الأبيض بمدينة الدويم في الثالث من أغسطس عام ١٩٢٦م (وثائق السكرتيرالإداري، دار الوثائق القومية الخرطوم). المجتمع الذي كانت تحكمه هذه الأعراف كان يضم ثلاث مجموعات: مجموعة كاملة البداوة حيث تجوب الأَجواء وتشقّ الأَرْجاء ترحلفيها الأسر مع القطيع، مجموعة جزئية البدواة  ينتقل فيه جزء من الأسرة مع القطيع في جولات رعوية موسمية ومجموعة الرعي حول القرى حيث يعود الرعاة مع القُطعانيوميا إلى القرية. العرف لهذه المجموعة ينظم عدة جوانب ويشمل كل النواحي بما فيلك أنماط وسبل استغلال الموارد الطبيعية والتعامل مع الآخرين ونورد هنا جزءا مترجمامن اللغة الأنجليزية كما فهمه ولخصه مساعد حاكم ولاية النيل الأبيض وسنتاولالتغيرات التي حدثت و ما اندثر منها وما تبقى في مقال منفصل إن شاء الله.

أولاً الدِّيّة: مقدارها قد يصل إلى مائة بقرة٬ تدفع بواسطة الجاني وأهله إلى أهل القتيل، وحسب العرف يجب أن يكون ثلث أبقار الدية من نوعية ممتازة وثلثها الثاني من أواسط الأنواع والثلث الثالث من نوعية "أقل من متوسطة". إذا رفض أهل القتيل الدية،على الجاني أن يطلب تدخل أو يقوم بالاحتماء بأحد "الفقرا"، حيث يسعى أحد"الفقرا" في تسليم الدية إلى أهل القتيل ويسمى الجاني القاتل في هذه الحالة "عتيقالفقرا" [عادة لا ترفض الدية التي يتولى أمرها "الفقرا" لما لهم من مكانة دينية واعتقادالبعض فيهم وفي قدراتهم]. في كثير من الأحيان يتدخل الأجاويد فيتم إعفاء جزء منالدية وأحيانا يتم إعفاء الدية كاملة وهو ما يعرف عندهم بِـ "التفريش" . وعندما يتم دفعالدية، يذهب نصف الدية إلى ورثة القتيل الشرعيين وربع الدية إلى أقارب القتيل غيرالوارثين والربع الأخير يدفع إلى شيخ القبيلة.

ثانيا الجروج: يتم تقدير التعويض في الجروح (الضرر اللاحق بالذات الذي يمس منسلامة المتضرر الجسدية وتقدير الأضـرار الجسدية الناتجة عن الاعتداء على سلامةالبدن حيث يختلف تحديد هذا الضرر باختلاف حالة المصاب ومدى أمكانية التئام أواندمال جروحه. القواعد الأساسية في حساب تعويضات الجروح والحد الأقصى فيتعويضات الجروح والأضرار الناتجة عنها كما يلي: العين تعادل نصف دية إذا فقدتالعين القدرة على الإبصار كليا؛ السن: عشر بقرات؛ اليد: نصف دية إذا قطعت أوتعطلت كلياً (إعاقة دائمة)؛ الأذن: سدس دية؛ الأنف: ثلث دية؛ الشفة: ثمن دية. ويجبالانتظار لمدة سنة كاملة ليتم التأكد من حجم الضرر الحقيقي وما إذا كان العضوالمجروح قد تعطل بصورة دائمة أم لا. ويتعين على الجاني أن يدفع للمجني عليه "حقالكمودة" أو حق العلاج على أن لا يتعدى العقوبة التي تم تقديرها.

ثالثا :العنف الذي يؤدي إلى جروح غير دائمة: الكف (الضرب بالكف) وتكون الغرامةثلاثة إلى أربعة ريالات؛ الضرب بالعصا خمسة أو ستة ريالات؛ الطعن غرامة عشرةريالات بالأضافة إلى تكلفة العلاج. يتم دفع الغرامات في هذه الحالة إلى شيخ القبيلةأما تكلفة العلاج فيتم دفعها إلى المجني عليه.

رابعاً الزواج: يدفع الرجل(العريس) سبع بقرات للبنت العروس وقربياتها من النساءدون الرجال وعادة ما تُعاد أحدى البقرات إلى العريس أكراما له وتُعرف بـِ "حقالضيافة"، لا يجوز للرجال من أهل العروس استلام أو الاستفادة من تلك البقرات وأينوع من تدخل الرجال من أهل العروس في شأن تلك البقرات يعتبرونه عيباً كبيرا. يتمدفع المهر في شكل دفعيات تبدأ قبل الزواج وقد تستمر لمدة عام بعد الزواج إلا أنّأكبر الدفعيات يسبق الزواج. لايجوز للزوج العريس أخذ الزوجة العروس من ذويها إلابعد سداد كل الدفعيات المتفق عليها. وأيضا إذا تزوج الرجل زوجة ثانية عليه أن يدفع"الرضوة" للزوجة الأولى، وهي هدية لترضى أو تهدأ الزوجة الأولى على زواج زوجهامن امراة أخرى. عادة يتزوج الرجل ابنة عمه وابنة عمته وفي حالة عدم وجود ابنة عمأو عمة يتزوج ابنة خاله أو خالته. ويعد عيبا طلاق الزوجة خاصة بنت العم إلا لوجودسبب وجيه وداعي مقبول للطلاق وعادة مايكون عدم الانجاب. والمطلقة لها عدة البيتمن أثاث وأواني وتكلفة ترحليها إلى بيت ذويها. وفي حالة طلاق الزوجة التي لها أبناءيبقى الأولاد مع الأب وتذهب البنات مع الأم والأطفال الصغار يتركون للأم إلى حينوفي هذا الأثناء يُدفع للمرأة المطلقة النفقة. إذا طلبت المرأة الطلاق عادة يعفيها الزوجمن كل ما انفقه عليها إلا إذا تزوجت رجلاً آخر، ففي هذه الحالة يدفع الزوج الثانيلطليق الزوجة كل ما انفقه عليها بما في ذلك تكلفة الزواج الأول. وعادة مايطلب الزوجالجديد من الطليق أعفائه من ذلك وتحدث مساومات فيتم أعفاء جزء  أو كل ما أنفقهالزوج الأول.

خامساً الإعتداء الجنسي: إذا زنا الرجل ببكر فعليه أن يدفع "السياق" كاملا أما أذازنا ببكر وحبلت منه فعليه الزواج بها بعد دفع "السياق" كاملا باللإضافة إلى غرامةأخرى يتم تحديدها وتدفع مباشرة إلى شيخ القبيلة. إذا زنا رجلٌ بأمراة متزوجة فعليهإن يدفع غرامة قدرها ٥٠ ريالاً، وإذا طلقها زوجها بسبب ذلك يجب على الذي زنا بهادفع "السياق" لطليقها. وللذي زنا بها أن يتزوجها إن إراد.

سادساً الإهانة والسب والشتم: ويمكن أن تصل العقوبة أن يدفع المعتدي بقرة تدفعلشيخ القبيلة ولكن معظم العقوبات تكون في حدود خمسة ريالات غرامة تدفع لشيخالقبيلة. في حالة العراك والشجار يدفع المتسبب فيه بقرة إلى شيخ القبيلة وتحدد غرامةالآخرين كل حسب مشاركته في العراك وتدفع كل الغرامات إلى شيخ القبيلة.

سابعاً الاعتداء على الممتلكات: الهوامل من المواشي يجب حفظها والاعتناء بها معقطيع من وجدها إلى إن يأتي صاحبها، يجب إلا يتم وسم الهوامل أو تعديل وسمها أوإضافة أي وسم جديد لها. أولاد الهوامل يجب وسمها كأمهاتها تماما دون تحريف أوتعديل. في حالة الضرر على الزراعة يتم تقدير قيمة الضرر ويقوم صاحب المواشيبدفع قيمة الضرر إلى المزراع. في أثناء ساعات النهار تقع على المزارعين مسئوليةحماية مزارعهم وإبعاد المواشي (غير المحروسة) عنها، أما في الليل فتقع المسؤلية علىأصحاب المواشي (الرعاة) في حراسة مواشيهم من إلحاق الضرر بممتلكات الآخرين.يمنع دفن آبار الشرب، ومن دفن بئراً لايملكها عليه أعادة حفرها مع دفع غرامة تدفعلشيخ القبيلة، يمنع منعاً باتا حفر الآبار في الرهود وأماكن تجمع المياه.

ـــــــــــ سنتناول هذه الأعراف وماتبقى منها والتغيرات التي حدثت عليها في مقالمنفصل ونرحب بكل معلومة أو مساهمة تساعد في هذا المجال.