في مثل هذا اليوم .. 27 أغسطس  1899م ، اقدمت  القوات الانجلو-مصرية الغازية على  إرتكاب مجزرة إعدام الخليفة شريف خليفة الإمام المهدي  ونجلي الإمام المهدي (الفاضل والبشرى) و التي عرفت تاريخيا بمجزرة الشكابة. لقد  كانت  مجزرة الشكابة جريمة تاريخيه اراد المستعمر إخفاء اثارها من  وسائل الإعلام العالمي  ليثبت   في عقول الناس نسخته هو  من الاحداث و التي تعد تشويها كاملا  لما حدث. ويبدو ان السبب في ذلك يعود الي ان  الحكومة البريطانية  شعرت بأنها إرتكبت جريمة حرب وارادت تبرير  تصرفها بقتل  الخليفة شريف والابطال  والذين معه  بتلفيق تهمة التمرد علي سلطاتها  امام العالم و تحديدآ في بعض الصحف البريطانية.  

 جاءت تلك المجزرة بعد إنتصار الجيش الغازي على الجيش الوطني السوداني في معركة كرري الشهيرة في 2 سبتمبر 1898م و مقتل الآلاف من اهل السودان في معركة دموية لم يشهد لها التاريخ مثيلا .  لقد شهد العدو على شجاعة رجال كرري الابطال .. فمثلا وصفهم  المراسل الحربي ستيفينز في كتابه  (مع كتشنر الى الخرطوم) " لقد كانوا أكبر وأفضل وأشجع جيش قابلناه على الإطلاق" . و بعدما أدرك خليفة المهدي الخليفة عبدالله إبن تورشين خسارة  جيشه للمعركة  قرر إنتظار الموت بشجاعة لا تقل عن شجاعة جنوده .و قالت  المؤرخة الفرنسية الدكتورة فيفيان ياجي ما لم يقله مؤرخون كثيرون  حين ذكرت :  "وأمام ذلك الوضع المأساوى المتأزم قرر الخليفة ان يلقى ربه...ثم صعد إلى أعلى مكان في الجبل ليكون هدفآ واضحآ للأعداء الذين صوبوا نيرانهم عليه من كل اتجاه" (فيفيان ياجي: رجال حول المهدي, 2000, ص 23).  استمر الخليفة واقفا في مكانه منتظرآ مصيره  حتى اندفع نحوه الأمير عثمان دقنة صارخآ بأن " هذه ليست نهاية كل شيء فلنعد إلى ام درمان" (المصدر السابق) . فأستجاب الخليفة لرأية ورجع ومعه الخلفاء..  الخليفة علي ود حلو والخليفة شريف ود حامد وعدد من الأمراء.

وفي القبة...نصح الشيخ محمد ود البدوي الخليفة  كما استشاره بعض الأمراء في الخروج  من المدينة  ليلحق به الأمراء أحمد فضيل والختيم موسى مع اسلحتهم الكثيرة التي لم يمسها احد  (المصدر السابق, ص 24).  ويبدو ان هذه النصيحه رفعت معنويات الخليفة فقرر جمع ما تبقى من رجاله المخلصين ووعزم علي الانسحاب  في عصر يوم معركة كرري من مدينة أم درمان متجهآ لغرب البلاد لتجميع صفوف المجاهدين من جديد وبعدها الرجوع الى ام درمان لمنازلة العدو في معركة جديدة حاسمة  " وتظهر تلك النوايا للعودة الي امدرمان في خطاب الخليفة بعد معركة كرري للامير احمد فضيل والذي قال فيه  : (ليس القصد من الحضور للجهة المذكورة الا التحيّز عن الأعداء آخذا بالحزم وإلا فليس القصد الا اعادة الكرة علي الأعداء المخذولين ومحاربتهم ان شاء الله تعالي حتي يهلك الكافرين)، خطاب الخليفة لاحمد فضيل ،  (عصمت زلفو: كرري, دار جامعة الخرطوم للنشر, 1973، رقم الصفحة 554 ).  

قبل دخول الجيش الغازي العاصمة أم درمان, وقبل ساعتين بالضبط  كانت الجهات المؤدية الى الجنوب الغربي من المدينة ازدحمت بالمئات من الرجال والنساء والأطفال على رأسهم الخليفة عبدالله  في هجرة جماعية كبيرة {Exodus} للخروج من مدينة أم درمان (عصمت زلفو: كرري, دار جامعة الخرطوم للنشر, 1973, ص 553-555). كان الخروج ينقسم الى مجموعتان كبيرتان; المجموعة الأولى التي كانت تتكون من بعض العوائل والمجاهدين والأمراء والملازمين التي سار على رأسها الخليفة عبدالله (المصدر السابق, ص 553) وهذه المجموعه خرجت في الاول عبر النيل وبعدها عبرت الى كردفان.

أما المجموعة الثانية التي كانت بقيادة الخليفة شريف فقد وصفها السيد عبدالرحمن المهدي عندما قال " لقد خرجنا من أم درمان في عصر يوم الجمعة 2 سبتمبر سيرآ على الاقدام...وكانت مجموعتنا اكثرها من العوائل والعجزة والاطفال وقد كنت أنا وأبناء المهدي الأخرون وعددنا ثمانية في هذه المجموعة أما أخي الصديق فقد كان مع خليفة المهدي" (الإمام عبدالرحمن المهدي: مذكرات الإمام عبدالرحمن المهدي, مركز الدراسات السودانية, 1996, ص 30). ويبدو ان هذه المجموعة تأخرت قليلا بسبب تجميع العوائل. 

من الواضح ان مجموعة الخليفة شريف كانت في إتجاهها  الى لقاء المجموعة الأولى, الا انهم لم يفلحوا  باللحاق بالمجموعة الاولى لكثرة عدد العوائل والنساء وبسبب الجوع والإرهاق. وبعد مشقة الطريق الطويل وصلوا الى منطقة قريبة من تندلتي (المصدر السابق, ص 31).    

 ويبدو ان الخليفة شريف قرر العودة والاستقرار بمنطقة الجزيرة ابا بعدما عانوا  كثيرا من المشقة في طريقهم . وفي اوائل نوفمبر 1898م وهم في طريقهم عبر النيل الابيض بالمراكب تم القبض عليهم بعدد  ضخم من جيش الغزو  تساعده قوة بقيادة عبدالرحيم  ود أبو دقل. قررت الحكومة إرسال  الخليفة شريف وإبني المهدي الفاضل والبشرى والسيدة مقبولة بنت نورين والدة السيد عبدالرحمن الى حلفا لفترة قصيرة. اما اغلبية المجموعة الذين كان  معظمهم من النساء والاطفال فقد ارتحلوا  الى حي عبدالعزيز بالقرب من المسلمية حيث صنعت لهم السيدة عائشة بنت الحاج أحمد شرفي "زوجة الإمام المهدي" رواكيب"  عاشوا   في ظلها  (المصدر السابق, ص 31). 

 

وعند  إطلاق  سراح الخليفة شريف ومن معه من سجن حلفا في اوائل عام 1899م,  سمحت لهم الحكومة  مع بقية العوائل بالإقامة الجبرية فى قرية الشكابة على النيل الازرق التي تقع على بعد عدة كيلومترات جنوب مدينة ود مدني. يبدو ان  سلطات الإحتلال قد قبلت  إقامتهم في الشكابة لمراقبتهم بسبب موقعها  ومجاورتها لمركز الحكومة في سنار, التي كانت تبعد عن الشكابة مسافة 40 ميلآ. وإجتمعت وتقاطرت علي الشكابة  حشود من الأنصار تركت مناطقها لتقيم معهم  من اجل ان تستمد  عقيدتها من جوار الخليفة شريف وأبناء  المهدي, و يبدو هذه الحشود  الهائلة قد  اثارت خوفآ  وهلعا وإزعاجآ عند الحكومة.

وذكر المحلل العسكري الرائد عصمت زلفو انه في اوائل أغسطس 1899م وصل بلاغ كاذبآ بأن الخليفة شريف يعمل  علي تنظيم  ثورة من جديد وان اتباعه يكدسون الاسلحة (عصمت زلفو: كرري, دار جامعة الخرطوم للنشر, 1973, ص 572). وكما ذكر الأستاذ عبدالرحمن الحلو فان الإشاعة لقد تصاعدت حتى ان المخابرات حاولت  خلق بلبلة وسط  اتباع الخليفة شريف بنشر الشائعات التي تثبط الهمم فيهم عن الالتحاق بالخليفة عبدالله لأنها  كانت تعتقد  ان الخليفة شريف سيلحق به رغم خلافاتهم القديمة وسيتحد معه لمحاربة الانجليز  . كما ذكر الاستاذ الحلو   ان الخليفة شريف  اتُهم  بحشد الانصار في عملية سرية للإنضمام للخليفة عبدالله بكردفان (عبدالرحمن الحلو, الخليفة علي ود حلو – صاحب الراية الخضراء, شركة مطابع السودان للعملة, ص 127). و كتب كاتب المخابرات  البريطانية-المصرية اللبناني نعوم شقير بأن الخليفة شريف رجع  الى قراءه راتب الإمام المهدي وشجع الناس  للحاق  بالخليفة عبدالله (نعوم شقير, تاريخ السودان, (ت) أبو سليم, دار الجيل, بيروت, 1981, ص 961) , ويبدو ان الحكومة ارسلت الشيخ صالح جبريل في زيارة الى الشكابة لإخبار الخليفة شريف باتهامات  الحكومة ضدهم , فطلب الخليفة شريف من البشرى إبن المهدي  الذهاب  الى مقر الحكومة بسنار لنفي  الاشاعة ضدهم (الإمام عبدالرحمن المهدي: مذكرات الإمام عبدالرحمن المهدي, مركز الدراسات السودانية, 1996, ص 32).

 اما  الإعلام البريطاني فعلي عكس حديث زلفو والحلو ،فقد  كال الاتهامات ضد الخليفة شريف وابني المهدي وحشود الانصار معهم . و نشرت صحيفة The Northern Echo التي تصدر من  درم البريطانية تقريرا جاء فيها إتهاما للخليفة شريف بمحاولة التمرد على الحكومة في منطقة النيل الأزرق (صحيفة The Northern Echo ,  عدد 31 أغسطس 1899م). وذكرت صحيفة "  The Standard ان الخليفة شريف وابني المهدي اتصلا بعرب قبيلة دغيم و قبيلة كنانة سعيا لتنظيم  حركة مقاومة جديدة ضد  الحكومة" (صحيفة The Standard,  عدد 31 أغسطس 1899م).

وفي يوم 26 أغسطس 1899م اصدر الجنرال سميث مفتش سنار البريطاني أمرا  لإرسال جيش للشكابة،  فتحركت باخرتان  الى الشكابة (نعوم شقير, تاريخ السودان, ص 961). وفي فجر اليوم التالي يوم 27  اغسطس  وصل  جنود الاحتلال البريطاني  لضفاف  قرية الشكابة و قاموا بحصار المنطقة فتم  القبض على الخليفة شريف واثنين من أبناء المهدي هما الفاضل والبشرى. قال السيد عبدالرحمن المهدي انه بينما   استعد أخيه  البشرى للذهاب الى سنار- علي حسب توجيهات الخليفة شريف سابقا - ، في تلك الاثناء عرف  بوصول الجيش الى القرية فقال حينها السيد عبدالرحمن " جاءنا الترك على مثل حالهم يوم الواقعة" اي واقعة كرري. (الإمام عبدالرحمن المهدي: مذكرات الإمام عبدالرحمن المهدي, , ص 32 و 33).

 قام  الجنود البريطانيون  فورا باعتقال الخليفة شريف والفاضل والبشري ، وخلال إعتقالهم حاول الانصار  فك أسرهم  فقاوموا  المعتدين .. ومن بينهم انصاري يسمى بلة الغرقان فقام "برفع فأسه وصاح صيحة المهدية الشهيرة - }}الدين منصور!!!{{" (المصدر السابق, ص 33). تلتها  احداث ادت الى نزاع عنيف  بين الجهتين وحينها اطلق جنود الحكومة نيرانهم على الانصار... فسقط 17 شهيدا . وعقبا  لذلك قررت الحكومة تشكيل مجلس عسكري فوري لإعدام الخليفة شريف وابني الإمام المهدي فكانوا مرحبين بالموت  وثبتوا ثباتا عجيبا  وقالوا بصوت واحد  "إنا للموت صابرون" فأعدموا رميآ بالرصاص تحت ظل شجرة الجميزة....قال السيد عبدالرحمن يصف ما فعله الانجليز  بأجساد الخليفة شريف والفاضل والبشري بعد إعدامهم "فإن اجسادهم قد اثقلت بالحجارة وقذفت بها في نهر النيل....لعل الحكام ارادوا الا  تكون لهم قبور تزار..." (المصدر السابق, ص 33).

وفي ظل هذا  المشهد المرعب والمأساوي  والبطولي في نفس الوقت ..خرجت السيدة الشجاعة مقبولة بنت نورين وبدأت تصيح بالجنود بأعلى صوت وقال قولتها المشهورة: "لقد قتلتم اخوانه!!... هذا ود المهدي فأقتلوه مع اخوانه!!". فقام بعدها احد الجنود بالصدمة  باطلاق النار  على إبنها الصبي عبدالرحمن الذي لم يبلغ في ذلك الوقت اكثر من 14 سنة. (أوراق الشيخ عبدالرحمن بن حسين الجبري: الصوارم الهندية والمناشير المهدية, دار الوثائق القومية). ذكر السيد عبدالرحمن انه أصيب إصابه خطيرة إخترقت كتفه الأيسر وكان ينزف بين الجرحى الا ان  قوات الحكومة رفضت إرساله مع الجرحى الى سنار لتلقى العلاج خوفا  من ان يحملهم رؤسائهم  مسئولية جرح ومحاولة قتل طفل صغير .  ويتفق هذه الكلام مع ما قاله  البروفيسور موسي عبدالله حامد في كتابه ( استقلال استقلال السودان .. بين الواقعية والرومانسية)  عندما قال : " قُتل الخليفة شريف و الفاضل والبشري ابني الامام  المهدي واصاب رصاصهم - اي الانجليز - ابن المهدي الصغير عبدالرحمن (وكان عمره أربعة عشر عاما) بجرح خطير حتي طالب  هو  بنفسه قائد الحملة - كما طالبت والدته ايضا ان يُقتل كما قتل ذووه . غير ان الله حفظه وابقاه ليكون لهم عدوا وحزنا ويرفع بأسلوب مغاير ذات الشعار الذي رفعه والده ويبلغ مآربه في استقلال البلاد  بعد مسيرة مضنية وجهاد  مدني دؤوب " .. ( ب. موسي عبدالله حامد : استقلال السودان بين الواقعية والرومانسية: مطابع العملة ، الخرطوم ,2005 ، ص 30) .  و هذا كله يؤكد ان الحكومة لم تتوقع  بأن عبدالرحمن سوف ينجو من الموت  ويبقي حيّا رغم الإصابة التي تحملها في صبر  وذهب  بعدها الى جزيرة الفيل واقام بها  لبعض السنوات .

و ذكرت صحيفة The Western Times ان الحكومة اسرت  55 من الأسرى; يبدو ان  من ضمن هؤلاء  الأسرى  من بقي على قيد الحياة من أبناء الإمام المهدي (عبدالله, الطاهر, نصر الدين, وعلي)فاخذوا جميعهم الى سجن رشيد بشمال مصر على البحر المتوسط (صحيفة The Western Times ,  عدد 31 أغسطس 1899م).

وإمتنعت الصحف البريطانية عن نشر تفاصيل هذه الحادثة بكل  أحداثها.   ولعل الحكومة إعتزمت علي محو اي اثر لتلك  الحادثة من عقل وضمير  شعبنا سعيا منها لطمس سيرة هؤلاء الابطال .  وقد انتقد المؤرخ البريطاني ثيوبولد  هذا التصرف  ووصفه بانه " كان حدثآ متعجلآ ومفتقرا للحكمة بإعتبار ان الخليفة شريف لم يكن يشكل تهديدآ وقد  استسلم للحكومة التي سمحت له بالإقامة في الشكابة.  لقد  كانت عملية إعدامه السريعة متنافية تمامآ مع السياسة التي حاولت الحكومة الجديدة ان تتمثلها. وأن احداث الشكابة  لن ينساها او يقرها السودانيون للإدارة البريطانية...تلك الأحداث التي ستظل في نظرهم كبقعة سوداء وإجرامية في سجل اداء الحكومة الجديدة" .

(  255 ص A.B. Theobald, The Mahdiya 1881-1899, Longmans, 1965,).

هكذا كانت النهاية الشجاعة لقريب الإمام المهدي الخليفة شريف بعد ان قاتل الانجليز قتال الابطال  علي طول حياته فقد كان المسئول الاول عن عملية حصار  وفتح الخرطوم وقيل انه هو الذي قتل هكس في موقعة شيكان . واستشهد   وعمره 34 سنة  قضي معظمها  يحارب الاستعمار  التركي والإنجليزي ومعه ابني المهدي الفرسان الفاضل والبشري وكانت اخر  كلمة قالوها " انا للموت صابرون " . لقد استشهد الخليفة عبدالله إبن تورشين خليفة المهدي بعد ثلاث اشهر من حادثة الشكابة, حيث كان  متجها لإستعادة  أم درمان وقتل على الفروة وحوله أصحابه  الخليفة علي ود حلو و أحمد فضيل  والصديق ابن المهدي وعدد من الأمراء في معركة أم دبيكرات في 24 نوفمبر 1899م التي تقع  جنوب غرب مدينة كوستي بمنطقة النيل الابيض .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.