يستحيل القضاء على الفكر المتطرف والأرهابي ما لم نثبت على وجه اليقين أن فهمهم لنصوص الجهاد فهم خاطيء ولا علاقة له بمنهج القرآن جميع مفكري ومنظري وإئمه وقادة الفكر المتطرف والإرهاب يزعمون إن فكرهم هو تطبيق لآيات قرانية أو أحاديث نبوية قطعية السند والدلالة ، فآخر ما نزل من القرآن حول القتال ورد في سورة براءه حيث تبرأ الله من المشركين (إن الله بريء من المشركين ورسوله) براءه (6) .  ولهذا جاء التكليف القاطع الدلاله (فإذا أنسلخ الأشهرالحرم فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابو وأقاموا الصلاه وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) براءه (5)     أما الذين أوتوا الكتاب فإن الحكم فيهم أن(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزيه عن يد وهم صاغرون ) براءه (29)      وجاء حديث المصطفي قاطعا (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ويقيموا الصلاه ويوتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) .   والقرآن مليء بالآيات التي تحض على الجهاد كقوله(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله) البقره(193) وفي إطار أحكام الجهاد فإن القرآن يرفض تعايش الكفر مع الإيمان ، فهو يقول (يايها الذين امنوا لا تتخذوا اباءكم وإخوانكم اولياء إن إستحبوا الكفر على الإيمان) براءه(23) كما أنه يرفض قبول الآخر بمعيار الدين  (يا ايها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصاري اولياء بعضهم اولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم) المائدة (51)    وبالنسبة لمن يدعون أنهم مسلمون فإن قتالهم فريضة إذا لم يحكموا بما أنزل الله(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) المائدة (44)(.... فاولئك هم الظالمون) المائدة (45)(... فاولئك هم الفاسقون) المائدة (47)  وأحكام الجهاد في الإسلام قطعية السند والدلالة إذ بصفه عامه يجب قتل المقاتله – الرجال الذين في سن القتال – وسبي النساء والذرية أي إتخاذهم أرقاء ، وغنائم الجهاد محكومه بنصوص قطعية السند والدلالة (فاعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول) الأنفال (41) والقرآن يمن على المسلمين إن مكنهم من أن (فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم واموالهم وارضا  لم تطووها وكان الله على كل شيء قديرا) الأحزاب (26) .      ويجدر أن اكرر إن هذه الفرق المتطرفه تري أن قتل أفراد وضباط الجيوش الإسلامية ورجال الآمن والشرطة هو تكليف قرآني لانهم يحمون الذين يرفضون الحكم بما أنزل الله ، وكذلك قتل المسلمين الذين يرفضون الحكم بما أنزل الله فهم جميعا كفار حسب نص الآية ، كما أنهم يرون أن أرهاب اعداء الله أمر قرآني سواء كانوا من المسلمين الرافضين لحكم الله أو من الكفار .     فنتساءل هل حقيقة القرآن يامر بتطبيق هذه النصوص في كل زمان ومكان ؟     كل فرق التطرف بنت فكرها على قاعدة راسخه في علم أصول الفقه تقول بأن معيار تطبيق النص هو وروده بسند قطعي ودلاله قطعية ، ومتى ثبتت هذه القطعية يصير النص صالحا بل وواجب التطبيق في كل زمان ومكان ومن يرفض تطبيقه يكون كافراً وفاسقاً وظالماً .    ويلاحظ أن المنطق المعروض منطق مقنع ولا يستطيع أي شخص متعلم أن يدحضه ومن ثم لا يستطيع أن يرفضه بل ويري أن عقيدته تلزمه بأن يعمل به إن كان يرجو رحمة ربه ورضوانه ودخول جنته . أنه امر مدهش أن نكتشف إن القرآن لم يقل بهذه القاعدة ولا علاقة لصراحة آياته بهذه المقوله ، فهي قاعدة أخذها الفقهاء من فقه اللغة ولا علاقة لها بالفكر القرآني .      هذا المقال لا يحتمل بيان كيف ومن اين ولماذا صاغ فقاء اللغة هذه القاعدة ، ومن يبتغي التفاصيل عليه بكتابي (مساهمة في حل ازمة العقل العربي المسلم أصول بديلة للفقة وللفكر)

التكليف في القرآن

     التكاليف في القرآن هي الأوامر أو النواهي التي يأمر بها رب العباد ، والقرآن يعد من ينفذها بدخول الجنه ومن يرفض تنفيذها فبئس المصير .      لم ترد ولا آيه واحدة في القرآن أو في أي حديث صحيح أن المسلم ملزم بتنفيذ التكليف متى ثبتت صحته بسند قطعي ودلالة قطعية وإنما رهن تنفيذ التكليف بوسع الناس ، فرب العباد لم يكلف المسلمين إلا بمقدار وسعهم ، وآيات الوسع في القرآن آيات قطعية السند والدلالة ولكن المتطرفين يرفضون أن يؤمنوا  بهذا الجزء من الكتاب .  

معيار تطبيق النص القرآني هو وسع الإنسان وليس وروده بسند قطعي ودلالة قطعية

     حكم الوسع في القرآن لم يات في آيه واحدة منفرده أو جاءت بمناسبة خاصة بل ورد في آيات عديدة وبصيغ مختلفة منها صيغة(لا نكلف نفسا إلا وسعها) (الأنعام 125 ، الأعرف 42، المؤمنون 63 )    ويلاحظ أن المتحدث في هذه الآيات هو رب العباد ، وقد وردت الآية بصيغة (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) البقرة 286 .   ويجدر بي هنا أن اورد ما قاله ابن كثير في ج 1 ص 608 أنه عندما نزلت الآية قبل الأخيرة من سورة البقرة حدث حسب حديث جابر (أن جبريل قال لرسول الله إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى امتك فسل تعطه ) فسال رسول الله أن يعطي(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ..... ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا ... ربنا ولا تحملنا مالا طاقه لنا به )     تصوروا أن الرسول الكريم من بين كل ما يمكن أن يطلبه نبي من ربه أنه إختار أن يطلب إن لا يكلف الله امته إلا بقدر طاقتها ، والمؤكد أن الرسول الكريم كان يتحدث عن طاقة المسلمين في القرن السابع الميلادي ، ويطلب من الله إلا يكـــــلفهم إلا بقـــدر وســـــــعهم في الــــــزمن الذي كان يوجـــد فيه الـــنبي ، والواضح الجلي أن الله إستجاب لدعاء نبيه ولم يكلف المسلمين إلا بمقدار وسعهم في القرن السابع الميلادي  

ما هو الوسع في القرآن وما هي احكامه

قلنا أن التكاليف هي أوامر الهيه بأن يفعل المسلم أو لا يفعل ، والأمر بالفعل له درجات في الوجوب ، وكذلك الأمر بالنهي ، والمسلم مكلف بتنفيذ الأمر الألهي بقدر وسعه ، ويقصد بالوسع في القرآن القدره أو الطاقة التي تمكن المسلم بأن يفعل  أو لا يفعل سواء كانت قدرته العقلية أو الجسدية أو الإجتماعية أو الإقتصادية أو الحضارية أو الإنسانية بصفه عامه .

  وُسعُ مَنْ هو المقصود في القرآن

      القرآن شديد الوضوح في أنه كان يخاطب وسع العرب في القرن السابع الميلادي (وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر) الحج (27) هل يتصور الآن أي مسلم أن يذهب إلى الحج على ناقته أو ماشيا على رجليه ، بينما في زمن نزول القرآن من الله على المسلمين أن اعطاهم) (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه...)النحل (8) كما من عليهم بــــــان (جعل لكم من جلود الإنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ) النحل (8) ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس أن ربكم لرءوف رحيم ) النحل (7) (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) ونجد في سوره المؤمنون وهي مكيه ونزلت قبل تشريع الجهاد وأحكامه (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين ) المؤمنون (5، 6 ) وفي مؤسسة الزواج (فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم) النساء (3) (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ) النور (32) وفي عقوبات الشريعة وردت أحكام قطعية السند والدلالة وهي بمنطق السلفيين صالحة لكل زمان ومكان (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبه  مؤمنه ) النساء (92) .    لقد قلنا ونكرر بأن التكاليف كلها جاءت بقدر وسع المخاطبين بها في القرن السابع الميلادي ولهذا كان طبيعيا وإنسانياً وحضارياً وإجتماعياً أن يقرر القرآن أن من أرتكب جريمة القتل الخطأ وهو مؤمن لكنه ينتمي إلى ارض العدو – دار الحرب – فإن العقوبة الوحيدة التي يعاقب بها هي (فتحرير رقبة مؤمنة) النساء (92).    ثم تاتي التكاليف متواتره (الحر بالحر والعبد بالعبد )البقره (178) (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) النساء(25)   (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبه ) المجادلة (3) .    وتاتي امثله دامغه لتؤكد أن التكاليف جاءت بمقدار قامه وسع عرب الجاهلية سواء وسعهم العقلي أو الإجتماعي أو الحضاري أو الإقتصادي ، فكل أحكام الجهاد وغنائمه وارقائه وأحكام المرأة وأحكام البيوع جاءت تعبر عن وسع ذلك الزمان وسنشير إلى بعضها بتفصيل فيما بعد .     ونتساءل هل كان يمكن للقرآن أن يخاطب عرب الجاهلية حسب وسع إنسان القرن الحادي والعشرين حيث صار الغزو مهما كان هدفه جريمة ضد الإنسانية ، والإسترقاق جريمة عقوبتها الإعدام ، ويستحيل أن تشن حرباً نوويه لانها ستفني البشر مهما كان هدفها .

الوسع هو خصوصية السبب

   فقهاء الشريعة الذين كانوا يعملون مع فقهاء اللغة جنبا إلى جنب وأحيانا يكون الفقيه اللغوي هو نفسه من فقهاء الشريعة نقلوا قاعدة لغوية  أخرى إلى فقه الشريعة بينماهي قاعدة نبعت وتبــلورت من فقه اللغه ، فاللغه في أصلها اصوات عشوائية ومثالها أن يرى الإنسان حيوانا ما فيطلق صيحه (اسد) وتتواتر الصيحه كلما ظهر ذلك الحيوان فتعتمد جماعه هذا الإنسان صيحه أسد لتعني الحيوان المعين ، وتصبح الكلمة جزءا من لغة الجماعة بغض النــــــظر عن الســـبب الذي دفع الإنســان الذي شاهد الأســد لاول مره أن يطلق تلك الصيحه ، فلعله كان يحاكي صوت هدير المياه أو صوت طائر أو عاصفه أو صوت حجر حطه السيل من عل ألخ .... فهذا كله لا يهم إذ المهم الصوت صار يعني الاسد ولا عبر بخصوصية السبب الذي دفع الإنسان لإختيار ذلك الصوت ، ومن هنا جاءت القاعدة الشرعية بأن العبره بعمومية اللفظ لا بخصوصية السبب ، بينما في الفكر العكس هو الصحيح لان خصوصية السبب هي التي تقود الإنسان إلى إختيار الحل الذي يقترحه ، والخصوصية هنا تنبع من وسع الإنسان ، فإذا كانت أمامنا جريمة سرقه أرادت الجماعة وضع عقوبه لها والجماعة كانت قبائل مترحله لا وسع لديها بحفظ الســـــارق أو إطعامه أو حراسته فإن أقــــــرب ما يخطر على بــــــالها هو تطبيق قـــــــــاعدة الممـــــاثلة بأن تقطع اليد التي امـــتدت للســـــرقه وتنتهي الــــعقوبة بتوقيعها ، فعرب الجاهلية لم تكن لديهم سجون إذ لا يمكن أن يكون للرحل سجون ، وفي المدن البدائية لم تكن هناك إمكانية لاقامه سجون وإطعام السجناء وحراستهم ألخ ....رغم إن مؤسسة السجون كانت معروفه لديهم وذكرت في القرآن ولكن لم يكن في وسعهم تبنيها ومن هنا جاءت خصوصية السبب الذي أدى إلى إختيار عقوبة قطع اليد للسارق ، ومن هنا فإن منطق الفكر يستوجب تجاهل عمومية اللفظ أن أقطعوا يد السارق لان الله كلفهم بالقطع لانه يعبر عن وسع مجتمعهم الوسع الحضاري والإجتماعي والإقتصادي والإنساني .

تغير الوُسع يستوجب تغيير التكليف

لا يحتاج إلى بيان  أن وسع الإنسان على هذه الأرض ظل يتغير بإستمرار ، والقرآن لم يتجاهل هذه الظاهره بل كرر في آياته العديدة أنه كلما تغير الوسع وجب تغيير التكليف حتى يكون التكليف الجديد مطابقا لقامة الوسع الجديد لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ففي القرآن أن الطفل غير مكلف ، فإذا بلغ سن الرشد يصير مكلفاً، وليس على الضعفاء والمرضى تكليف فإذا قوى الضعيف وشفي الـــمريض صـــار مكلفاً ، والمجنون غير مكلف فإذا أفاق يصير مكلفاً فإذا عاد اليه جنونه يسقط عنه التكليف ، والذي لا يملك نصاب الزكاة غير مكلف بإخراج الزكاة فإذا إمتلك النصاب يصير مكلفاً ، وإذا فقد النصاب يسقط عنه التكليف .     إذن التكليف مرتبط بالوسع وجودا وعدماً وقامه ، والأمر مقبول عند السلفيين عندما يكون الحديث عن الوسع في تكليف إخراج الزكاه ، أما إذا تحول الحديث إلى الوسع في تكليف الجهاد أو الأحكام المتعلقة بالمرأة فإن كل واحد منهم ينقلب وجهه مسوداً وهو كظيم .      والتكاليف التي لم تعد في وسع الإنسان كثيره خاصة تلك المرتبطة بغنائم الجهاد بالسيف وبالرق وبالمرأة فالقرآن يقول (ومن لم يستطيع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم من فتيانكم المؤمنات) .     الآن لم يعد ممكنا أن يحصل الرجل على جاريه يشتريها من سوق الرقيق ويعاشرها كأمر أحله الله ، فقد تغير وسع المجتمع الإنساني كله وصار استرقاق  الإنسان ابشع الجرائم الإنسانية ، ولهذا وبلغه الفقهاء نقول بأن الله سبحانه نسخ هذا التكليف ، لانه لم يعد في وسع الناس ، ذلك أن الله (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) الرعد(39) و(إن الله يفعل ما يريد) الحج (14) فعقيدة المسلم تمنعه من أن يدعى أن الأمر تبدل رغم ارادة الله ، ولهذا فما حدث قد حدث باراده الله ، وهو امر متسق تماماً مع امر الله بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها . أولاً: الجهاد بالسيف يعبر عن وسع مسلمي القرن السابع الميلادي، ففي ذلك القرن كانت الجماعات البشرية تتكون من قبائل، وكان وسعها  العقلي والحضاري والإجتماعي والإقتصادي والإنساني يجعل غزو  أي قبيله لإخرى عملاًب طولياً تفخز به القبيله المنتصره حيث تكون قد قتلت المقاتلة – الرجال في سن القتال- وأخذت النساء والأطفال سبايا ونهبت  كل أنواع  أموال المهزوم ، ويبدأ الشعراء في تدبيج المدائح العظيمة في قبيلتهم المنتصره ، فقد كان الغزو أمراً ليس مشروعاً فقط بل هو أشرف وأشجع وأنبل عمل تقوم به القبيلة كبطولات تعبر عن أقصى ما في وسعهم العقلي والإجتماعي والإقتصادي والحضاري .    وأهم ما في الغزو هو غنائمه ، فقد كان الغزو من أهم مصادر الثروه حيث يستولى المنتصر على كل أنواع أموال  المهزوم وأهمها النساء والأطفال الذين يضرب عليهم الرق .    ويكون للمهزوم أن يستخدمهم كأرقاء أو يبيعهم في أسواق الرقيق .    وقبائل العرب كانت قبائل لا تعرف القراءه أو الكتابة ولا تفهم ما يعرف الآن بالتبشير السلمي بالعقائد والأديان ، فمن يخرج عن دين أبائه يعد صابئا وعقوبته الموت إلا إذا حمته قبيلته من القتل وإن درجت ألا تحميه من الأهانات والتعدي لانها هي نفسها تؤمن بخطأ الداعية الجديد ، ولهذا لم ينجح أي داعيه من دعاه الحنيفيه أن ينشر دعواه لأنهم كانوا دعاه تبشير سلمي لعقائدهم ، وهكذا بدأت دعوه الإسلام فأنظروا إلى نتيجة حوالى عشر سنوات من التبشير السلمي في مكه ؟ بضع رجال ونساء من المستضعفين والأرقاء وقليل من الرجال الأحرار الذين كانوا يعتمدون  على حماية عشائرهم من أن يقتلوا أو يعذبوا وكان من بينهم النبي الكريم  نفسه .    أنظر إلى العشر سنوات الثانية في المدينة حيث شهر السيف وإنطلقت الغزوات أو المغازي التي ما كان يمكن أن تسمى بقوافل التبشير ؟! هي غزوات تتطابق في أحكامها مع غزوات قبائل العرب اللهم إلا أنه أضيف إلى أهدافها دعوه المراد غزوه إلى الإسلام فإن رفض يهجمون عليه ويهزمونه ويقتلون المقاتله ويسبون النساء والإطفال  والأموال وكل الثروات الآخرى غنيمة للمسلمين ، أليس هذا هو وسع ذلك المجتمع؟! ( فريقا تقتلون وتأسرون فريقا واورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وارضا لم تطوؤها وكان الله على كل شيء قديراً)الأحزاب (26،27 ) .     وفي ظل هذه الأحـــــــكام تـاتي عقيدة الــــــولاء والبراء متسقه ومنسجمه مع وتعبر عن وســــع المجاهدين ، فإذا كان المجاهد مامورا بأن يقتل الكافر الذي يرفض الدخول في الإسلام  فهل يمكن أن يقال له تعامل معه كإنسان مثلك حتى لو كان من الاباء والاشقاء لان الرابطة هنا هي رابطة الإسلام وليس الدم أو الوطن أو الأخوه الإنسانية .   هل كان يمكن فعل أي أمر آخر ، أتذكرون المسيحية التي ظلت سنوات طويلة حبيسه اكـواخ الفقراء والصيادين ، ولحظة أن أمن بها قيصر الروم وشهر سيفه وأعمله في رقاب الرافضين الإيمان بالمسيحية فإذا  بالناس يدخلون في دين الله أفواجا ، لقد كان البشر يعيشون في الزمن الذي كان فيه  الناس على دين ملوكهم  وإلا أعمل السيف في رقابهم، فقد كان الدين هو معيار التعامل بين البشر .     ونتساءل هل في وسع المسلمين الآن وسعهم الحضاري والعلمي والإقتصادي والحربي أن نشن حروبا ضد الكفار الذين يرفضون الدخول في الإسلام ، أليس ذلك ســـيؤدي إلى إبــادة المسلمين باســــلحة الــدمــــــار الشــــــامل ، وهل في الوسع العقلي والحضاري لقرن مواثيق حقوق الإنسان أن يقبل الإنسان في كل أرجاء الكره الأرضية قتل من بدل دينه والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول لكل شخص أن يعتنق الدين الذي يختاره ومن حقه أن يبدل دينه .    إذن، قد تغير وسع إنسان القرن الحادى والعشرين الآمر الذي يستوجب بلورت أحكام تتسق وتعبر عن الوسع الجديد لأن الله سبحانه نسخ الأحكام السابقة التي جاءت تعبر عن وسع إنسان القرن السابع الميلادي. ثانيا: كل التكاليف المرتبطة بمؤسسة الرق جاءت تعبر عن وسع ذلك المجتمع ، وهذا المقال لا يطيق الأسهاب في هذا الأمر ، ومن يريد التفاصيل فليقرأ كتابي مساهمة في حل أزمة العقل العربي المسلم . ثالثاً: كل العقوبات التي وردت في الشريعة من جلد وقطع وقطع من خلاف ، وصلب مع القتل ورجم بالحجارة جاءت تعبر بدقه متناهية عن وسع المخاطبين بهذه العقوبات ، وسعهم العقلي والإجتماعي والحضاري والإنساني . رابعاً: كل التكاليف المرتبطة بالمرأه جاءت تعبر عن وسع المرأه في مجتمع القرن السابع الميلادي في جزيرة العرب .  

كيف نتعرف على التكليف الجديد الذي حل محل التكليف المنسوخ

   بطبيعة هذا المقال فإنه لا يحتمل ذكر أو بيان لماذا نسخ رب العباد كل التكاليف التي لم تعد في وسع المسلمين فقد قلنا بأن الله يـفعل ما يشاء وقتما يشاء ، فإذا كلف الله البشر في زمن ما بقدر وسعهم ثم تطور وسعهم ولم يعد يتسق أو يتلاءم مع التكليف فإن الله سبحانه وتطبيقا لذات نص الـوسع يقوم بنسخ التكليف السابق ، في العهود التي كانت فيها البشرية قاصرة وعقولها محدودة كانت السماء ترسل الإنبياء لهداية البشر وتعريفهم بالفروقات بين الحق والباطل ، وعند وصول البشرية إلى القرن السابع  الميلادي ارسلت السماء آخر الإنبياء ، ونتساءل لماذا اعلنت السماء أن محمداً هو آخر الإنبياء ؟ لآن القرن السابع الميلادي كان بداية النضج العقلي للانسان ، ومن ثم كان واضحا أن البشـــرية بدأت تعمل عقلها ، وأن بامكانها بعد هذا القرن أن تتوصل إلى معرفة الله ومعرفة الحق من الباطل بإستخدام عقلها ، ومن هنا كان القرآن أكثر الكتب السماوية أو الأرضية حضا للناس على إستخدام عقولهم وذمهم وتوبيخهم إذا لم يستخدموا عقولهم إذ يكونوا كالأنعام بل أضل !!     الآن وقد سقطت كل التكاليف المتعلقة بشئون الدنيا التي لم تعد في وسع الناس، فإن على البشر أن يعملوا عقولهم لإستنباط التكاليف التي تتسق وتعبر عن وسعهم الجديد .     والمؤسف إنه من الـمستحيل ان يستوعب العقل المبرمج بمنهج علم أصول الفقة مناهج البـحث العلمي الحديثة ، ولا أن ينتج أفكاراً جديدة يمكن أن تسهم في حل مشكلات المسلمين ، وقد آن الآوان لمن يقولون بصلاحية النصوص لكل زمان ومكان أن يتعلموا وأن يستخدموا منهج القرآن في التعامل مع النصوص .       إن تقرير القرآن بأن التكاليف تاتي بقدر وسع المكلفين تدفع الباحث لإتباع مناهج البحث العلمي الحديثة في معرفة حقيقة وسع المجتمع الذي خاطبه النص لمعرفة لماذا جاء النص هكذا فالعبره بخصوصية السبب الذي يكشف لنا الوسع الذي خاطبه النص ، ولهذا إذا أردنا أن نستعين بالنصوص السابقة لمعالجة قضايا السودان الحالية فعلينا دراسة المجتمع السوداني وتحديد وسعه الإجتماعي والإقتصادي والثقافي للتقرير عما إذا كانت أحكام القرن السابع الميلادي في جزيرة العرب تعبر عن وسع المجتمع السوداني في القرن الحادي والعشرين .        في قناعتي أن على علماء المسلمين أن يتخلصوا فوراً من علم أصول الفقة وإلا فإنهم لن يستطيعوا أن يقدموا أي حلول لمجتمعاتهم في هذا الزمان .     لقد طورت البشرية حلولاً كثيره ومتنوعه وبلورت تكاليف جديدة تعبر عن الوسع الجديد للانسان ، ولعل من أهمها التكاليف التي وردت في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وعلى فقهاء المسلمين أن يفهموا بل هم ملزمون بأن يؤمنوا إن كانوا حقا من المسلمين بأن ليس هناك شيء يتم رغم الإراده الآلهيه أو بالتعارض مع مشيئه الله، ولهذا فإن ما صاغه العقل البشري في هذا الزمان من مواثيق لحقوق الإنسان، هو أمر متسق بل ويعبر عن إراده الله وقضائه وعليهم أن ينصاعوا لهذه الإراده إن كانوا مسلمين . ***     ///////////////////