عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

              ببساطة لا تتوفر حالياً أىّ حلول عاجلة لإستقرار ثابت ومستمر للإمداد الكهربائى بالسودان فى المدى القريب (أى الثلاثة سنوات المقبلة على الأقل) وكل ما يمكن أن تقوم بها الحكومة فى المرحلة الحاليّة ممثلة فى وزارة الكهرباء سوف لن تتعدى تدابير مؤقتة تبذل خلالها أقصى جهد ممكن لخدمة القطاع تحت ظروف ضاغطة لا تساعد مطلقاً فى إنجاز أىّ عمل أو تنفيذ مشاريع فى مستوى التحدى الماثل اليوم فى طول البلاد وعرضه، وستعتمد أىّ خطط أو جهود ممكنة على محاولة التعايش فقط مع الواقع مع ضغوط تفاقم القطوعات المتكررة للخدمة ومحاولات ترشيدها أو برمجتها وفقاً لما هو متاح من التوليد ومستوى الإستهلاكبينما تظل المشكلة عالقة بصورة مضطردة نتيجة لتصاعد الطلب مع محدوديّة العرض، أى التوليد، والسبب الأساسى فى ذلك يتمثل فى عدم توفر مواعين كافيّة لتوليد الكهرباء بالبلاد، فدولة السودان رغم مساحتهاالشاسعة لا تتمتع بمصادر طاقويّة تقليديّة يمكن إستغلالها لتوليد الكهرباء بكميّات كبيرة وتجاريّة تتناسب مع إرتفاع الطلب بجانب تبعثر السكان ومناطق الإستهلاك فى مناطق متباعدة الأمر الذى يستلزم مد خطوط إمداد طويلة ومكلفة لنقل وتوزيع الكهرباء مثال ذلك المسافات البعيدة بين سدى مروى والدمازين وبقية مناطق الإستهلاك فى وسط البلاد وشرقه أو مقترح المشروع الحالى لربط دارفور بالشبكة القوميّة عبر كردفان وما يكتنف ذلك من غموض وتحد.   إنّ المدخل الناجز لحل معضلة الكهرباء فى السودان يتمثل فى إنشاء محطات توليد عملاقة وخطوط إمدادطويلة بجانب تحديث شبكات التوزيع لتقليل فواقد توزيع الكهرباء والتى تتجاوز نسبة 25% من إجمالى حجم التوزيع مقابل 10% المقبول بها عالمياً لكن كل ذلك سيصطدم أولاً بعدم توفر الوقود المطلوب لتشغيل الماكينات سواء أكان ذلك الوقود الأحفورى أو الهيدرومائى بجانب أنّ التمويلات الضخمة الضروريّة لتنفيذ هذه المشاريع معدومة وستشكل عائقاً صعباً وهى مبالغ فلكيّة لا تتوفر لخزينة البلاد فى الوقت الحالى أو حتى من مصادر خارجيّة فى المدى المنظور.   ونسبة لخطورة هذه القضيّة وما قد تسببها من أضرار إقتصاديّة وإجتماعيّة وسياسيّة خانقة فقد كان من الأجدى للحكومة أن تكون صريحة مع الشعب والقطاعات الإقتصاديّة وتضع أمامها الحقائق بوضوح وتجرد مفادها أنّ البلاد لا تملك مواعين كافيّة لتوليد الكهرباء بنسب تعادل مستوى الطلب وأنّ الحل الوحيد يتمثل فى إنشاء مولدات جديدة وضخمة لكن لا تتوفر الإمكانات الماليّة اللازمة لذلك فى الوقت الحاضر، ثمّ توضح إستراتيجيّتها ومقترحاتها لتجاوز الأزمة بأعجل ما تيسر حسب إمكاناتها عبر خارطة طريق فى المديات القريبة والوسيطة والبعيدة إذ لا توجد حلول ممكنة وناجزة حاليّاً  يمكن تحقيقها على أيّة حال، ثمّ إنّ زيادة أسعار الكهرباء ليست هى المشكلة بل هى عرض من أعراض عدم توفر التوليد الكافى.   أذكر أنّنى فى عام 1992 حللت ضيفاً على الهيئة القوميّة للكهرباء فى رئاستها بالخرطوم لجمع معلومات وبيانات عن أوضاع الكهرباء والطاقة بالسودان توطئة لإكمال بحث فى درجة الدكتوراة عن مستقبل صناعة الكهرباء فى الدول الناميّة ـ السودان نموذجاً، وبعد إكمال مهمتى تحدثت مع المرحوم الدكتور محمود محمد شريف المدير العام للهيئة ورئيس مجلس الإدارة متسائلاً عن ملاحظة إكتشفتها خلال تحليل مبدئى للبيانات التى جمعتها تشير إلى أنّ مصادر الطاقة التقليديّة المتاحة بالبلاد لتوليد الكهرباء لا تكفى لتوليد مقادير كافيّة لمقابلة الطلب المتنامى من كل القطاعات السكنيّة والإقتصاديّة فى المديين المتوسط والبعيد (1995-2025) ولم يكن البترول قد تمّ إستخراجه بعد لكنّى ضمنته فى صلب التحليل بجانب كميّات الغاز المكتشفآنذاك بساحل البحر الأحمر وسألته عن ما هو الحل؟ فردّ علىّ رحمه الله بكلمة واحدة (Nuclear) أى الطاقة النوويّة،، إنّ الشاهد فى هذه المسألة هو إعتراف صريح من أعلى وظيفة بالهيئة بعدم كفايّة المتوفر من الطاقات التقليديّة بالبلاد لتوليد الكهرباء مقارنة بمساحتها رغم تمتعها بشبكة من الأنهار لكن أراضيهاالمنبسطة لا توفر شلالات طبيعيّة تعين على تدفق المياه بقوة  كافيّة ومن ثمّ إتجهت الجهود لإنشاء سدود عاليّة لحجز المياه وتخزينها لإدارة المولدات بجانب الرى وهى عمليّة مكلفة وتصاحبها مشاكل الإطماء بجانب تذبذب مستوى الأنهار أثناء التشغيل، وإضافة لكل ذلك فإنّ نهر النيل قد شاخ لقلة مياهه مقارنة بأنهار أخرى فى القارة الأفريقيّة مثل نهرى الكونغو والزامبيزى بجانب بعض الحساسيّات السياسيّة التى مثلت عائقاً للإستخدام الأمثل لمياهه فى توليد الكهرباء.   أما الوقود الأحفورى (البترول والغاز والفحم) فليست متوفرة بكميّات كبيرة بالبلاد وهى وقود ناضبة لا تتوفر فيها عنصر التنميّة المستدامة والتى صارت من المطلوبات الأساسية لتخطيط مشاريع الطاقة بفعل متطلبات حمايّة المناخ والتقليل من إنبعاث الغازات بل ونشهد اليوم تناقصاً مستمراً فى مستوى إنتاج النفط بالبلادفقد أشار بعض المراقبين إلى أنّ الكميّة المنتجة حالياً لا تكفي حتى للإستهلاك المحلي بعد خصم نصيب المستثمرين، وإنّ الاستهلاك المحلي يحتاج فى أقلّه إلى 90 ألف برميل يومياً (80 ألف برميل لمصفاة الجيلي و10 آلاف برميل لمصفاة الأبيض).. وأنّ هناك حاجة ملحة لشراء 26 ألف برميل يومياً من الشركات المستثمرة بالسودان بل إنّ الحكومة لم تتمكن من تأمين وقود البترول الخام لتشغيل محطتى الدباكر والفولة الجديدتينقوة كل منها 450 ميغاواط فتوقف العمل فى تدشينهما،، هذا يدل على أنّ البلاد قد تحول من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة وهذا الوضع كان سوف يحدث حتى ولو لم ينفصل الجنوب بتوقع نضوب إنتاج النفط هناك خلال عقدين من الزمان حسب بعض التقديرات،، إضافة إلى ذلك فإنّ الإحتياطى المقدّر بالبلادمن الغاز يتراوح فى حدود 3 ترليون قدم مكعب حسب تقديرات جرت قبل عقدين من الزمان وهذا مقدار ضئيل إذ لا يمكن تقنياً ضخ أكثر من ثلث هذا الإحتياطى وإلا سوف لن يكون إقتصادياً ولذلك أحجمت شركة توتال الفرنسيّة المضى قدماً فى إستخراج ذلك الغاز لقلة مردوده الفعلى والإقتصادى، إضافة إلى أنّه لم يحدث تحديث لحجم الإحتياطى المتوفر اليوم من الحقول الجديدة بالرغم مما يرد فى الإعلام من إكتشافات غازيّة فى كردفان والنيل الأبيض والنيل الأزرق لكن هل هذه الكميّات الجديدة إقتصاديّة؟ بمعنى هل تكلفة إستخراجها وترحيلها أقل من تكلفة الغاز المستورد؟ ثمّ إنّه لا توجد إحتيّاطات للفحم الحجرى.   مقابل هذا الوضع المقلق تبقى الطاقات المتجددة وتحديداً الطاقة الشمسيّة (بصورتيها الضوئيّة والحراريّة) وطاقة الرياح تمثلان طوق النجاة لمستقبل توليد الكهرباء بالبلاد بالرغم من تكاليفهما العاليّة حالياً، والطاقة الشمسيّة تحديداً تضع السودان ضمن أغنى عشرة دول فى العالم تتمتع بها بل إنّ نصفها الشمالى تتمتع بنحو 4000 ساعة ضوئيّة مشعة (من مجموع 8760 ساعة فى السنة) بمتوسط قوة إشعاع تتجاوز 6 كيلو واط ساعة للمتر المربع بمتوسط توليد سنوى يتجاوز 10 جيجاجول للمتر المربع مما يشير إلى إمكانيّة كبيرة لاستخدام الطاقة الشمسيّة بنوعيها الضوئى عبر تكنلوجيا الألواح الشمسيّة  (PV) إضافة إلى الحرارى عبر تكنلوجيا المركزات الشمسيّة (CSP) فالأولى أكثر ملائمة للريف وحتى المدن على السواء وقد جاء فى الأخبار أنّ هنالك اليوم أكثر من 50 ألف منزل ريفى فى البلاد تستخدم هذه النظم لإنارة المنازل وهذا وضع مبشر كما إنّ الكثير من المنظمات الدوليّة مثل اليوناميد تستخدم هذه التكنلوجيا فى المناطق المعزولة كما تمّ نصبها على طول القرى الواقعة على الحدود السودانيّة التشاديّة إضافة إلى المئات من الخلاوى والمساجد،كما جاء أيضاً أنّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يخطط لإنارة 13 من المجتمعات الريفيّة وشبه الحضريّةفى البلاد بإستخدام نظم الألواح الشمسيّة،، أما نظم المركزات الشمسيّة الحراريّة (CSP) فهى تحت التطوير وفى مرحلة متقدمة وقادرة على توليد الكهرباء بكميات كبيرة (Bulk) بل وتخزينها للإستخدام أثناء الليل أو فى أوقات عتمة الشمس وفى طريقها لتصير إقتصاديّة خاصة بعد تخطيط الأوربيين نصبها فى الصحراء الكبرى لتوفير ربع حاجة أوروبا من الكهرباء بحلول عام 2030 لكن تجمد المشروع تحت ظروف غامضة بعد أن نجحت الشركة الألمانيّة صاحبة المشروع  (Desertic) من تأمين 400 بليون يورو لتنفيذها، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ السلطة الإقليميّة السابقة لدارفور بقيادة مينى أركو ميناوى كانت قد وقعت مذكرة تفاهم مع إحدى الشركات الفرنسيّة لنصب ثلاثة محطات من هذه التكنلوجيا بدارفور قوة كل منها 50 ميغاواطبالقرب من الفاشر ونيالا والجنينة لكن لم يحدث شيئ إلى أن غادر،، أما طاقة الرياح فمتوفرة فى مناطق محددة بالبلاد تتمثل فى ساحل البحر الأحمر ويقدر متوسط كثافة الرياح في السودان ب 400  واط للمتر المربع  وقد ورد فى الأخبار أنّه قد تم التوقيع على مذكرة تفاهم عام 2010 مع شركة Omene للطاقة ومقرها دبي لبناء 500 ميغاوات من طاقة الرياح على طول ساحل البحر الأحمر في خمس مزارع رياح كل منها بقوة 100 ميغاواط وربطها بالشبكة القوميّة على أن يتم تشغيلها تحت نظام  IPP لكن من غير المعروف مصير هذه الإتفاقيّة، بجانب وجود مناطق عديدة داخل البلاد تتمتع بسرعات رياح ملائمة لتوليد الكهرباء منها دنقلا وكريمة والدبة وأم كدادة ونيالا بدارفور.

إضافة لذلك تجدر الإشارة بتمتع بعض مناطق البلاد بإمكانات الطاقة الحراريّة الأرضيّة بتقديرات تصل ل 400 ميغاوات من طاقة توليد الكهرباء، وقد تم تحديد مناطق محتملة بوجود هذا النوع من الطاقة  بجبل مرّةوجبال تقابو وجبل الميدوب وكلها جبال بركانيّة بدارفور إضافة إلى صحراء بيوضة وساحل البحر الأحمر،ودرجات الحرارة الجوفيّة في منطقة البحر الأحمر تتراوح ما بين 56 و 85 درجة مئويّة فى موقعين ذات أهمية هما سواكن-1 وبشاير-1A اللتان لديهما درجات حرارة تتجاوز 70 درجة مئويّة وذات دلالات مبشرة للقدرة على توليد الكهرباء، وقد جاء فى الأنباء أنّ وزارة الكهرباء تتعاون حاليا مع شركة كهرباء كينجن الكينيّةالرائدة فى هذا المجال لمواصلة بناء القدرات وتقييم الإمكانات في بعض المناطق كما من المتوقع أن تحصلوزارة الكهرباء بحر العام المقبل على تمويل للدعم الفنى من مفوضيّة الإتحاد الأفريقى فى هذا المشروع، كما إنّ هناك بعثة صينيّة تقوم حالياً بتقييم إمكانيّة بعض المناطق لإستثمارها.   قصدنا من العرض أعلاه توضيح طبيعة الأزمة التى تمر بها البلاد فى توفير إمداد كهرباء مستقر ومطمئن مستقبلاً بسبب ضعف مواعين التوليد حالياً وتضاؤل توفر مصادر للطاقات التقليديّة يمكن إستثمارها فى توليد الكهرباء بجانب ضرورة إنشاء محطات توليد متنوعة لتأمين إمداد مضمون فالحكمة المعروفة عالميّاً فى تأمين الطاقة تتمثل فى تنويع مصادر الطاقة (Energy security through diversification of energy sources!)،، إنّ مجموع كل قوى التوليد المركبة حالياً فى السودان المائى منها والحرارى لا تتعدى 2500 ميغاواط من الناحيّة الإسميّة (Nominal) لكنّها أقل من ذلك بكثير من الناحيّة التشغيليّة (Operational)إذ لا تتعدى فى أحسن حالاتها عن 1500 ميغاواط وربّما أقل بسبب التوقف المتكرر للمحطات الحراريّةنتيجة نقص الوقود أو الصيّانة وإنعدام قطع الغيار بجانب إنخفاض مخزون المياه خلف السدود خاصة فى شهور الصيف ذات الإستهلاك العالى.   إنّ الحقيقة الصادمة بخصوص الإمداد الكهربائى فى السودان تتمثل فى أنّ البلاد اليوم ومن واقع وجود مساحات شاسعة وأقاليم بأكملها لا تتمتع بخدمات الكهرباء وتعيش فى ظلام دامس فى غرب ووسط وشرق السودان وخروج القطاعات الإنتاجيّة كالصناعة والزراعة وجزء كبير من الخدمات حتى فى العاصمة المثلثة عن تلقى الكهرباء بصورة منتظمة، فإنّ الحاجة الفعليّة لإمداد كهربائى تغطى كل البلاد تتجاوز ما هو متاح اليوم بتقدير عشرة أضعاف على الأقل وبناءاً على هذا فإنّ البلاد قد تكون فى حاجة لقوى توليد مركبة تتجاوز 15000 ميغاواط مقارنة بما هو موجود اليوم وسترتفع هذه القوى إلى 20000 ميغاواط عام 2020 ثم إلى 25000 ميغاواط عام 2025 وهكذا،، بمعنى آخر إذا كان المتاح من الإمداد اليوم 1500 ميجاواط فإنّ الحاجة الفعلية تتمثل فى 15000 ميغاواط ثمّ تزداد بمعدل إضافة 1000 ميغاواط سنوياً حتى العام 2030 وما بعد،،فمصر اليوم مثلاً تتمتع بقوى توليد مركبة تعادل 27700 ميغاواط لكنها بحاجة إلى إضافة 2000 ميغاواطسنوياً حتى العام 2030 للحفاظ على المعدل الحالى لنسبة حصول السكان على خدمات الكهرباء وهى نسبة 99.5% ولذلك فهى تخطط لإضافة 10000 ميغاواط من قدرة الألواح الشمسيّة وقد بدأت بالفعل بتغطيّة سقوف وزارة الكهرباء والطاقة وسط القاهرة بألواح الخلايا الضوئيّة والشروع فى بناء محطةكهروضوئيّة (PV) بقدرة 100 ميغاواط بجانب محطات شمسيّة حراريّة (CSP) مربوطة بالشبكة القوميّة إضافة إلى إعتماد إنشاء 7000 ميغاواط من طاقة الرياح فى خططها الحاليّة بينما تسعى حثيثة لقيام برنامجها النووى لتوليد الكهرباء.   إنّ العوامل المتغيّرة (Variable Factors) المؤثرة على معادلة نمو الطلب على الكهرباء والطاقة فى أى بلد تتمثل بصورة عامة فى نسبة زيادة السكان ونسبة النمو الإقتصادى (GDP) بجانب معدلات نمو الدخل الشخصى (PCI) وتغيرات الطقس والمناخ بجانب نسب النمو الصناعى والتعدينى والمواصلات (قطارات الأنفاق والترولى) فى بعض الحالات،، كان هذا فى الماضى لكن اليوم فرضت عوامل جديدة نفسها فى هذه المعادلة تتمثل فى متطلبات العصرنة(Modernization) نتيجة النزوع المتزايد لإستخدام التكنلوجيا الحديثة والأجهزة الرقميّة والتحول المضطرد من الإقتصاد الريفى إلى الحضرى ومن الحضرى إلى العولمى فهاتف المحمول (الموبايل) مثلاً والذى صار يحمله كل فرد فى العائلة حتى أطفال المدارس فجانب أنّه وسيلة إتصالات فقد صار إعتباره وسيلة مواصلات طالما أنّه يختصر الحركة للحصول على خدمة أو قضاء عمل فالكثير من طلاب الشهادة السودانيّة قد تمكنوا بحر الأيام الماضيّة من التقديم للجامعات عبر أجهزة موبايلاتهم دون الحاجة للسفر أو الذهاب لمراكز التقديم إضافة إلى برنامج الحكومة الإلكترونيّة وأورنيك 15 الرقمية وقد شاهدت بعض أئمة المساجد فى الجزائر يستخدمون لوحات iPad لإلقاء الدروس قبل خطبة صلاة الجمعة ثمّ فى إلقاء الخطبة نفسها فتأمل!! ولذلك فكل هذه التطورات الحديثة والتى صارت ممارسة يوميّة للناس خاصة الشباب بحاجة لتدفق مستقر ومأمون للتيار الكهربائى كما إنّ هذه التطورات تخص قطاع التعليم بوجه خاص فقد بدأ هذا القطاع ينحو حثيثاً نحو إعتماد الوسائط التعليميّة الحديثة التى تعتمد على الكمبيوتر والتكنلوجيا الرقميّة وهذه بدورها تحتاج للكهرباء وبدرجة موثوقيّة (Reliability) عاليّة ولذلك تجتهد معظم الدول حول العالم للحفاظ على إستقرار مطمئن للإمداد الكهربائى لكل المستهلكين دون إنقطاعات أو إطفاءات شاملة (Blackouts) مثلما يحدث فى الدول الأقل نمواً،، وكمثال على ذلك فإنّ درجة موثوقيّة إمدادات الكهرباء فى الولايات المتحدة الأميريكيّة مثلاً يجب ألا تتخطى إنقطاعات أو تذبذبات مبرمجة (Forced)لأسباب تخص بعمليّة التشغيل تزيد عن طول يوم واحد بالأكثر (أى مجموع 24 ساعة متفرقة) فى مدى 10 سنوات (أو معدّل 144 دقيقة فقط فى السنة) فى حدها الأعلى مع إعتبار حوادث القطوعات التى تحدث خارج إرادة شركات الإمداد والتوزيع نتيجة العواصف الثلجيّة أو الهيروكين مثلاُ قطوعات طارئة تحدث فوق إرادتها ويجرى إصلاحها سريعاً بزوال تأثير الحدث أما إذا تكررت الإنقطاعات بنسبة أطول من حدود المسموح بها أعلاه فإنّها ستضع الشركات المعنيّة بالتوليد والإمداد تحت طائلة التساؤل لكن فى العموم تلتزم الشركات بتلك الأسس وإلا فستقوم روابط مستهلكى الكهرباء بالإحتجاج عليها.   من جانب آخر تقول إحصائيّات وزارة الكهرباء أنّ نسبة السكان المربوطين بخدمة الكهرباء على مستوى البلاد تتجاوز 46% لكن أعتقد أنّ  هذه النسبة بحاجة لمراجعة خاصة وإنّ ثلثى سكان البلاد يعيشون فى الأرياف! ثمّ كيف تمّ حساب ذلك بينما تتزايد أعداد السكان فى الوقت الذى تتناقص فيه أو تنعدم التوليد والإمداد فى أغلب مناطق البلاد؟ إنّ الريف السودانى اليوم مظلم تماماً بينما غالبيّة المدن البعيدة عن الشبكة القوميّة تعانى الأمرين ولا تتمتع بتيار مستقر نتيجة لمولدات مهترئة مع إنعدام الوقود فمدينة مثل نيالا مثلاً لديها قوة توليد لا تتعدى 20 ميغاوات فى أحسن حالاتها لتخدم قرابة المليون شخص هم سكان المدينةحالياً وهى مدينة تجاريّة وصناعيّة تخدمها ماكينات ديزل قديمة دائمة العطل بعضها تمّ تفكيكها وترحيلها منمدينة كريمة بعد قيام سد مروى كما تعانى من نقص وقود التوليد بصورة متكررة لذلك تضطر المحطة لتوزيع الكهرباء لأحياء المدينة بطريقة مبرمجة مرة واحدة للحى كل ثلاثة أيام وكذلك الحال فى مدينة الفاشر التى ظلّت على هذه الحالة قرابة الثلاثين سنة الماضيّة،، إنّ دارفور كلها بمدنها وسكانها التى تتعدى الثمانيّة مليون لا تخدمها سوى 50 ميغاواط على الأكثر هى مجموع قوى مولدات الديزل الضعيفة العاملة بمدنها المختلفة بينما هى فى حاجة إلى ما لا يقل عن 1000 ميغاواط فى الوقت الحالى وقس على ذلك مدن جنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان.  

من أجل التصدى لهذه المعضلة نقترح الآتى:   أولاً: يجب الإنتباه إلى حقيقة أنّ إستراتيجية توليد وإمداد وتوزيع الكهرباء عموماً هى عمليّة تتسم بالتخطيط الإستراتيجى بعيد المدى وتتطلب قدراً هائلاً من التمويل ودرجة عاليّة من التأهيل فى فنون الإدارة والتدريب والخبرة كما يجب الإقرار بأنّ التطور الإقتصادى والإجتماعى فى كل أنحاء العالم قد إقترن اليوم بتوفر خدمات كهرباء مستقرة لكل القطاعات الإقتصاديّة والصناعيّة والسكنيّة المستهلكة لها.   ثانياً: السودان بحاجة إلى بناء قوة توليد كبيرة وأساسيّة ورخيصة الإنتاج تلبى الطلب فى المستوى القاعدى للإمداد (Base Load) ومحطة سدّ مروى بطبيعتها الهيدروليّة المتأرجحة لا يمكنها فعل ذلك ولا توجد فرصة لتحقيق ذلك فى واقع أوضاع الكهرباء اليوم سوى تبنى خيار الإعتماد على التوليد الحرارى بواسطة الفحم الحجرى فى المدى الوسيط (2018-2025) نسبة لعدم توفر البترول والغاز بكميات كبيرة بالرغم من المحاذير البيئيّة لكن لا مفر من ذلك كمرحلة أوليّة ومرحليّة قبل التوسع فى إستغلال الطاقات المتجددة بصورة مضطردة،، ولذلك نقترح التفكير فى إنشاء مولدات بقوة 6000 ميغاواط من الفحم (هذا الحجم تحديداً يوفر أرخص إنتاج للكهرباء الحراريّة مقارنة بكل تكنلوجيّات التوليد الأخرى) على ساحل البحر الأحمر والتى هى مربوطة سلفاً بالشبكة القوميّة، هذه القوة ستساعد فى تلبيّة الطلب فى المستوى القاعدى (Base Load) للإمداد ويمكن أن تُبنى على مراحل قوة كل منها 1000 ميغاواط (Steam) فى مُجمّع واحد على الساحل لتوفر المياه للتبريد والبخار وتدخل الخدمة تباعاً فى مدى سنوات قليلة بينما يتحول توليد سد مروى لمقابلة الطلب فى فترات الحمولة المتوسطة (Intermediate Load) وتُخصص بقيّة المحطات للدخول فى أوقات الذروة (Peak Load)،،، وسيساعد فى هذا إستيراد الفحم وهى اليوم رخيصة الثمن من جنوب أفريقيا عبر ميناء ديربان المطل على المحيط الهندى والتى تمثل أكبر ميناء لتصدير الفحم لدولة جنوب أفريقيا ومنها مباشرة لساحل البحر الأحمر بالسودان دون عوائق، كما يمكن إجتذاب الشركات الصينيّة والصين أكبر دولةفى العالم منتجة للكهرباء بواسطة الفحم والإتفاق معها لإنشاء هذا المشروع عبر الصيغ التمويليّة المعروفةمثل IPP, BOT, BOOT وغيرها، إضافة لذلك يمكننا ملاحظة الجانب السياسى فى هذا المقترح.   ثالثاً: تشغيل سد النهضة، فى حال تدشينها، قد توفر فرصة للدولة إستجماع أنفاسها والتحرك لتنفيذ مشاريع إستراتيجية وإنشاء المزيد من مواعين التوليد من مختلف مصادر الطاقة المتاحة بالبلاد ولكنّ ذلك لا يمثل حلاً إستراتيجياً، فإستيراد 3000 ميغاواط مثلاً من كهرباء هذا السد وتدشين سدّى ستيت وأعالى نهر عطبرة سيساعد فى تخفيف وتيرة الإنقطاعات خلال المدى المتوسط لكن يمكن تخفيضها من الجانب الأثيوبى فى أى لحظة نسبة لتسارع إرتفاع معدلات الطلب هناك بجانب أن نسبة كهربة السكان فى أثيوبيا لا تتعدى 35 بالمائة.   رابعاً: يجب إعادة النظر فى شكل الشبكة القوميّة الحاليّة لإمداد وتوزيع االكهرباء وتجزئتها إلى شبكاتكهرباء مناطقيّة صغيرة أسوة بالنظام المصرى، الذى يعتمد على ستة مراكز توليد فى شكل شركات مناطقيّةبالإضافة إلى توليد القطاع الخاص، وتحويل الشبكة الحاليّة إلى آليّة تنسيقيّة رابطة بين هذه الشبكات المناطقيّة وتوفير ميزانيات بالعدل لتتمكن مناطق السودان المختلفة من إنشاء محطات توليد تلبى طلباتها من الكهرباء تحت إشراف شركة كهرباء قابضة لكل الدولة ممثلة فى إعادة الهيئة القوميّة للكهرباء!،، فالشبكة القوميّة بحالتها الراهنة سوف لن تتمكن من توفير الإمداد لكل مناطق السودان وستظل تتعرض للإطفاء الشامل بين فترة وأخرى نتيجة لزيادة الأحمال بجانب المشاكل التقنيّة إضافة إلى أنّها تبدد الكثير من الطاقة خلال عمليّات الإمداد والتوزيع والحل يتمثل فى إنشاء شبكات مناطقيّة تعمل مستقلة ضمن حدود تفويضاتها لكنّها ترتبط ببعضها تحت سيطرة مركز التحكم القومى بكيلو 10 لتحويل الكهرباء (Wheeling)من مناطق الضغط المنخفض إلى مناطق الضغط المرتفع وبالعكس بالإستفادة من فوارق الضغوط والزمنبين تلك المناطق حسب الأداء فى كل شبكة وهذا سيؤدى إلى دعم درجة موثوقيّة الإمداد على مستوى الدولةكما ستعالج مشكلة الإطفاء الشامل فإذا حدث ذلك فسيكون ضمن حدود منطقة جغرافيّة محددة ولا تشمل كل مناطق البلاد كما سيتمكن مركز التحكم القومى عزلها لحظياً وتحديد الخلل لإصلاحها،، أدعو وزارة الكهرباء النظر بعمق فى هذا المقترح ودراسة التجربة المصريّة على وجه الخصوص كما أدعو المهندسين والإستشاريين المتخصصين فى مجال توليد الطاقة خاصة كوادر الهيئة القوميّة للكهرباء الإدلاء بآرائهم من واقع تجاربهم الثرة خاصة خلال العقدين الماضيين.   خامساً: المبادرة بتدشين حملة قوميّة فى مجال كفاءة إستخدام الطاقة (Energy Efficiency) موجهة مباشرة للمواطنين والمستهلكين لتخفيض إستهلاك الكهرباء ومحاولة إدراج ذلك فى مختلف وسائل الإعلام والمناهج التعليميّة بجانب الإهتمام بتوجيه وتدريب ربات البيوت كونهن مسؤولات عن إدارة وإقتصاديّات منازلهن،، هذه المبادرة يمكن تدشينها فوراً وعلى أرض الواقع بواسطة وزارة الكهرباء وسوف لن تحتاج لميزانيات كبيرة،، إنّ ممارسة أساليب إستخدام كفاءة الطاقة يمثل أرخص وسيلة لتوفير الطاقة فعندما يقوم المستهلك بتخفيض نسبة إستهلاكه للكهرباء فإنّة لن يوفر فى قيمة فاتورته للكهرباء فقط بل سيوفر فائضكهرباء يمكن لشركة الكهرباء توصيلها لمستهلك جديد كما إنّها أى كفاءة إستخدام الطاقة تقلل من إنشاء محطات توليد جديدة وتساعد فى حمايّة البيئة عن طريق الحد من إنبعاث الغازات وقد صارت توجهاً عالمياً بموجب مبادرة الأمم المتحدة الخاص بالتنميّة المستدامة للجميع بخصوص إستخدام الطاقة (Sustainable Energy for All “SE4ALL”) والتى نصت على ثلاثة أهداف يجب تحقيقها بحلول العام 2030 وهى:   1/ تحقيق حصول الجميع على خدمات الطاقة الحديثة 2/ مضاعفة المعدل العالمي في تطبيقات كفاءة استخدام الطاقة 3/ مضاعفة إستغلال الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة العالمي   سادساً: أؤيد مقترح المهندس الإستشارى كمال على محمد بضرورة إعادة الهيئة القوميّة للكهرباء وإعادة مهندسيها المخضرمين وهيكلة وزارة الكهرباء وإعادة وزارة الرى والموارد المائيّة لأنّها تمثل الذاكرة القوميّة لمياه النيل.   والله ولىّ التوفيق والسداد،،، 6