العقل التكفيري لا يحتمل "وقاحة" المعرفة التي تقتضي طرح الأسئلة عارية فبينه و"العقلنة" ما صنع الحداد..!
إذا أراد التكفيري محاسبة الناس عن إيمانهم ليبدأ بنفسه.. فمن أين يستمد حقه المطلق في النجاة؟!!
من يتهم الناس بالكفر يمنح الرخصة لقتلهم..!

 


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من هو التكفيري؟... شخص يعيش في اللاتاريخ ولا يستمد حضوره إلا من علاقة ملتبسة مع الواقع.. التكفيري يملك وعي مؤذي للذات ولغيره، ولا حصانة يعتقدها إلا في استظهاره لبعض النصوص دون أي علاقة فكرية معها، لا يمارس دوره الفردي أبداً..أبداً، وممارسة التكفير بدأت منذ زمن بعيد، ويمكننا أن نعد محاولة تكفير النبي صلى الله عليه وسلم واتهامه بالجنون من قبل الملأ من قريش أولى المحاولات لتكفير المجددين، فقد وصف الله سبحانه وتعالى موقف المشركين من دعوته صلوات الله وسلامه عليه بالقول: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ {36}) الصافات، وبالطبع لا نود مقارنة ما جاء به النبي (ص) وما يطرأ من فتاوى تجديدية تنادي بإعادة تدبر النصوص القرآنية، لكننا أردنا القول إن فعل التكفير ليس طارئاً أو هو وليد للحظة اجتماعية محددة تملك خصوصيتها، فالمتحرك عادة يسبب كثير من الحرج للثابت، ولذا فالتكفير هو حال اجتماعي مستمر، وليست فقط في الدين، بل في السياسة والثقافة بأشكالها.
إن معارك الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري (159- 255هـ) مع الدعوات العنصرية أو ما كان يسمى بـ(الشعوبيين) وهم جماعة نشطت في سبيل إثبات تفوق الفرس على العرب، وأن ليس للعرب من فضل سوى أن جاء منهم نبي، فهم قوم جهلة ومتخلفون وعدائيون، ولا يملكون من تراث المدنية شيء، هذه المعركة جعلت بعض الأئمة يكفرون الرجل بدوافع سياسية، وأيضاً تكفير الإمام علي بن أبي طالب من الخوارج، والإمام أحمد بن حنبل في محنة (خلق القرآن) في العصر العباسي، والوليد بن رشد في معركته وفقهاء السلطان يعقوب، والغزالي والرازي وبن سينا والفارابي وغيرهم وغيرهم.. وأيضاً يعد ظهور الخوارج بداية للقراءة التجزيئية المضللة التي قلنا بها في المقال السابق، القراءة التي تقتنص ما تريد من صيد الآي الكريم لصالح توظيفها مبتورة، ومخنوقة.. فقد حللوا قتل الأطفال من المسلمين تحت الآية (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً {27}) سورة نوح، رغم أن الآية لا علاقة لها بمشروعية قتل الأطفال، فقد نزلت في سياق مختلف يقول تعالى مخاطباً نبيه نوح عليه السلام (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً {26} إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً {27}. فالخوارج الفرقة التي ظهرت بعد حادثة التحكيم، عندما رفضوا إذعان الإمام علي بن أبي طالب لطلب لتحكيم كتاب الله في معركة صفين سنه 37 هجرية، والوقوف عن الاقتتال مع معاوية، كانوا هم من كفر الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ونجحوا في قتل الإمام علي دون الآخرين، والخوارج كانوا طبقة من القراء، ولكنهم عمدوا إلى قراءة النص القرآني بطريقة فاسدة، جعلتهم يقتلعون الآيات من سياقها ويجعلونها دليلهم في حياتهم الدينية، بل إنهم قتلوا الكثير من المسلمين بدعوى خروجهم عن الملة.
ولدراسة ظاهرة التكفير، فإننا نحتاج أولاً الإقرار بأنها ظاهرة ثقافية، وينبغي علينا أن نتعامل مع كل ظاهرة ثقافية كما نتعامل مع اللغة، أي أن نتفهم دالها ومدلولها، وعلينا أن نمسك بحقيقة المقاصد التي انبنت عليها، وفي ذلك فمهمتنا هي التركيز على البنية وليس الفرد، فالتكفيري ليس فرداً بل هو ممثل لجماعة، هو صوت لشخصيات غائبة عن الحاضر، يمثل التكفيري التراث الغائب، هو يمارس دوره بفساد معرفة في التراث وكفر بالعقل ودوره، فقد أمتاز الإسلام كدين ومنذ لحظته الأولى بتوافر عناصر النظر والبحث والترصد، وآيات القرآن تنبئ بالكثير الكثير الذي يفيد بل ويقرر أن العقل ضرورة وليس شيئاً زائداً عن حاجة المسلم منظراً كان أم متعبداً، والقراءة التكفيرية للنصوص الدينية تجعل من صاحبها أسير لتعقب خارج عن المعنى، ومجافي للدالة المعرفية التي انبثق عنها الوعي بالمحيط الدلالي للنص، والتكفيري متماهي في التراث، بل ومندغم فيه، للدرجة التي غاب فيها دوره كمتحدث باسم المعرفة الدينية، والسؤال الذي يطرح ما هي قيمة دراسة أي ظاهرة ثقافية (والتكفيريون ظاهرة ثقافية في الأساس) تغفل دور الفرد، وتكتفي بالتحقيب؟ والرجوع إلى الصورة الأولى للنص، ولو كان الله عز وجل يريد الاكتفاء بالمشروعية الاجتماعية للنص، أي ربطه بمجتمعه لما قال (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً {89} فالمجال الفكري للتكفيري يصح وصفه بـ"الانمحاء الجذري للفاعل الفردي"، والتكفيري يمارس خداع الذات، يملك وعي مؤذ ومتطرف يقود إلى اعتماد الخلاص والسحرية في النظر، وذلك لأنه يخاف السؤال، ويمتنع عن المواجهة، هو يهرب من العقل وقضاياه، وينزل بفهمه إلى تسديد الضربات إلى التراث، هو يعيش في التراث، ولذا وكما قال محمد عابد الجابري فأننا نحتاج لعلاقة أخرى مع التراث (وهو لدى التكفيري التراث التفسيري للنص القرآني)، فحضور التراث لدى التكفيري هو ماضينا الذي يسيطر على رؤيتنا للحاضر، والتراث الإنساني (ما هو حاضر فينا من ماضي غيرنا)، إن شرط التعامل مع التراث حدده الجابري بشرطين: الموضوعية، والمعقولية، ولذا فعلى المفكر الإسلامي الواعي بعصره وقضاياه الانتباه للمنهج الذي اقترحه الجابري في أن نجعل من (الموضوعية) وهي جعل التراث معاصراً لنفسه، الشيء الذي يقتضي فصله عنا، والمقابل فإن (المعقولية) جعله معاصراً لنا، أي إعادة وصله بنا، بقضايانا، بمشاكلنا، بمسائلنا الراهنة، إن الجابري يرى أنه طالما أننا لا نزال مرتبطون بهذا التراث ولو في بنية اللاوعي الكامنة في أفعالنا، فإننا بحاجة إلى معالجته في محيطه الخاص، المعرفي الاجتماعي التاريخي، وهذا ما يعنيه بـ(الموضوعية)، وفي الوقت ذاته جعله معاصراً لنا بنقله إلينا ليكون موضوعاً قابلاً لأن نمارس فيه وبواسطته سلطة عقلانية تنتمي إلى عصرنا، فحين ندعو إلى (العقلانية) فإننا نقصد الكيفية التي نعتمد فيها على قراءة وتوظيف التراث، بل وتحديداً العمل على تثبيت فرض "الاستيعاب والتجاوز" في التعاطي مع التراث، فما قاله الأئمة من قبل لا يمكن اعتماده نهاية الخط المعرفي في تفسير النصوص القرآنية، ذلك لأنهم وإن كانوا أصحاب سبق ومعرفة، إلا أنهم أيضاً أبناء زمانهم، مشكلاته ووقضاياه.. فالتكفيري يعلم تمام العلم أن للآيات التي يوظفها سياق مغاير عن واقعته التي يريد تنزيل حكم الله فيها، ومشكلته ليست جهله بالطبيعة التأويلية للنصوص القرآنية، بل تماديه في توظيف النص في غير محله، فالعقل التكفيري لا يحتمل "وقاحة" المعرفة، ولأسباب ما قد تكون ثقافية فإن هذه "الوقاحة" تقتضي التحدث بلسان مزعج، وهذا الفعل التكفيري بينه و"العقلنة" ما صنع الحداد!
وفي الآية التي يحتكم عادة ما يحتكم إليها التكفيري (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ {44}) المائدة، فالعلاقة بين من يحكم بغير ما أنزل الله وبين الكفر هي علاقة قائمة على التضاد العكسي والذي يكون بين كلمتين تدلان على معنيين متلازمين، أي أن الحكم يرتبط مباشرة بالإيمان أو الكفر، وهو لا يتعلق بالميدان العام للحياة البشرية، بل في قضايا بعنيها، إذا أنك لو شرعت للناس ممارسة الزنا بالقانون؛ بالقانون أي قلت للناس إن الزنا ليس حراماً، تكون قد شاققت الله عز وجل وحللت حراماً بيناً، ولو قلت إن الصلاة غير واجبة على الناس، وأقررتها حكماً عليهم، دخلت في دائرة الكفر بما أنزل الله، يعني ببساطة لا يمكن لمن يوظف هذه الآية أن يتهم أحد بالكفر لأنه لم يحكم بما أنزل الله، لأن المتهم بالكفر نفسه لا يملك الحكم وليس له من حق تشريع وسن قانون للناس، فهو يبدي رأيه دون أي سند قضائي أو قانوني. إذا الآية تحاكم من يملك السلطة ويأمر الناس بها، وليس من يطرح رأياً ويبدي معرفة، وصحيح أنه قد يضلل الكثيرين لو قال بما حرم الله، لكن أيعقل أن تكون قضايا مثل النقاب وإمامة المرأة مما يدخل الناس في الكفر؟ وهل يظن التكفيري أن عامة المسلمين جهال ولا يملكون من معرفة تسمح لهم بسد الباب أمام المخربين المحتملين؟ ولأن التكفيري يملك ذات متضخمة، وأنانية شديدة في حقه المطلق بتعريف الناس بالحق وبالباطل، فإن عليه أولاً أن يسائل نفسه، هل هو ممثل وحيد للحقيقة في الأرض؟ فإن كان كذلك فهو أيضاً قد وقع في الشرك، لأنه نازع الله الحق المطلق، ولم يعترف بنسبية معارفه، لأنه وإن كان يعتمد على العلماء الثقافة، فهؤلاء العلماء أنفسهم خضعوا للجرح والتعديل، ولذا فقل لي ماذا يعني لك مجهود الألباني في جمع وتنقيح صحيح مسلم! وماذا يعني أن يأتي عالم ليحقق جهد عالم آخر، أليست هي النسبية الملازمة للفعل البشري، والحق المطلق في معرفة الخير من الشر بيد الله سبحانه وتعالى فقط.. فقط..  
 والتكفيري يوظف هذه الآية بموجب ما يحمله من سلطة، أو يتوهم أنه يملك سلطة تكفير الناس، وهنا فإنه ينازع الدولة اختصاصاتها، ويتدخل في عمل القضاء، وإذا كان لا يعترف بالاثنين (الدولة شرعيتها وقانون قضائها) فعليه أولاً أن يقول بكفرهما ثم ينزل بذلك إلى عامة الناس!! فهل يستطيع؟!.. فأنت حينما تتهم أحد بالكفر تمنح الرخصة لقتله..!
وما ملامح بروز التيار التكفيري الآن؛ إلا لضعف المشاركة الحقيقية للمستنيرين من أبناء بلادي والمثقفين، الذي يصمتون عند القضايا الكبرى، وينفجرون في خلافاتهم السياسية، فينشطرون بين يمين ويسار، ويتركون أمهات القضايا، وعظيم الأزمات دون التفاتة.. فلا سبيل للخروج من الأزمة إلا بالعقلانية.. والتي من شروطها الاعتراف بالآخر وبنسبية المعرفة.. فغياب العقلانية ودورها سيسمح للغلو والتطرف أن يسودا..