صفة الإمام او الرئيس الصالح العادل كما جاءت في رسالة الحسن البصري الي عمر بن عبد العزيز، وما كان حفيد الفاروق بحاجة لمن يذكره بها لكنما هو الورع والحرص علي اتباع سبيل البر والصلاح الذي دفع بعمر الثاني الي الكتابة الي الحسن البصري يطلب منه الهدي والنصيحة، وها انذا ارسلها الي سعادة الرئيس البشير وهو يستهل عامه السادس والعشرين حاكماً منفرداً للسودان، وقد أحاط نفسه بثلة من الفاسدين الظلمة المفسدين:

بعد السلام عليك ورحمة الله وبركاته، إحمد اليكم الله الذي لا اله معه واصلي واسلم علي نبيه الإمين وآل بيته المكرمين، أقول:

  اعلم یا سيادة الرئيس، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعیف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.  والإمام العدل يا سيادة الرئيس كالراعي الشفیق على إبله، الرفیق بها، الذي یرتاد لھا أطیب المراعي، ویذودھا عن مراتع الهلكة، ویحميها من السباع، ویكنھا من أذى الحر والقر، فلا يتركها نهباً للخوف والجوع والمرض، ولا يوكل بها من يهملونها أو يسيمونها سوء المعاناة والعذاب.

والإمام العدل كالأب الحاني على ولده، یسعى لهم صغاراً، ویعلمهم كباراً؛ یكتسب لهم في حیاته بأن يبذل جهده، ویدخر لھم بعد مماته ليطمئن علي مصيرهم من بعده. هو  كالأم الشفیقة، البرة الرفیقة بولدھا، حملته كرھا، ووضعته كرھا، وربته طفلاً تسھر بسھره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافیته، وتغتم بشكایته، لا تسوم عيالها الخسف، ولا توكل اطعامهم وممارضتهم الي من يسيئون اليهم، فيأكلون طعامهم ويتركونهم يتضورون جوعاً. وهو وصي الیتامى وراعيهم بدلاً عن ابائهم، وخازن الفقراء والمساكین وذوي الاحتياجات، یربي صغیرھم، ویمون كبیرهم، فهو لكل هؤلاء كالقلب بین الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. ذلك لأنه  القائم بین الله وبین عباده، یسمع كلام الله ویسمعھم له، وینظر إلى ما أمر به الله ویريهم إياه، وینقاد إلى الله ویقودھم الي الله. فلا تكن يا عمر فیما ملكك الله عز وجل كعبد ائتمنه سیده، واستحفظه ماله وعیاله، فخان أمانته، وبدد المال وشرد العیال، أفقر أھله وفرق ماله، يري من ائتمنهم يسرقون المال فيشترك معهم بدل أن يزجرهم ويعاقبهم.

وإن كنت قد غرك الشيطان والأهل.  فإن الله غفور رحيم، فعُد الي ربك واترك من اغروك فإنهم لن يتحملوا عنك ذرةً من ذنوبك يوم القيامة، وأعلم إن الرجوع الي الحق فضيلة، وإن فضوح الدنيا خيرٌ من فضوح الآخرة، وتذكر قول الله تعالي { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) سورة الزمر } وتذكر قول ربك وربنا { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } فقد طال الامد، وامتد الفساد الي ربع قرن وقد آن اوان التوبة والعودة الي الحق.

واعلم یا سيادة الرئيس، أن الله أنزل الحدود لیزجر بها الناس عن الخبائث والفواحش، فكیف إذا أتي الخبائث ومارس الفساد  من یلی هذه الحدود! وأن االله أنزل القصاص حیاة لعباده، فكیف إذا ظلمهم وسرق اموالهم وأجاعهم من جعله الله اماماً عليهم لیقتص لهم! واذكر يا سيادة الرئيس  الموت وما بعده، وقلة أشیاعك عنده، وأنصارك علیه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر.

واعلم أن لك منزلاً غیر منزلك هذا المترف الذي أنت فیه، فهذا منزل قصير الأمد، لك فيه حليلتان، ولكن لك منزل یطول فیه  ثواؤك، ویفارقك أحباؤك، یسلمونك في قعره فریداً وحیداً. فتزود له بما یصحبك یوم یفر المرء من أخیه. وأمه وأبیه وصاحبته وبنیه، ولك يومئذِ شأنٌ يغنيك.

واذكر یا سعادة الرئيس الآية { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، إن ربهم بهم يومئذ لخبير }، فالأسرار ظاھرة، والكتاب لا یغادر صغیرة ولا كبیرة إلا أحصاھا، وإنك ملاقٍ ربك ومعك سائقٌ وشهيد، وفي يدك كتاب لا يغادر صغيرةٍ ولا كبيرةٍ الا احصاها، وما ربك بظلام للعبيد.

فالآن أيها الرئيس  وأنت في مهل قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل. لا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلین، ولا تسلك بھم سبیل الظالمین، ولا تسلط المستكبرین على المستضعفین؛ فإنھم لا یرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فتبوء بأوزارهم مع أوزارك، وتحمل أثقالهم مع أثقالك. ولا یغرنك الذین یتنعمون بما فیه بؤسك، ویأكلون الطیبات في دنیاھم بإذهاب طیباتك في آخرتك. و لا تنظر إلي قدرتك علي الناس وعلي الاموال اليوم، ولكن إنظر إلي قدرتك غداً وإنت مأسورٌ في حبائل الموت، وموقوف بین یدي المنتقم الجبار في مجمع من الملائكة والنبیین والمرسلین، وقد عنت الوجوه للحي القیوم.

إنني یا سيادة الرئيس، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النھي من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحاً، فأنزل كتابي إلیك كمداوي حبیبه یسقیه الأدویة الكریهه لما یرجو له في ذلك من العافیة والصحة.

والسلام علیك يا سيادة الرئيس ورحمة الله وبركاته، ولنستغفر ربنا جميعاً ونتوب اليه.
كامل سيد احمد
طبيب نفساني،
حادب علي وطنه ومهموم بهموم شعبه ويتقي الله فيه
لنكلن،،
المملكة المتحدة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////