القرار التي اتخذته الحكومة أمس الاول الإثنين بإغلاق المركز الثقافي الإيراني في العاصمة الخرطوم وفروعه بالولايات، ومطالبتها للقائم باعمال سفارة ايران بالخرطوم بمغادرة  الملحق الثقافي وطاقم المركز للبلاد الخرطوم خلال (72) ساعه تنتهي اليوم، كان مفاجيء بكل المقاييس ، لاسيما وان هذه الخطوة غير المتوقعة تتنافى مع التقارب الكبير بين الخرطوم وإيران الذي شهد أخيرا قفزات لافتة اقلقت دوائر عربية مؤثرة بينها السعودية والامارات، وتسبب ذلك التقارب في توتر العلاقات بين الخرطوم وعواصم تلك البلدان التي تعيش علاقات مأزومة مع ايران منذ سنوات طويلة غير أن مصدر عليم تحدث ل(الخرطوم) مؤكدا أن حملة الحكومة على مراكز الشيعة بدأت قبل شهرين من اتخاذ القرار مشيرا إلى أن مراكز أمدرمان عطل منذ فترة تقارب الشهرين وقال المصدر أن الأجهزة المناط بها ملف التشيع في البلاد دخلت في حوارات ومناقشات عديدة مع القائمين على المركز الثقافي الإيراني غير أنها في ما يبدو لم تنتهي لاتفاق مما أجبر الحكومة لاتخاذ خطوتها الأخيرة .
مهدد امني
وزارة الخارجية اعتبرت ان القرار كان لازما باعتبار ان المركز الثقافي الايراني الذي تبع للسفارة الايرانية في الخرطوم حيث لم يلتزم بقواعد العمل الدبلوماسي وفقا لما نصت عليه اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية. واعرب الخارجية عن اسفها لعدم التزام هذه المراكز في عملها بالعرف الدبلوماسي، لذا كان لابد من اتخاذ الاجراءات التي تكفل صيانة قواعد العمل الدبلوماسي وفقا لما هو متعارف عليه دوليا، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية يوسف الكردفاني في تصريحات صحفية  امس الثلاثاء بانه تأكد للسودان بان المراكز الثقافية الايرانية تجاوزت التصديق الممنوح لها واصبحت تهدد الامن الفكري والاجتماعي السوداني، وزاد بان الخارجية استدعت القائم بالاعمال الايراني في الخرطوم واخطرته رسميا بالقرار، وطلبت منه مغادرة مدير المركز الثقافي الإيراني للبلاد.
قلق وتحذيرات
وترجح تسريبات صحفية ان يكون قرار الحكومة السودانية نابع من حالة قلق وتحذيرات اطلقتها دوائر دينية واعلامية حيال انتشار الفكر الشيعي وسط الشباب السوداني بعد تكثيف الملحقية الثقافية الايرانية انشطتها في الخرطوم. وكانت منابر خطابية عديدة حذرت في المساجد السلطات السودانية من تمدد الفكر الشيعي وعدته تطورا خطيرا ينبغي الالتفات إليه وحسمه. والعديد الشخصيات الدينية والاحزاب قابلت قرار الحكومة باستحسان كبير.
ردود فعل واسعة
عضو الهيئة العليا لرابطة العلماء المسلمين د. محمد عبدالكريم لابدأ ارتياحا شديد قرار الحكومة بابعاد الملحق الثقافي الايرانية واغلاق المراكز الثقافية المنضوية تحت جناحه , وقال خلال مؤتمر صحفي نظمته الرابطة حول اهم الاحداث الراهنة بالعالم الاسلامي امس" الثلاثاء"، ان تلك المراكز والتي تعرف بــ"الحسينيات" افسدت عقدين من الزمان او يزيد وتلعب دورا خطيرا في نشر التشيع وصنع المؤامرات في ربوع دولة السودان السنية، بجانب نشرها للتشييع في السودان، ونبه عبدالكريم ان التشييع اثار الفتن والجدل والصدامات بل وصل الامر حد ان دونت الشرطة بلاغات ضد ادخال كتب تطعن في آل البيت وامهات المسلمين والصحابة، واكد ان قرار الابعاد كان مطلب شعبي قبل ان يكون قرار حكومياً لجهة ان الشعور العام للسودانيين برفض المذهب الشيعي، معتبراً ان القرار باغلاق الحسينيات يجب ان يكون درسا لكل الدول لعدم فتح ابوابها للتشييع والذي يسهم في ادخال المليشيات المسلحة كما يحدث في اليمن ودولاً افريقية.
اتفاقية غير عادلة
كما ان جماعة انصار السنة المحمدية رحبت بقرار اغلاق المراكز الثقافية الايرانية باعتبارها مهدد اللامن الفكري، واكد رئيس الدائرة السياسية بالجماعة د. محمد ابو زيد مصطفي بان الاتفاقية الثقافية بين السودان وايران غير عادلة لجهة ان المركز الثقافي السوداني بطهران غير مسموح له بنشر المذهب السني في ايران وهو مجرد جامع يصلي فيه ممثلي  سفارات الدول السنية صلاة الجمعة، وقال مصطفي في تصريح لـ(الخرطوم) ان القرار سيفتح الباب امام تحسين العلاقات مع السعودية علي وجه الخصوص باعتبارها دولة هامة في المنطقة وتربط السودان بها وشائج ومصالح عديدة اما ايران فلا تربطها بالسودان لغة او مذهب ولا جوار ولا مصالح اقتصادية بحسب قوله، واردف قائلا " القرار رغم انه جاء متأخرا الا انه صائب ويصب في مصلحة الجوار السوداني والعلائق التاريخية مع دول الخليج سيما المملكة. العربية السعودية وامن على ذلك رئيس حزب الوسط الاسلامي د. يوسف الكودة الذي قال ان السودان بلد سني ولن نقبل بتحويله الى شيعي، وسررنا جدا بالقرار الحكومي بالرغم انه سياسي اكثر منه اعتقادي، واردف "لم نطالب الحكومة بقطع علاقاتها مع ايران ولكن نطالبهم بعدم السماح لها بنشر التشيع"، وزاد  في موقعة الاجتماعي على الفيس بوك "لا مانع من وجود اي سفارة أوجودا سياسيا لايران لانه لايلزم من ذلك السماح لها بنشر ما تريد ان تنشره في البلد الذي تقيم فيه ولذلك نحن نبارك منع السفارة الإيرانية من نشاطها الفكري ونرحب بها سفارة لأغراض سياسية".
نشاطها مستفز  
الحزب الاتحادي الاصل اكد وفقا لمصدار ماذونة لـ(الخرطوم) ان قرار الحكومة خطوة جادة في طريق تأمين امن وسلامة واستقرار البلاد، واعتبرت المصادر بان نشاط الملحقية الايرانية اتخذ طابعا شكل استفزازا مباشرا لكل اهل السودان ومعتقداتهم الدينية بالصورة التي اصبحت مثار حديث العديد من الجهات، سيما الهجوم الذي يستهدف امير المؤمنين عمر بنالخطاب رضي الله عنه والصحابة، واضاف " كان من الطبيعي باغلاق المركز الثقافي الايراني وطرد المستشار الثقافي الايراني مما يعد رد اعتبار لثوابت السودان الدينية والفكرية والاخلاقية"
كما ان حزب الامه سارع عبر بيان صادر من القيادي البارز بالحزب ابراهيم الامين بتأييده المطلق لقرار اغلاق المراكز الثقافية الايرانية بالسودان، موكد على ان مصلحة السودان اولوية دون سواها وقال بان القرار يقود الي وقف المد الشيعي في افريقيا .
التفات متاخر   
ويبدو ان الحكومة التفتت موخر الى النشاط الواسع الذي تقوم به الجمعات الشيعية في السودان واصبح منتشرا في على مواقع التواصل، حيث اثار الإعلامي المصري أحمد المسلماني، جدلا واسعا في اعقاب حديثه عن انتشار التشيع وسط السودانيين برعاية من السفارة الإيرانية بالخرطوم، وقال إن عدد معتنقي الفكر الشيعي في السودان وصل إلى 12 ألف شخص غالبهم من طلاب الجامعات الذين يرتادون حلقات اسبوعية راتبة تقيمها الملحقية الثقافية الايرانية في الخرطوم. وأكد المسلماني في برنامجه "صوت القاهرة" الذي بثته فضائية "الحياة"، في الحادي والعشرين من اغسطس، أن السودان يسير في طريق خطر، لأن المسلمين هناك من الطائفة السنية، ولكن نشر التشيع في السودان يجعل هناك نوع من الفتنة، واردف بإن دراسة حديثة للمركز الإقليمي للدراسات أظهرت أن عدد الشيعة في السودان وصل لـ 12 ألف شيعي، وأن السفارة الإيرانية ترعى الأمر، وتعمل بشكل أفقي، لكن الخطر أن شباب الجامعة هو أكبر عدد يتقبل التشيع، وهذا خطر كبير جدا يتعرض له السودان، وزاد بأن المستشارية الثقافية الإيرانية تقدم أفلاماً أسبوعية تقرب من المذاهب الشيعية، وهو ما يمكن أن يبث نار الفتنة بين أبناء الدين الإسلامي. واستشهد المسلماني بفيديو للشيعي ياسر الحبيب، يتحدث فيه عن شيعة السودان وتعرضهم للاضطهاد، داعيا المتشيعين في السودان للتمرد على الرئيس السوداني عمر البشير، إلى أن تتحقق المطالب الشيعية في بلادهم. هذا الامر ازعج الجماعات السلفية في السودان مما جعل الجماعة الجهادية التي تطلق على نفسها "أبوحمزة " الشهر الماضي استهدافها كل من العضو المنتدب السابق لشركة سكر كنانة محمد المرضي التجاني بوصفه الممول لأفكار "الرافضة" في السودان، والنيل أبوقرون الذي تتهمه الجماعة بالترويج للمذهب الشيعي بينما ينفي الرجل عن نفسه تلك التهم.
الوجود الشيعي..
الوجود الشيعي معروف لدي الحكومة الا انها حاولت الحد من نشاطهم، ويجنح كل من يتحدث عن الشيعة في السودان من الخبراء إلى التخفي وعدم الإفصاح عن شخصياتهم الحقيقية، ورفض أكثر من شخصية سودانية معروفة بميولها نحو التشيع. ويقول مراقبون في الخرطوم  أن السودان من أكثر البلدان العربية التي تشهد حاليا تمددا في المذهب الشيعي، غير أن الأرقام تتضارب في العاصمة السودانية حول عددهم، حيث قال خبير في شؤون الحركات الدينية في السودان للشرق الاوسط إن وجود المذهب الشيعي في السودان حقيقة معاشة، هناك تضخيما في أعدادهم،الا ان مصادر اخرى قللت من عددهم وقالت ان من يضخمون عدد الشيعة في البلاد هم منسوبو المذهب أنفسهم، وقال: "كلهم لا يتعدون المئات القليلة"، معتبرا أن الحديث عن التمدد السريع للتشيع في السودان فيه الكثير من المبالغة.
الظهور العلني
الوجود العلني الحذر للشيعة في السودان بدأ منذ النصف الأخير للثمانينات من القرن الماضي، وهو ظهور منظم ولكنه حذر، وبدأ منذ قدوم حكومة الانقاذ، التي يتولى فيه الإسلاميون في السودان زمام الأمور، وذكر أن العمل المنظم للشيعة في السودان بدأ عبر ما تسميه الثورة الإيرانية المستشاريات الثقافية الملحقة بالسفارة الإيرانية في الخرطوم، حيث أظهر عدد من الكتاب والشخصيات المحسوبة على الحركة الإسلامية ميولا كبيرة للمذهب الشيعي.
ويرى خبراء في مجال المذهب الشيعي أن وسائل نشر المذهب الشيعي تتمثل في الندوات التي تقيمها المستشاريات من مناسبة إلى أخرى ترتبط بالمذهب الشيعي، ومسابقات تنظم في مختلف مجالات الحياة، وعبر ومنافذ تدريس اللغة الفارسية مجانا، وتوزيع الكتاب الشيعي بصورة واضحة على السكان مجانا، خصوصا في الأحياء الطرفية. ويقولون إن هناك الكثير من عناوين الدراسات في الجامعات تسعى إلى تقصي النشاط الشيعي في السودان، وإن أغلب الذين يقدمون هذه العناوين من ذوي الميول الشيعية.
الجنوح للسرية
وتقول تقارير غير مؤكدة إن للشيعة في السودان نحو 15 حسينية، أغلب هذا العدد في العاصمة الخرطوم، وأشهرها حسينية في الخرطوم شرق "قلب العاصمة"، ينظم فيها منتدى دوري يتناول الأمور الخاصة بالمذهب الشيعي، فيما تشير التقارير إلى أن عملها أقرب إلى السرية، "ليس تخوفا من السلطات السودانية، حيث تغمض عينيها حيال نشاطها، ولكن تخوفا من الجماعات السلفية"، وحسب التقارير فإن هذه الحسينيات تلحق بها مكتبات مقروءة وصوتية، وعبرها يتم الحصول على بعثات دراسية في إيران. ويتفق الخبراء على أن هناك ما يشبه الحبل السري بين الشيعة في السودان والطرق الصوفية، ويتفقون في الكثير من أساليب التعبد والاعتقاد، وحسب رأيهم فإن هذا هو سبب عدم حدوث أي مصادمات بين التيارات الفكرية الدينية والشيعة في السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////