إهداء:
للذين يألفون ويؤلفون ولكل كريم طروب
لشبابنا الذين أعادوا للوطن عافيته،ولنا التوازن والأمل،ولأرواحهم الطاهرة في الخلود
وهم شِدير وِدَيْ الوطن :
(حاسدك ياشدير كونك مقيم في بلادك
تموت فيها وتحيِّيك في البذور أولادك
تمد في الطين عروقك ومنّو تاخد زادك
ولوقطعوك تموت موت عز مركّزة في التراب أوتادك )
مدخل من غنا هذا الشاعر الكوني أحمد الفرجوني وسِر التضاريس "الدّفين" في جوهر الغنا:
(قُمْت من البحور ياسحاب رويّة عروقَك
ؤزي ماالدنيا سايقانا الهبوب بتسوقك
فيك رقّة ومحنّة ملانة بيها بروقك
ؤل رَيْ العِطاش ذرَفَن دموعَك شوقك)
(شيخ جبّال بلدنا تقا القبايل قيْلِي
بريدو وذاتو هُ في الريدة مو مبقّيلِي
حديث سر الجبال ال قالو لي في مَقِيلي
فضفضُو لي ولكنْ كشفُو مو باقِيلي)
)عيني تِلِج ونفسي بلا سبب متضايقة
قيدي قصير وحاكماني الظروف العايقة
وين وجّهت بلقاها القِبل مي لايقة
تقول راكب علي الرّيح أم عواصفا سايقة)
في رأيي أن شيخنا وعمدتنا الفرجوني هو الشاعر الوحيد الذي نوّع مواعين الغنا وأسلوب غنا المربوع وحقق فيه فتوحاً وزاد مردوده وقيمته.
للفرجوني تميز في الغنا وعمق وأسلوب يختلف عن شعراء فننا الشعبي.
وبالنسبة لي شخصياً فقد "فتّرَ" غنا الفرجوني ذائقتي وأتعبها جداً لأن الفرجوني عالم آخر.
لم يجد غنا وشعر وفن الفرجوني دراساتٍ نقدية منهجية وبحثية واجتماعية وإنسانية،تستوعبه وتبرز جمالياته وتهديه للذائقة السودانية عامةً وابناء البوادي والريف خاصة.
من هنا، يجب علي أبناء البوادي خاصة والمهتمين بالفن الشعبي من الباحثين السودانيين والمختصين في النقد الأدبي والبحث في التراث والعلوم الاجتماعية والإنسانية أن يرفعوا ظُلم الإبداع عن الفرجوني كمبدع إستثنائي يمثل رمزاً إستثنائياً لفننا وشعرنا الشعبي ويحمل كل قيم موروثنا .
ماوجدت أحداً من شعراء غنا المربوع تتداعى عنده الصور في تماسك وتناغم في المربوع مثل البهم مع أمّهاتها مثل الفرجوني الذي يتسم قاموسه بالعمق والإتزان.
وكذا الموسيقى والإيقاع الداخلي في غنا الفرجوني أجزم أنّه بلغ الكمال،لأن جُرس الأصوات والألفاظ والتراكيب في غناه نابهة جدا،وهذا من ذاكرته ومعرفته العميقة بفننا وشعرنا الشعبي وموهبته وبراعته ،وبعلاقته العميقةمع الطبيعة، وهي مصدر الوزن والإيقاع،ايضا هذه الأصوات وتراكيب الإسلوب ،كثيفة في الإيحاء بالمعاني في دلالاتها الصوتية وصورها الجمالية،وكل ماأردّد من غناه:
(وافر الكيل ؤتلْب الشّيل ؤخير العامَّة
صادق القول ؤمونة العول ؤنوم الهامّة
حِليل حسّان حليل ذاتو ونفايلو التّامَّة
حلاّل عُقدة الحِجَن الوّراهِن طامّة)
هذه موسيقة داخلية مدهشة جدا،ولولا أن هذا الربع رثاء، لقلت : هنا يوجد طرب داخلي كثيف،لكنني لا أقدر أن أقول :أنه قال المرثية وهوطرب، لكنني أجزم أن الأستاذ الراحل شيخ العرب حسان أبوعاقلة أب سن، هو من القلائل الذين "رايمتهم" روح الفرجوني المبدع والفرجوني الرجل العامر،وهنا مايقطع نياط القلوب:
(كبدي معلّقابك ياصديق شِبَّاني
أولادك جنايا وكلّهن حبّاني
ودّاً مِن قديم طوَّل بناه الباني
بتكّرّف نسيمكُن طِيبُو مابغباني)
ولقد وجدت صديقي النابه الأستاذ عبدالرحمن مساعد الكتيابي معجب بهذا الربع وله فنون في موسيقاه وإيقاعه الداخلي بل فضله علي بيت الخنساء الذي أعجب به النقّاد:
(ودأب سِن ؤكامل الحِن رحل فارقنا
ماهل الدّار ؤراحة الجار رحيلو حرقنا
قمر الليل ؤصمد الخيل كفوفو درقنا
مونتنا ؤخريف دارنا العليهو مرقنا)
الفرجوني صاحب غنا تشتاقه الذائقة القويمة كما أنه غنا عميق في علاقته بالأرض ومعالمها ويكون عرفانياً أحياناً حتي أنني أرى الجبال عنده في مرتبة عُمَّار البادية وأرى بعيني الربعة الزينة بينه وبين الجبال.
وللفرجوني أسلوب عميق جداً، لاتسمع أصوات وحركة تضاريس فقط، بل يتجلّى في أسلوبه كنه التضاريس والجغرافيا حتي تنكشف فؤاد روحها ولُحمة سداها، ويستنطقه،وهذا مقام المبدعين الحق:
(ناداني الجبل ها ودقدير صايحْلي
حسّو سمعتو في الليل والبرق لايَحْلي
جيتو قَلَدْتُو حنّالي ورَزَم رايَحْلي
وشدر الخاسة مِنُّو الفضّل اتمايَحْلي )
هذا المربوع عرفاني ،وفي عاطفة المريد لسوح المسيد،وتتجسد فيه كل قيم التعايش وعبقرية البادية وكذا عبقرية وعمق الشاعر،هذا لقاء "الرَّبيع لربيعه" أوالرفيق لرفيقه.
لوكنت أعرف لود الزمبارة لجعلت هذا المربوع لودة خالدة،من لود الزُّمبارة.
ثم انظر لبصيرة الشاعر وذكائه في قوله: (منّو الفضل اتمايحلي) وهي إشارة لجدب التضاريس وجور الإنسان وإبادته للبيئة.
ثم قفْ معي في: (رزم رايحلي) المشبعة بالحس الشعوري العميق الذي تتجسد فيه كل الدلالات الصوتية المعنوية والحسية، بل أن العاطفة الجيّاشة تحولت هنا من صوت (رزم) أي من الأذن إلي العين بصورة متحركة ولكنها للقلب مباشرة في (رايحلي)،ولأن شاعرنا شاعر كوني ورائي،نجدمتجذره بغناه صدق العاطفة،بصورة شامله لمن حوله،والتضاريس عنده ملهمة،وتتجلي عبقرية التراث والطبيعة،وعمق المعني وصدقه وحميمية البيئة والتضاريس وتفاعل الإنسان معها،لاحظوا معانقة شجر "الك/قِتر لشجر السُرَّيّح وحنين الناقة الفدور لفصيلها،الذي ضل من فلاته ومراحه،ثم وجدته ولحظة كرفها له:
(حَنين الكِترة ل السُرّيحًة ل الزول البَعارفُو
حناني ل أب عبيرا في الدعاشات كارْفُو
حنين الفاقِد الودّر جناهو مَشَارْفُو
أوكت ماتلِم وتتكرَّف جناها تعارفو(
من جمال غنا الفرجوني أنه يفتح لك آفاقاً إبداعيةً كثيرةً ويجعلك تتأمل طويلا.
مايُعجبني في غنا الفرجوني مهما يكن الموضوع مختلفاً والصورة الجمالية مباغتة وكثيفة الإيحاء، إلا أننا بحسّه الشعوري العميق نجد أن النسق الخفي تتجذّر به صورة البدوي العامر والدليل والعقيد فمثلاً في (الخيال والطيف) يقول:
(مِن القِبلة نوّار النجيمات هلَّا
ساق الليل عقيدهِن وب الغروب إتدلّى
زارني الطيف وحين شاف الصباح إتجلّى
خلي دموعو والنّدي فوق جرايدي وولّى )
الغنا هنا طيف حبيب زائر وبعد أن تستمتع بالصورة الجمالية دع الصورة المباشرة وعليك أن تستشفّ بحسك المرهف النسق الخفي.
وهنا تجد الدليل البدوي وعقيد الظعينة والبدويّ العامر (ومردوع بنات دورو) في إيحائه
(ساق الليل عقيدهن وب الغروب إتدلّى).
ثم تجد تضاريس البادية هنا بتشابك النّدي مع دموع الحبيب.
ويتجلّى تناغم أسلوب الشاعر في (حين شاف الصباح إتجلّى) فالندي لايأتي بدون الضوء أو الشمس.
وعندما تنصت وتتصنت بقلبك إلي(من القبلة نوّار النجيمات هلّا) وتنسى النجيمات والسماء وتسافر بخيالك إلي هاتيك النجوع التي في حنايا الشاعر الفرجوني، ترى نيران أهل البادية شبّت في الدّو والقناف والفرقان "متتوتلة" ونار السَّناف تهدي ضيف الهجوع والمدلجين ليلاً.
وكثيرا ماتلهمني الصورة النفسية للشاعر،للتعمق طويلا في إسلوبية الشاعر المتفردة،مهما يكون الموضوع،لأن غنا الفرجوني يقوم علي المعني الإستدلالي ،و فننا الشعبي أصلا قيمة اللفظ فيه في دلالته وفي الإيحاء وفيما يحدثه من حالة علي المتلقي ،وكثيرا ماأقف متأملا ومستمتعا في مآنستي مع نفسي مابين الصورة الحسية والذهنية والصورة النفسيةوتفكيكها،وكنت أجد المتعة،في كل غناه ونسقه الخفي العميق:
(فِيكَن طبعة الزّين يابنات أم قطفة
سعّانْكَن مِتلّج ل اللهايب بطفا
هجينكَن بِدْنِي فرقات النقيبات خطفة
وعاقلكن بريد شيل الخمام والعطفة)
(ياالبكرة الحَدارك وَسْمِك المعروف
عِز عِزَّك ضَرَاك الكُلَّ يوم مَضيوف
في أمّات العُقل فضلَن تلاتة خلُوف
وإضعضعتي بين الواجبة والمصروف)
غنا إبل لكنه يحتاج لذهنية عالية وذائقة راقية،وذاكرة تراكمية،وعاطفة وقَّادة،وفوق ذلك حِس البداوة،لأن طرائق الصياغة متفردة.
لاحظ المربوع الأخير والتلاحم والترابط،القائم بين،التركيب المباغت ،والحس الشعوري للشاعر،أي بين وسيلته الفنية،ورؤية الداخلية العميقة،هذا تجاوز للمألوف ،وتفرد خاص،فهنا لغة الشاعر،عميقة في طريقة صياغتها وتوظيف المفردة،ونباهة الشاعر لإستغلال خواص المفردات،وتنسيقها في تركيب متجانس ،ويزيدها روعة بمايفيض عليها،من عاطفته ومشاعره ،ووعي ذاكرته وفنون خياله،لاحظوا من إستهلاله:
(ياالبكرة الحَدارك وَسْمِك المعروف )
هنا تكمن عبقرية هذا الشاعر،لأنه ترك المتعارف عليه:"حدارك فرسان/سلاح/جيم...الخ)
وأتى ب:"وسْمَك المعروف" والوسم بالبادية كود يفتح شفرات إجتماعيةكُثُر منها:
أن يكون أهله شجعان أهل سطوة وقوة يتحاشاهم الهمباتة والسراجة"مكتولتهم مابتمرق".
ثانيا القيمة الإجتماعية لهذا الوسم،عند أهل المنطقة وماجاورها من البادية،وهنا تدخل كل قيم الريف السمحة،من مروءة وإيثار وكرم والربعة الزينة، وأن أهل هذا الوسم يعطون المنايح ويهبون الشايل وجمل العطفة وجمل السفر و....الخ.
ثالثا أن هذا الوسم معروف،ومهما ذهب به السارق بعيدا،لايستطيع بيعه،لأن التجار والكمسنجية والسبابة وكذا الضامن يعرفونه.
قلت: أن الشاعر كان نبيها في إستغلال خواص المفردات ،قال:
(عِز عِزَّك ضَرَاك الكُلَّ يوم مَضيوف)
لاحظ مفردة"ضراك" وحميميتها في لغة الريف تتعدى الضرى المألوف الحسّي،مثالا هنا:
(يامولايا عرب الرايقة هسّع باقي
دخلت ليّة الوادي الضراهو بتاقي!!)
إلي"ضرا" معنوي وهنا تضاريس عميقة جدا في حياة الريف وخواص الخواص،هنا:
(ياضُلِّي وضراي يوم السنين الجاحن)
ثم هنا معزة عجيبة:(فيكن طبعة الزين يابنات أم قطفة)
عاطفة حنونة،لاتجدها عند أصحاب الغنا"الدوداوة"،إلا عند أهل البداوة الحق.
(هجينكَن بِدْنِي فرقات النقيبات خطفة
وعاقلكن بريد شيل الخمام والعطفة)
بمعزة جيّاشة ،لك أن تضع "هجينكن" في مكان الصبي الذي يبطش في الرزق
و"عاقلكن" في محل العامر وكبير الأسرة وأجواد الفريق....
ولك أن تتذوق بعد ذلك!!!.
*شعراء البادية المتفردين أمثال شيخنا الفرجوني،أجزم أنني أجد شخصيتهم بدمها ولحمها،في غناهم،وأجزم أنني أعرف الكثير من الشعراء،ولم أقابلهم،ويقيني يوما ما،سيأتي فارس قلم ،ودارس منهجي،يثبت هذه الفرضية،ويعمل فتوح في الدراسات الجمالية النقدية،لفننا الشعبي،وسائر العلوم الإنسانية لإبداعنا.
حتي وإن كانت مجادعة للاصدقاء وغنا عادي مطايبة وتشجيع للشعراء،نجد التلقائية والعفوية بعمق::
(فضل العاطي قولَو: المِن وصالنا اتنذَّر
جبّار قلبُو لابحلم ولا بتعذَّر
ديسو الزي تعول الليل أوكت تتغزَّر
بقيدك بيهو ياصاحبي منو أتحذَّر)
*لاحظ "ديسو الزي تعول الليل وكت تتغزَّر"
هنا التشبيه حِسّي
ولكنه يأخذك لمعنوى بسلاسة في قفلة المربوع أي فكرته:
"بقيدك بيهو ياصاحبي منُّو إتحذَّر"
فكأنه يُهديك المتعة دون أن يفرضها عليك "بشويشي"،وعبر التأمّل
المعنى من السياق واضح نجده في جملة الشاعر،ولكن عمقه وباطنه معني آخر،والمتلقي صاحب الذوق،يعرف طبيعة هذه الصورة،هل هي نفسية!!!؟
وعلي طول تأخذنا ل "بِقيدك بيهو"
فالقيد هنا مانع ولكنه معنوي،ووسيلته حسية ودلالتها معنوية جمالية:
(الطول والغزارة).
وفي النسق الخفي وربطه بنفسية الشاعر،وحالة ولادة "الغنوة"،نستشف ما يُآنسنا
لاحظ"التعول والليل وديسو" كلها سواد في سواد،لكنها متجذّرة بحياتنا ونفسيتنا ومزاجنا.
ثم تعول أخرى ،تعول الهم التي تهطل علي الشاعر"الغريب البعيد" بالليل وسوادها،كتعول المطر وغزارتها ،وطول الهموم،"كديس" الممدوح،وما أعظم قيد الغربة وسواده!!!!
ودي مظانها في مزاج الشاعر وقتئذٍ.
لذا هذا السواد"ديسو الزي تعول الليل أوكت تتغزّر"،تحتاج لبارق ضو،يفج العتمة،ويلفت النظر عبرالقلب،وهنا نستشف جمال بسمتها،عبر النسق الخفي للجملة الشعرية،ونستشف ضوء الأمل وبارق فسحته.
شيخنا الفرجوني حباه الله بهباته والخالق يعطي عطاءا بلا حد،وكثيرا مايجعلني "أتونّس"،لوحدي مع نفسي بغناه،وبصوت عالي!!!.
مع أنه فتّر ذائقتي واتعبها،لكنه ،جعل ذاكرتي طروب وأهداها العافية والنشوغ،رغم محول الإبداع والتبديد،وجفاف الغنا:
(عينَيْ في السَّهر ليهن دهَر بتزّابَن
بِقَا في النّوم عيافْهِن ومِن مشارْعُو بهابَن
ؤزي ما كِبِرْتْ وعضَّام جسمي كلُّو اتغَابَن!!
جبّال البطانة نعلَّهِن ماشابَن؟)
طرائق الصياغة الباذخة جدا،وتراكيب التراكيب للصورة المتعدّدة،والتناغم والموائمة والتناسق "البِتالت قِرانهن الفرجوني".
المزاباه عند أهل البادية كالمباراة،مع مراعاة الحِس الشعوري،والتحدّي في المدن.
والمزاباه تكون عندهم في جَمال النِّعَم،وشحمها وولادتها وضرِيبتها.
الفرجوني عينيه"بتزّابَن" في السهر!!
والبهيمة من المحال أن تَعاف القِذى في الشرب بمشرعها، أي مكان موردها،إلّا الشديد القوي، ولكن عيونه "هابَن"مُشرعهن،ولم يردن وعافن.
ثم لاحظوا معي الموائمة والتناسق في إسلوبه،
(المُشرع/المزاباه) و"العوف" من القِذى في حوض ماء.
النوم يأتي مع راحة النفس،وهذا مُشرع لعيونه،والمورد هام جدا في حياة البادية،لأنه مكان المدامر للفرقان والدّكك.
فهنا الجفون كأنها حوض عينيه"الضايحة" في المشرع.
ثم تأملوا معي في الربع الثالث،قبل فكرته وحسن تخلصه:
(زي ما كِبِرْتْ وعضَّام جسمي كلُّو اتغَابَن) لاحظوا توظيفه ل "إتغابَن"،ومحمول دلالاتها
إنَّا لله،الخيال مع الإيحاء.
وحدك ياشيخنا تُهدينا بهجة الغنا والإستغراق في متعة الإستماع والأُنس مع الغنا.
الثقافة التراكمية"البيئة والتضاريس"،مع إتساع دائرة الرؤية،تولد خيال حد الأفق،
والروعة عندي أن الصورة الشعرية مباغة جدا،وتتداعى مع صورة أخرى،بالرغم أنها في طرف لسانك وفي دواخلك،وتأتي منسابة وبعفوية ودون تكلف وصناعة، ومن بيئة الشاعر وحقله الدلالي،لذا الحس الشعوري كان عميقا،مع حيوية الصورة الشعرية "ذهنية نفسية"،وهذا يظهر جليا في سؤال الشوق والمعزّة واللهفة،وأن يكون حُسن تخلصه:
(جبّال البطانة نعلَّهِن ماشابَن؟).
الذاكرة التراكمية وبيئة الشاعر وتضاريسه هوّيته،والمناخ والمزاج "يسرجان" جمر العاطفة المتقدة،ولاحظوا:("اتغابن" للعظام و"شابَن" للجبال)،هنا معزة للمكان والحيوان والإنسان والتضاريس والمعالم الجغرافية،التي تمثل أعلام الريف والبادية وشاهدة علي تاريخه الإجتماعي.
لدي ملاحظة من الدقة بمكان،حيث لاحظت أن الكثير من الباحثين الذين كتبوا عن فننا الشعبي،عزلوه من الأثر الإجتماعي وجهلوا ثقافته،وهذا خطأ منهجي وإبداعي،لذا كانت الدراسات هشّة،لأن أكثرها بحث قواعدي تعيس،يدور حول اللفظ والمفردة فقط،وفننا الشعبي قيمته في محمول اللفظ ودلالاته.
قلت أن شاعرنا الفرجوني نوّع مواعين الغنا وأتى بفتوح في غنا المربوع فمثلا نجد في دوحته غنا سمّاه غنا الجمال وفي رأيي الشخصي أن الشاعر يخاطب نفسه ولكنه وضع فيه عصارة تجربة الشيخ العامر المرشد :
(يالب المسافات البتقلي سَمومِن
قِدّامك بهيلِن وب وراك ملمومِن
مَطْوِلهِن ليالي الهَم علي مهمومِن
وغلت الليك جروحا ماها مارقة سِمومِن )
من فتوح شاعرنا الفرجوني أنه أدرك بذكائه وبصيرته أن شاعر الغنا الشعبي، وتحديداً المربوع ، إذا لبس ثوب الواعظ، فسيأتي غناه باهتاً و(حيلو منبت) وهو جوّال فلوات يعرف أن البدوي نفور من الوعظ في ثوب الغنا.
والبدوي لايهتم بمثل هذا الوعظ، وأهل البادية تضاريسهم وتقلبات الأنواء ولأنهم يتيمنون بأم بشار وبالفحل وأنجم السعد، فهم متأملون في رزانة وقد فهم الفرجوني ذلك تماماً وأشرك البادية في تأملاته بجعل (الجمل)، وهو سند قفا البوادي، قطب تأملاته.
الشعراء كُثر والمدهشون أيضاً ولكن الشعراء الأذكياء قلّة.
شاعرنا الفرجوني بذكائه وبصيرته، في هذا الغنا، جعل الجمل محور تأملاته، وهو يعرف جيداً أن الجمل هو أهم ركيزة لأهل البوادي في ترحالهم ونشوغهم ومدرتابهم وموطاهم ومدامرهم ،بل صار مثلا يضرب لنائبات الدهر وعوادي الزمان (جمل الشّيل)، كثيرا ما أجعل مثل هذا الغنا (قُشّاطة) أشدُّ بها حيلي:
(يالب المسافات البِتقلي سَمومن
قدّامك بهيلهن وب وراك ملمومن )
ولقد صدق شيخنا العارف البصير
والمتأمل في الحياة يجد أن مامضي من أيامنا صحيفة كتبت وذكرى إنطبعت في ذاكرة من عايشونا، لذا فلنستشرف المستقبل، ولكنه (بهيل) يحتاج إلي صبر ودِربة وإجتهاد. فكما أن الجمل المِقدر (لب) الفيافي والمسافات فإن الرجل ذو الهِمّة العالية والثبات علي قدر التحدّي وتقلبات الدّهر.
وإن كان الجمل يصارع العتامير و"العشانيق" (البتقلي سمومهن) فإن الإنسان أيضا يعافر في الحياة بخيرها وشرها وجفافها ورغدها.
(مَطوَلْهِن ليالي الهَم علي مهمومهن
وغلت الليك جروحا ماها مارقة سِمومهِن)
ويدهشني جدا،التنوع في الخطاب للجمل، إن كان (للنفس) أو (للقلب) وهنا خطاب لمقام وقلق:
(مالك يا الكروري ال في سدوك تسن
ناجع بالهويد متل ال مصايدك جن )
حتي هيأه للرُشد وعُمق المدلول:
(ماتسمع كلام البي السُّواطة بِزِنْ
لامك ولاّ لُمتواللّيك! بضيع الحِن)
وهنا خطاب لمقام مختلف وبه راحة نفس وإعجاب روحي أقرب إلي لغة الرّيف
(عشايا وخيري ومردوع البنات، ومردوع بنات دوري وشيّال الحِمول).
(قارح التيتل النوّاي عقيد ديرانو
درهانا بموّج في الخبيب ب جرانو )
لتتنزل شآبيب لغة العارفين إرشاداً علي سلوك المتذّوق:
(كعب اللستلام ياحويري في جيرانو
ونِدم الما رقع زول حِنُّو من مصرانو )
وهنا خطاب لمقام آخر وبه شدّة حيل،ولفت إنتباه ،لعاديات الزمن وتقلباته:
(دنّاي البعيد شرف الخلا المتسادي
بالك خطّو في المحِن أم قلاقِل هادي!) (قاف معطشة)
الفرجوني شاعر عبقري ونفله الخلود وهو من الشاعر الوحيد، الذي خلّد كل قيم ونبل البوادي والريف في غناه بدون مباشرة أو إساءة لأي إنسان والشواهد كثيرة جداً في كل غناه مثلما ورد في (المراثي) و(الجبال) و(غناالجمال).
في مناحة صديقه الأستاذ حسان أبوسن:
(ببكي عليك بكايا قي ضمايري جروحو
ب حزناً شديد غلبن لساني شروحو
درّاج الضعاف الخير مو دوب روحو
مفقود ال بشاشُولو الضعاف ؤبنوحو )
(تبكي عليهو أرض أجدادو تبكي بطاينو
ويبكي عليهو جودا من جدودو مداينو
يبكيه العشير ال كَابي فوقو وصاينو " كابي باء بلا شدّة"
ببكوه الضعاف ال لي بشايرو بعاينو)
(سرف القيف ؤبطر الضيف ؤارث أبواتو
تام الكيف ؤنيل الهيف خريف أوكاتو
زايلة وهلا ياحليلو النبيهة صفاتو
ياحليلو ال بعيش مرمي القبيلة شتاتو)
مناحة الشيخ محمدصديق ودطلحة:
(طبعك كلّو خير ياطيب المسمُوع
ؤخيرك للعشير لابقِل ولا ممنوع
بتراشي الفقير عام المحَل والجوع
ؤتشبِع المِكلّت بالغلا ومصقُوُع )
(غنا غبيش) بقرة ولكن بها عبقرية غاية في العمق في الغنا ،تتداخل وتتشابك مع بعض إنسان الباديةوالريف والمدينة،ولأن الشاعر فطرته سليمة جدا،وهو من أصحاب الذوق والجناب العالي،كثّف الرمزيةجدافي غنا غبيش، حتي إلي ماوراء الأكمة،مع أنه سلك طريق السهل الممتنع كأصالة لغنا "المربوع" وفي رأي أن غنا"غبيش" مع أنها بقرة ،لكن لاحظوا بناء فكرته، فالشاعر من حقله الدلالي وتفاعله مع بيئته،كان الإيحاء "بقرة"ولكننا من قلق الشاعر وحيرته وأفكاره ،نظن أنها رمزية إلي حكومة(الإنقاذ)،مع الحركة الإسلامية .
"غبيش" طبعها من أمهاتها"مراحها"،والإنقاذ ،نفيلتها من موردها أو منبعها "الحركة الإسلامية والتنظيم البعيد مثلا:
(مابتلّام غِبيش ممشاها فوق دادابها
هادي نفيلتا ال قامتبها وادابها
يومها ال تلعب أب جاعورتا وبردَابها
كلُّ ال مو نجيض بِتنُفْضُو من سردابْها )
(اللّوم مو عليك ياغِبيش تراك في صوبِك
ماتغطّيتي ب غير ال بليق ليك توبِك
مايتكدّر ال إنغشَّ بي ملعوبِك
يلزم صبرو يتحمّل قرِش لالوبِك )
(الحلّاب بجيها غِبيش بتاخد ترَّة
بتحندِد قرونها ول الكتال تنصرَّ
بِتسرّح لسانها تمرقو ظاهر برَّ
تتبحَّت متل جاموس فروش أم درّة)
اتأملوا معي هنا وهو يخاطب "غبيش"،ولاحظوا النباهة:
(وِلْدَنّك بعيد أمّاتك الخيّاب
وجابنّك دواديب البقر جيّاب
ل هسّع طبايعك كلّهن خيّاب
ياغبيش الحواجبك ورشرشك شيّاب)
هذان الربعان:( (وِلْدَنّك بعيد أمّاتك الخيّاب
وجابنّك دواديب البقر جيّاب)
تطابق مع أن التنظيم أتى من خارج الوطن لذا طبعهم مختلف!!!
لاحظوا الإنقاذ وإشعال الحروب في كل أنحاء الوطن،وإفقارها للناس،وخرابها للنسيج الإجتماعي وللإقتصاد مثل الزراعة والصناعة:
(غِبيش الفِي البَلَد مَشرية ماك تيلاد
إسمك حتي في جنس البقر مُوُ لاد
نكُور ؤسهيت ؤشرّادة ال قرونها غلاد
ؤخرّابةً بتصبح كل يوم في بلاد)
هذان الربعانن نابهان جدا في وصف الإنقاذ،وبنيتها الإجتماعية والسياسية:
(غِبيش الفِي البَلَد مَشرية ماك تيلاد
إسمك حتي في جنس البقر مُوُ لاد)
وهذان وصف حي لفتقها للنشيج الإجتماعي وخرابها الذي عم كون الوطن:
(نكُور ؤسهيت ؤشرّادة ال قرونها غلاد
ؤخرّابةً بتصبح كل يوم في بلاد)

نترك "غنا غبيش" ولنا كتابة منفصلة عن (دوحة الفرجوني) لأنني أوقن تماما،بأنني لم أعرف شاعرا وصف الإنقاذ،والحركة الإسلامية مثل الفرجوني في "غنا غبيش".
وفي غنا (الضيف) و(البخيل) لم يقصد الفرجوني أحداً بعينه ولكن الغنا هنا وعاء و"وِقي" لكل قيم الريف السمحة من مروءة وإيثار وكرم و.....الخ.
أدرك تماما مهما كتبت عن شيخنا الفرجوني وطلعت سناف المفردة وتجولت في وديان عبقر، وتواهقت نوق أحرفي بعتامير الكتابة والغنا سيظل الفرجوني عقال طافر الغنا ودليل مداقمات الكلام وصندل الإبداع والفن وصاحب الوقت لشعرنا الشعبي،وكما خاطبته ذات أُنس عبر عشانيق الواتساب:
(بشاشيبي البريق نامت الصباح البوَّح
وغناك الرايْمُو قلبي الفي المشارِع ضوَّح
بِرْوِي مِحُولْنا مو الدّوْدَاوْ صَبيبُو شلَوَّح
وقشَّط أضاة وِدَيْ عبقر بعد ماصوَّح)
وهو الشاعر الوحيد الذي آليت علي نفسي أن لا أكتب عنه إلا بعد أن أقرأ غناه وشعره وأستوعبه جيداً.
لكنني أكتب هنا بصفتي من حيرانه وتلاميذه.
عندي شخصيا أن شاعرنا الفرجوني نسيج وحده في الغنا ،لذا يلزمني أن أتعمق جيدا وأتأمّل شعره ثم أكتب.
وإلي ذلك الوقت إن مد الله في العمر، سوف أكتب عن غنا وصلني حديثا لشاعرنا الفرجوني غنا(ياشِدير الوِدَيْ):
(ياشِديرالودي إنت الصِّدق سوّيتو
وجَذَرْك في تراب وَطنك غَرستُو ليتو
أنا ياشدير براي لَفْلَفْتَ قلبي طَويتُو
طُفْت بلود ولاقيت ناس وغير وطنك وطن مالقيتو
******************************
يا شدير الوِدي إنت الوطن مافتَو
ورقك منّو بتشيلو وعليهو تحتَو
ياتيهين ؤزي ماغلطت برضوغِلطتو
أريت كان متّ في وطني وأريتكم متّو
************************
ياشدير الودي الفي الأرض متجذَر
ثابت في مقامك وبي بعض متغزّر
أنا ياشدير نسيت مابقيت نبيه متحذّر
شباب الحي وعمر الحب قضيتي غريب وكسبي تعزّر
****************************
حاسدك ياشدير كونك مقيم في بلادك
تموت فيها وتحيِّيك في البذور أولادك
تمد في الطين عروقك ومنّو تاخد زادك
ولوقطعوك تموت موت عز مركّزة في التراب أوتادك
*****************************
أريت كان الشّدر بادلني بي عرّاقو
وخلي عروقي في وطنا عذابي فراقو
كان نجّاني من حرا بِموت الضاقو
وكان ناسن بريدهن قالودني وفرحو بيّا وراقو
******************************
ياشديرا علي عُقد اللّنيس إتبانت
حليل شدر البقر ياحليل عقيدة بانت
مالها الدنيا شنيت تب بعد مازانت
وزي ما انت رحت عدمت برضو اتمحقّت واتفانت
*********************************
ياعُقَد الخوالدةالكان شَدرهن عامر
علي سكّانو بي كِرّو الغزير متضامر
صحيح خرب الدهر وأصبح حنينو يحامر
ماتو خلاس خيار الناس وفاتوا انفض كل السّامر
***************************
الله ياشدير البنا الله ياالشديرة أم ضُل
محل ماتهفّي لي بكرف نسيمك فُلْ
تبّن فيك وِرودو يزيل عطيش الغُل
ضايقة ضعينة نازلة عليك وضايقة سروح أرايلا حُلْ
****************************
ياشدر العَرافي المن صباح باقِيلن
إيديّاتك تجيك الموية ماسكة مَسيلن
كتيراتن هناك ضُق بي القنيص هافيلن
قلبي بتوق وشايلو الشوق عليهن وروحي بتشاشيلن
*****************************
ياشدر أم بروش واحيات ابوك وحاتِي
أبقي نسيتي ولا طريت زمان جياتي!!؟
شدرك فيهو كم ضايق مقيل يوماتي
ضاربو الضل وبتّالب سفيرك فوقي حاتو الشاتي
*****************************
ياشدير ماك براك سكن العطش في عروقك
الفي الغربة نارو أحّر من نار شوقك
الجرسنا والخلّى الصبر في طوقك
قمر بلدك وشمْس أهلك ضياهن موجو نازل فوقك
******************************
ياشدر البطانة الفي العطش متصبر
سنين محلة وجفاف فوقك بقت بتغبّر
انت لِزمت وطنك بي العرض متجبرّ
ونحن ترانا في غربتنا ضايعين لاخبر لامخبّر
*******************************
ياشدر العديد خبرني حزنان مالك
عساك طيب واريت ماتبقي خربت حالك
زمان مطرك كتير وغزير وأبيض فالك
أريتو الشال بلدنا جميع يكون ناسيك غفل ماشالك
***********************************
ياشدير متل مابربحوك سوّوك فحم محروق
كتر جور السنين وأبت النفوس ماتروق
غرز ضرع الزمان مافيش صحاح لي بروق
وإنت الفاس موطية فيك بتكبُر والوطن مسروق
**************************
ياشدر أم سريبة الكنت ناعم ضُلّك
بترقص بي الفروع أوكت السحابة إطلّك
زي مااتبّكوك خلوك صقيعة محلّك
كتر الجور وعسف الحق والوطن العزيز إتهلَك
******************************
ياشدر البطانة الموجعات ماشويّة
بعد ماكنت عمار خلّوك محلك صيّة
مادام الزمان بقي حكمو جور وازيّا
موت قبال يجو يحرقوك وانا حرمان علي الجيّا
********************************
ياشديرن زمان في امَات قماري مقامك
متغزر ورا وباهل الشواك قدّامك
هل نزلك وراي ضيف بي محبتو حامك!؟
ولا الضيف كمان جافيتو من شدة ظلم حكّامك
***************************
ببكي عليك شديد ياشدير وببكي وطنا
وبنعل حظنا الدون الدول عطّلنا
ياشدير وين قماريك والدباس الطنا
هجا وفات ونحن النار مراير الغربة هاردة بَطُنا
**********************************
ياشديرن علي القلعة أم رعد متشابي
زمنك كان شباب أيام صباي وشبابي
كم لله في ضلك غداي وشرابي
قبل يجينا هاالزمن المغيّروفي الظلم مزّابي
***************************
أنا شدير نديدك والزمن كبرني
إت حرقوك فحم جاني الصديق خبرني
أبلع عبرة عبرة وعبرتن تجبرني
تنزل تف وارخي الزّم أقول إمكن عسي تصبرني )
إختيار الشاعر لرمزية (شجير الوِدَي ) رؤية فنيّة جديدة في غنا المربوع لها مدلول عميق بفرقان ودكك البادية خاصة وبالريف السوداني عامة وبالوطن الأم وبعُمّار البادية والريف وبقيم الريف السمحة ،السماحة ،المروءة، الإيثار،الكرم ،الوفاء،المحنة ،المعزة،الترابط والتكافل ،الإحترام ،وحتي الإبداع والطرب المعافى ،وإنسانية السودان التي تمثل روح الوطن وجماله، وبدونها السودان "جتَّة" وبَوْ.
الفرجوني ينوء بأعباء ثقيلة من التراث تنثر ذاكرته القليل منها في غناه، (وعي يتجه نحو الماضي) ويكثف خياله القريب من المجتمع لا الغريب عنه (وعي نحو المجتمع) ويظهر هذا جلياً في غنا (شدير الوِدَي) حيث بثّ، ببراعته في الغنا، الروح في الجماد وخاطب الطبيعة جمعاً بتداعي المعاني في ثلاثية مباغتة جدا: الاقتران الزماني والمكاني والطبيعة؛ التضاد والتباين؛ التشبيه وبلوغه الكمال فيه.
أولا غنا (شِدير الوِدَي) لم يكن مراهنة سهلة،كمايتراءي للمتذوق أو المتلقي، من الإستماع الأول، لأن الشاعر سلك أسلوب السهل الممتنع، كأصالة لغنا المربوع، ولكن الشاعر بذاكرته التراكمية وبراعته في فنون الخيال سلك مسلكاً وعراً برؤية فنية كثيفة المدلول علَّ ذائقتنا تجد "كودا" واحدا لفك شفراتها.
نجد في هذا الغنا تجسّدت عبقرية البادية المتمثلة في (الربعة الزينة) وهي أعظم مصطلح إجتماعي إنساني عرفه أهل البادية.
فقد استقى أهل البادية أعرافهم الجميلة وقيمهم النبيلة من سماحتهم وتداخلهم في حِلهم وترحالهم.
سماحة المتصوفة وتعلقهم بالمكان وتعلق المريد بهم لسلوكهم القويم.
نجد أن شاعرنا الفرجوني، بعمقه وتناغم أسلوبه في الغنا ،وإبداعه وعاطفته المتقدة، قد جعل المتلقي، متعلقاً بغناه، وووظف خياله وذاكرته ،بوعي نحو المجتمع والماضي ،حتى جعل المتلقي متعلقاً بإسلوبه العميق ،في مخاطبة الجماد والطبيعة، مع عاطفته المتقدة ،وكل التشبيه هنا مرتبط بالحياة والقيمة الإنسانية، حيث نجد صورة "الشدير" لم تتداعَ إلا مع صورة الحياة الكاملة للقيم الإنسانية السمحة للريف والبوادي ووطننا الحبيب.
أجزم هنا بوجود رؤية كثيفة المدلول وعميقة لم تفتح لنا باب بصيرتها ..
مثلا هذا الربع (شباب الحي وعمر الحب قضيتو غريب وكسبي تعزّر)
( أريت كان متّ في وطني وأريتكم متّو) هنا توجد دلالات كثيفة وتنوع في خيال الشاعر،أولاً كأنه يشعر بحرقة ،أن المتغرب عن الوطن، يفوته عِز الناس بالناس، مهما استعان بالمال ،حيث توجد قيم إجتماعية، تفلت منه ،وهذا الإحساس، لايحسه إلا الرجل ،عامر الفرقان والدكك والدّور والقرى والريف.
تتجلي هنا "الفسالة" ،التي فتكت وساعدت في فتق النسيج الإجتماعي ،وخاصة في الريف، حيث عاد زمن القيمان من جديد.
ونجد في هذا الغنا نوستالجيا ،للزمن الماضي ،بكائية علي ضياع الوطن ،وهنا البكائية لم تكن بكائية رجل عادي.
وإنما حسرة بائنة جدا، لرجل قامة وعلم من أعلام المدينة والريف والبوادي ورمز من رموز الوطن، ساهم في تكوين وطنه بقيمه السمحة.
حسرة علي ضياع الطبيعة وبخل التضاريس وعلاقة الإنسان بها وجور الإنسان علي الطبيعة. إنها ليست حسرة فرد وإنما حسرة عميقة،لأنها حسرة دليل يمتطي بعيره و(يركب دور) ليبحث عن المرعي والمياه لنشوغ الفرقان والدكك والنِّعم ويعرف تماماً ماذا تمثل التضاريس والجغرافيا للبدوي والريفي.
حسرة علي ضياع القيم من مروءة وإيثار وتكاتف وترابط.
لم تكن الحسرة هنا حسرة رجل وفرد وإنما حسرة رجل عامر قبائل وريف يسعى إلي حل المعضلات من مشاكل الريف؛ حسرة عامر (ماهو دابو وداب رقبتو)، لذا النوستالجيا تختلف والحسرة تختلف والحنين يختلف والبكائية تختلف.
إذا قلنا أن النوستالجيا:
(هي آلية دفاع يستخدمها العقل لكي يرفع المزاج ويحسن الحالة النفسية لنفس فقدت قيمتها).
فهنا يوجد اختلاف عميق لأن الشاعر يرى أن قيمته لوطنه فهو بعيد "مكتّف ومقيّد" من العطاء الروحي، لم يكن عطاءً مادياً، وإنما عطاءً في إصلاح مجتمع.
(أريت كان مُتّ في وطني وأريتكم متُّو )
يتنوع أسلوب الشاعر في كل مربوع حيث يكون الخيال مختلف والذاكرة تختلف في وعيها نحو الماضي:
(الله ياشدير البنا الله ياالشديرة أم ضُل
محل ماتهفّي لي بكرف نسيمك فل
تبّن فيك وِرودو بزيل عطيش الغُل
ضايقة ضعينة نازلة عليك وضايقة سروح أرايلا حل )
هنا ازدادت عاطفته إتقاداً لأن المخاطبة هنا لفرقان الشاعر ولداره الصغيرة لذا نجد هنا (الضُّل) رمزية يتجه الخيال فيها نحو المجتمع الصغير(الأسرة)،وفي ذاكرة الشاعر التراكمية وعيٌ بالمأثور من القول لحكيم البوادي وعامرها أبوزيد الهلالي:
(الضُّل الرّهين الرجال).
وفي الربع الثاني: ( محل ماتهفّي لي بكرف نسيمك فل). هنا تتقد العاطفة إلى أبعد مدى وتذهب مباشرة للوالد والإبن (حُلو الشّم الجنا).
وفي الربع الثالث يذهب خيال الشاعر وذاكرته إلي بيت البنّا العامر بأهله وبالناس والجمال والقيم السمحة والمثل الخالد(حوض الضايحة).
(ياعُقَد الخوالدةالكان شَدرهن عامر
علي سكّانو بي كِرّو الغزير متضامر
صحيح خرب الدهر وأصبح حنينو يحامر
ماتو خلاس خيار الناس وفاتوا انفض كل السامر )
عُقد الخوالدة، هنا العقد تقودنا للفرقان مباشرة ولعمار البادية والريف في نسقها الخفي والناس الزينين الذين طاب بهم الريف.
وهنا بلغ الخيال ذروة الكمال في تناغم الأسلوب والتباين والتضاد (حنينو يحامر).
ويظهر جليا إنعكاس الفساد السياسي علي النظام الإجتماعي وإفساده تماما وفتق نسيجه الإجتماعي؛ (ماتو خلاس خيار الناس وفاتوا إنفضّ كل السامر).
(ياشديرن علي القلعة أم رعد مِتْشَابي
زمنك كان شباب أيام صباي وشبابي
كم لله في ضُلَّك غَدايْ وشرابي
قبل يجينا هاالزمن المغيّروفي الظلم مزّابي ).
تدخل البيئة بقوة في أسلوب الشاعر في هذه الصورة المباغتة جداً؛ القلعة (الجبل)، تلامس السحاب والدلالات الصوتية مثل هزيم (الرعد) وتتحول من الأذن مباشرة إلي العين في لوحة من السمو والشموخ برمزية الشجر (متشابي) وإقتران الزماني (عمر الشدير) مع صبا وشباب الشاعر ليأخذنا إلي زمن الطيبة والتواصل والتراحم (كم لله في ضُلَّك غَدايْ وشرابي) والحسرة علي ضياع هذه القيم بوصول هذا النظام الفاسد وكأنه يتفاخر ويتباهي بالظلم (متزابي).
فننا الشعبي أوغنانا الشعبي ،أو أدبنا الشّعبي،به ثراء تواصلي عميق مابين الإنسان والحيوان والبيئة بتضاريسها إن كانت "مِحول" أو خريفاً ولكن الإعلام أفسدها جداً، بل إن بعض من الشعراء والمغنيين شوّهوها بإضافاتٍ أفقدتها كل (الدلالات الشعورية) من معزة وعاطفة.
(ياشدر أم بروش واحيات ابوك وحاتِي
أبقي نسيتني ولا طريت زمان جياتي
شدرك فيهو كم ضايق مقيل يوماتي
ضاربو الضل وبتّالب سفيرك فوقي حاتو الشاتي ).
في هذا الغنا تتحقق جمالية النظم،عن طريق التلاحم والترابط القائم بين التركيب المباغت والحِس الشعوري للشاعر أي بين وسيلته الفنية ورؤيته الداخلية العميقة.
ففي هذا المربوع يتجاوز أسلوبه الإبداعي المألوف من النظم إلي التفرد الخاص، فهنا لغة الشاعر عميقة في طريقة صياغتها لا في المفردات فحسب، وإنما إستغلال الشاعر بنباهته لخواص المفردات وتنسيقها في تركيب متجانس جداً ويزيدها روعةً بما يفيض عليها من عاطفته ومشاعره ووعي ذاكرته وفنون خياله.
(شدرك فيهو كم ضايق مقيل يوماتي
ضاربو الضل وبتّالب سفيرك فوقي حاتو الشاتي )
فهنا ليس شجر يُعطي ظلّه وثماره (سفير) تتساقط بهبوب نسمات الشتاء وإنما توجد رؤية يتفقدون "وِقي" رباعتهم في تكاتف وتراحم ويهبون المنيحة والعيش وسائر المال.
يدهشني جداً خيال الشاعر الموحي الذي يضيف علي الصورة الجمالية التي يراها الشاعر يضيف إليها صفات روحية تؤثر بالنفس لأن للخيال إرتباطٌ كبير بالعاطفة:
(ياشديرا علي عُقد اللّنيس إتبانت
حليل شدر البقر ياحليل عقيدة بانت
مالها الدنيا شنيت تب بعد مازانت
وزي ما انت رحت عدمت برضو اتمحقّت واتفانت )
مدهش جداً إستهلاله ومباغت في: (ياشديراً علي عُقد اللّنيس إتبانت)، فالعقد تقال للشجر وللناس وللفريق، واللّنيس والأنيس تقال للنبات وللناس، ومبانتت الشجر تقابل مبانتت خيم البدو وتوتال فريقهم، ف"شدير البقر" و"عقيدة بانت" في مقام فرقان بدو (إتنايوا) بالأودية أيام مدرتاب، وفي ذاكرة الشاعر تسكن البادية بأيّام بهائها وتجلياتها وكأن ضياع البادية والريف وتلاشي قيمه السمحة مربوط بانمحاق وفناء الدنيا فهنا يدعو الأسلوب المتلقي لتفكير عميق لأن الشاعر عنده الدنيا لا تساوي شيئاً إن خلت من القيم الإنسانية.
لاحظنا أن الشاعر أطال الربع الأخير من كل مربوع.
والتطويل هنا في رأينا متعمد وهو من تفرد الشاعر؛ أولا لأن الغنا يدعو لقيم الإنسانية السمحة وهذه القيم لاحدود لها وكلما كثرت صلح المجتمع،كما أن الصبر حبله ممدود وطويل وكذا فرقان البادية متّتوتلة في نزولها، و(شدر الودي) جماله في توتاله وأجمل لوحة للنّعم أن تكون متسربلة، أثناء رعيها، وفي المقابل إذا اصابها الهزال عندما تغادر المورد "تنش" من المشرع تكون متسربلة لا مجتمعة، وهذا من ذكاء ذاكرة الشاعر وفنون خياله وكذا جمال قطيع الصيد في حركته أن يكون متسربقا. هذه كلها صور جمالية في ذاكرة الشاعر وفي خياله المؤتلف الذي يجمع صوراً مختلفة تستدعي صوراً أخري.
إضافةً إلى ذلك فإن تطويل الربع الأخير خلق تواصلاً مابين إحساس الشاعر والمتلقي إن كان إبن بادية أو ريف أو مدينة.
وكما يقول جون بوفون:(الإسلوب هو الرجل) فشاعرنا الفرجوني كان وفيا لحقله الدلالي وأصيلا في غناه،وكان يضع قيم الريف السمحة،رقيبا علي سلوكه،وحفيا شغوفابها،وكان عميقا كتضاريسه وجغرافيته.
ختاما يقول أمبرتوإيكو: (في اللحظة التي يتم الكشف فيها عن دلالة ما ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة،الدلالة الجيدة ستأتي بعد ذلك.
إن الأغبياء هم الذين ينهون التأويل قائلين:
"لقد فهمنا".
إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النّص يكمن في عدمه).
*ولتطابق مقولة هذا الأديب الناقد،أثناء ختامي لكتابةهذا المقال،تخيلت أن تطويل الربع الأخير،أيضا رمزية لإعجاب الشاعر بطول قامة هؤلاء الشباب،الذين كانت نهاية الإنقاذ على أيديهم الباتعة وصدورهم المقدامة،وأرواحهم الخالدة سرمدا.
*ننوه هذه كتابة عن محبة،ومن كاتب هاوي ،أعتمد علي ذائقته وذاكرته، وليست دراسة نقدية جمالية،لكاتب مختص،فنرجو عذرنا إن وجد القارئ بعض الجرأة والكثير من الهنات
فالمحبة تشفع لنا.
الفرجوني شاعر مفارق وأتى بوعي جمالي مفارق،،لأن تجربته الإبداعية متفردة في كل خصائص الغنا،وأهمها عندي عنصر المباغتة،وتحويل المألوف عندنا،للوحة فنية ببراعة تصويرية مهولة،مع وفاء لحقله الدلالي ،لذا يحتاج ناقد وكاتب وباحث مفارق أو مختلف، حتي يكون نصه الجمالي الموازي،لنص الفرجوني الفني مفارق،لكي يحدث لنا هزة جمالية مفارقة،لأن تجربة الفرجوني الجمالية والإبداعية مختلفة ومتطورة جدا ،علي الغنا المتداول في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والوسائط،وحتي في ماقرأت من مكتوب، وحتي نساعد في الإرتقاء بالذائقة الفنية،التي اتلفها الشعراء المنتحلين والباحثين المشعوذين،وأملي كبير في المختصين والدارسين المنهجيين من أبناء وطننا الجميل.
(ألبارِح هُجوع وَكْت السحايب كَرّن
عينَيْ ياصديق من الغميد إتبرَّن
الشّوق في ضماير قلبي حَبُّو اتْجَرّن
شافنُّو القماري اتقاسَمنُّو وفرّن)
تجمع الشوق في "أحاسيس قلبه" وصار جُرنا، والمدهش جدا ،أن القماري،حطت علي "الجُرن"،وتقاسمته وطارت،ويقيني أن هذا "الجُرن"،هو غنا الفرجوني وإبداعه.
*وصية من محب لشبابنا المختصين في الدراسات النقدية،ولديهم ثقافة بفننا الشعبي أقول:
شخصيا أعرف يقينا أن الخلود للشاعر وليس للناقد،ولكن من أراد لنفسه الخلود،فعليه بغنا وشعر شاعرنا الكوني أحمد عبدالله البنا الشهير بالفرجوني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.