عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

توقعت ان يكون التعقيب ردا على مقالتي التي نشرتها على صفحات ، سودانايل بالعنوان المذكور اعلاه، ولكن فوجئت بان ما اورده السيد عصام ،عبارة عن نص للاستاذ محمود محمد طه ،ورد في كتابه الرسالة الثانية من الاسلام ،وأحسب أنه ليس هناك خلاف موضوعي حول مضمون ما ورد في مقالتي ،وما ورد في الكتاب المذكور فيما يتعلق بموضوع التعقيب، فلم أقل بأن الجهاد أصل في الإسلام ، ولا أحد يقول بذلك، أو أن الحرب ضرورة من الضرورات في الإسلام ،وحتى لا يتوهم القارئ بأني أقول غير ذلك فإني أورد بعض ما كتبته في مقالي .
فتحت عنوان ، السلام وليس الحرب أساس علاقة المسلم مع الآخر،بينت أن الإسلام دعا إلى السلام بين الأمم والشعوب، وبين المجتمعات المتعددة الأجناس، المختلفة الأعراق واللغات والثقافات والعقائد، وحمل تلك الدعوة والتزم بها المسلمون. وقد أقام الإسلام دعوته إلى السلام على الأسس التالية:
أ-قد أمر الله المسلمين أن يتجهوا إلى السلم والدخول فيه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، البقرة: 208، وحث المسلمين على قبول السلم إذا رأوا من أعدائهم ميلاً له، والاستجابة لدعوة السلام، إذا صدقت نية الطرف الآخر في التوصل إليه. يقول تعالى:(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (، الأنفال: 61. وقوله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً)، النساء: 90، فهذه الآيات البينات، جاء فيها الأمر بقبول السلم من غير المسلمين إذا جنحوا إليه، ولم يبادروا المسلمين بعداوة أو قتال.
ب- شجع القرآن الكريم وحث المسلمين -في العديد من الآيات-على إحسان الصلة بمن يخالفونهم في الدين والعقيدة، ودعاهم الى الإلتزام بمبدأ العدل في معاملة غيرهم، والبر بهم ما داموا غير مقاتلين، ولم يعتدوا على المسلمين.كقوله تعالى :( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). الممتحنة:8.
ج-أمر الإسلام بأن تبدأ علاقة المسلم بالآخر، بدعوته إلى الإسلام، وأن يكون ذلك عن طريق الحواروالجدال بالحسنى، والموعظة الحسنة، فقال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل:125.واوردت العديد من الوقائع والنصوص التي تبين أن هذا المبدأ لم يكن مبدأً نظرياً فحسب ،بل طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم ،وخلفاؤه من بعد،الأمر الذي يدل على أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم لا الحرب، وأنَّ البداية معهم ينبغي أن تكون دعوتهم إلى دين الإسلام كمرحلة أولى لا يسبقها غيرها، وفي هذه الحال لا يعدو الأمر أن يستجيبوا لتلك الدعوة، أو يردوها من غير أذى أو معاندة، أو يقفوا في طريق الدعوة ويمنعوا المسلمين من البلاغ، وتبعاً لذلك تتحدد علاقة المسلمين بهم على النحو التالي:

1-فمن استجاب منهم للدعوة، واعتنق دين الإسلام، أصبح أخاً للمسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم. قال تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) التوبة: 11.
2-ومن لم يقبل الدخول في الإسلام، لكنًّه لم يقف في طريق دعوته، ولا قاتل من يدعو إليه، وسالم المسلمين سواء كان من أهل العهد أم لم يكن. فأمثال هؤلاء يكون الأصل في حقهم المسالمة، ما لم يعتدوا بقول أو فعل. وعلى هؤلاء تحمل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم، وأباح فيها الإحسان للآخر غير المسلم، كقوله تعالى :( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ")، الممتحنة: 8. وقوله:( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) النساء:5. قال الشوكاني رحمه الله تعليقاً على هذه الآية: " فإن اعتزلوكم ولم يتعرضوا لقتالكم وألقوا إليكم السلم أي استسلموا لكم وانقادوا، " فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً"، أي طريقاً، فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه". (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (محمد بن علي الشوكاني) ، 1/742.)
3-من لم يرفض الإسلام فحسب بل وقف في طريق الدعوة إليه، أو نقض عهده مع المسلمين، أو اعتدي على أحد منهم بقول أو فعل، أو خطط لذلك مستقبلاً، فهؤلاء الأصل في حقهم الحرب، وهي المرحلة التالية لدعوتهم إلى دين الإسلام. وعلى هؤلاء تحمل الآيات الواردة بقتال المشركين، كقوله تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ، البقرة 193 ، وقوله تعالى : ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، التوبة 5، وقوله تعالى :( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ) البقرة :191.والمراد بهؤلاء الذين أمر الله بقتالهم في هاتين الآيتين-كما يدل سياق القرآن- كفار مكة الذين قاتلوا رسول الله وصحابته وأخرجوهم منها. ، وقال الله تعالى في حقهم: " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ". فأمر الله بقتالهم أنى كانوا، لأنَّهم آذوا رسول الله  ، وصحابته-رضي الله عنهم-،وأخرجوهم من ديارهم،ووقفوا في طريق دعوتهم للإسلام.قال ابن تيمية رحمه الله : (القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ) ،البقرة: 190(مجموع فتاوى ابن تيمية (ابن تيمية )، 28/354.) وقال الإمام النووي رحمه الله: (الناس صنفان: فأما الذين قاتلوا أهل الإسلام أو أجلوهم عن أوطانهم أو أعانوا على شيء من ذلك، فمن الظلم المنهي عنه أن يتولاهم المسلمون، ويحسنوا إليهم. ولهؤلاء وأمثالهم شرع القتال ليفسحوا للدعوة سبيلها. وأما الذين لم يفعلوا شيئاً من ذلك، فلا على المسلمين جناح أوحرج في الإحسان إليهم والبذل لهم." ( المنهاج في شرح صحيح مسلم (النووي ،: ج 1 /98-99..) وأما قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً)، التوبة: 36. فهذا من طريق المقابلة الجماعية أمام تكتل المشركين الجماعي. وهو أمر لكافة المسلمين المُقاتلين بمحاربة كافة المشركين المقاتلين.لا قتال كل مشرك،كما فهم البعض. قال ابن كثير رحمه الله تعليقاً على هذه الآية: "كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضاً لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون. ويحتمل أنَّه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم".( انظر:هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أم الحرب؟(عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل) في: http://www.islamtoday.net/bohooth/artshow-86-4230.htm.
وفي مبحث ،الحرب في الإسلام ضرورة وليست إستراتيجية، بينت في المقال، أن القرآن الكريم أعلن أنَّ القتال أمر مكروه ،واستثناء وليس القاعدة ،وهو ضرورة تقدر بقدرها .وليس هو السبيل إلى تقدم الأمم وتطور المجتمعات وازدهار العلوم والحضارات كما تدعي بعض الفلسفات،كما انه ليس الأساس الذي ينبغي ان تقوم عليه العلاقة بين الناس. يقول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة:216. كما نهى النبي  عن الرغبة في الحرب، وتمني لقاء العدو وقال :"لا تتمنوا لقاء العدو،فإذا لقيتموهم فاصبروا" (صحيح البخاري.كتاب الجهاد والسير ،باب لا تمنوا لقاء العدو .رقم:3026.)، وهذا يدل على أنَّ حالة الحرب حالة طارئة، لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قامت أسبابها، وتوافرت دواعيها. فإن قدر للمسلم لقاء عدوه، فالمشروع حينئذ الصبر والثبات، وإعداد القوة.
أسباب الحرب ودوافعها في الإسلام: قيد الإسلام الحرب بقيود تهدف إلى تضييق نطاقها، والتخفيف ما أمكن مما يترتب عليها من مآس وآلام، ومن ثم فإنَّ الحرب في الإسلام لا تشرع إلا في الحالات التالية:
- الدفاع عن النفس: قد شرع الإسلام -في العديد من الآيات القرآنية-القتال واباحه للمسلمين في حال الإعتداء عليهم أو ظلمهم أو مقاتلتهم. كقوله تعالى :( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ،فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، البقرة: 190-192، وهذا حق مشروع كفلته كل القوانين البشرية والأديان السماوية والوضعية ،وأباحت لمن اعتُدِيَّ عليه أو ظُلِمَ أن يدفع عن نفسه العدوان، ويرفع الظلم الذي يقع عليه. ورغم أن الإسلام أباح للمسلم رد العدون، ومقاومة الظلم والسعي إلى رفعه، فإنَّه قيد هذا الحق بعدم تجاوز الحد في القتال، وعدم التعدي فيه، والمعاملة بالمثل ،كما أشارت إلى ذلك الآية السابقة. وحروب النبي  ، التي خاضها ضد المشركين، كان المشركون فيها هم المعتدون أو المتسببون في القتال، بأسباب مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يؤكد أنَّ الأصل مع الكفار السلم لا الحرب، ولو كان الأصل معهم الحرب لكان النبي يبدؤهم بذلك. والمتواتر من سيرته ، أنه لم يبدأ أحداً بالقتال.كما أنَّ رسائل النبي ، إلى الملوك والأمراء، ودعوته لهم بالدخول في الإسلام ، يدل على أنَّ الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم السلم، والبدء بالدعوة الى الحق، ولو كان الأصل الحرب لما أرسل الرسول إليهم رسائل، وإنما بعث إليهم جيوشاً لمحاربتهم وقتالهم.وهذا الموقف موقف مبديء وليس رد فعل تجاه المستشرقين الذين زعموا ان ألإسلام اتشر بالسيف:ومن العجيب ان يرد في الكتاب المشار إليه على خطأ القول بأت الحرب في الاسلام دفاعية ،"وقد ظن بعض علماء المسلمين أن حروب الإسلام لم تكن إلا دفاعية ، وهذا خطأ قادهم اليه حرصهم على دفع فرية بعض المستشرقين الذين زعموا أن الإسلام إنما استعمل السيف لينتشر".( الرسالة الثانية في الاسلام)
- الرد على من نقض العهود: كما شرعت الحرب في الإسلام للرد على نقض المعاهدات ونكث العهود من قبل الآخرين، أو سعيهم في الكيد للإسلام والمسلمين. يقول سبحانه وتعالى: (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) التوبة، 12.
- درء الفتنة: قد يشرع القتال لدرء من أراد فتنة المسلمين عن دينهم، والسعي بالفساد بينهم، وتهديد سلامة المجتمع والدولة الإسلامية. يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، البقرة، 193.
- رد الظلم: كما تجوز الحرب لرد الظلم ورفع الاضطهاد عن المستضعفين، ومن لا قدرة لهم ولا حيلة على رد العدوان.يقول تعالى:( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً)، النساء: 75. وقوله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) ، الحج: 39 – 40،وهذا حق تضمنته كل المواثيق الدولية ،بل إنَّ المنظمة الدولية للأمم المتحدة أعطت لنفسها الحق بالتدخل العسكري في مثل هذه الحالات،وهو ما وقع كثيراً في العقود الأخيرة. التخفيف من آثار الحرب وآلامها: كما وضع الإسلام من التعاليم ما يخفف من آثار الحروب وآلامها ،ويقلل من شرورها-حينما تقع-ويخفف من ويلاتها، إذا ما اضطر المسلمون إلى خوضها. فوضع من الضوابط ما يمكن أن نسميه "آداب القتال وأخلاقياته" أو قانون الحرب ومن تلك الضوابط:
حماية غير المقاتلين من النساء والصبيان والعجزة، والشيوخ ،وغيرهم ممن يطلق عليهم المدنيين، وعدم التعرض لرجال الدين الذين انقطعوا للعبادة ولم يشاركوا في الحرب، فهؤلاء جميعاً يأمر الإسلام بحمايتهم وتوفير الأمن لهم.فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " أنَّ رسول الله  رأى في بعض مغازيه إمرأة مقتولة ،فأنكر ذلك ،ونهى عن قتل النساء والصبيان". وقال: " لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً و لا امرأةً"..كما يؤكد هذه المعاني ما ورد في وصايا الخلفاء لقواد الجيوش من ضرورة مراعاة هذه الآداب واخلاقياتها في الحرب.
عدم استخدام الأسلحة الفتاكة: ، أو ما يعرف بأسلحة الدمار الشامل مثل: الأسلحة الكيماوية، والأسلحة الجرثومية، أو القنابل النووية، أو القنابل الحارقة، التي تؤدي إلى هدم الدور وحرق الأراضي وتدمير المباني، وقتل الحيوانات.فهذا كله من الإفساد في الأرض الذي نهى عنه الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) البقرة:205. وقد ورد في احدى وصيا أبي بكر رضي الله عنه لقائد جيشه:" ولا تقطعن شجراً مثمراً ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن".
احترام الإنسان المحارب حياَ وميتاَ، إنَّ الرجل المقاتل هو إنسان في المقام الأول، ومن ثم أوصى الإسلام بوجوب حفظ كرامته إذا قتل أو جرح أو وقع أسيراَ. فقد أمر الإسلام بحسن معاملته حياً أو ميتاً، وأوجب دفن الموتى وإحترام إنسانيتهم. ففي حديث يعلى بن مُّرة قال: " سافرت مع النبي  غير مرة فرأيته إذا مر بجيفة إنسان فلا يجاوزها حتى يأمر بدفنها و لا يسأل مسلم هو أم كافر". ولما قتل مشركو قريش في بدر أمر الرسول  بأن يحفر لهم حفرة ويدفنوا فيها. وأما الجرحى فأمر الإسلام بعلاجهم ورعايتهم، ونهى عن قتلهم، فقد قال  عند فتح مكة : " ألا لا يجهزن على جريح و لا يتبعن مدبر ،و لا يقتلن أسير ،ومن أغلق عليه بابه فهو آمن".، ونهى النبي  عن التمثيل بالقتلى والجرحى، ومن وصاياه  للمقاتلين: " اخرجوا باسم الله،تقاتلون في سبيل الله من كفر،لا تغدروا، ولا تغلُّوا و لا تمثلوا،و لا تقتلوا الولدان".
أما الأسرى فقد منع الإسلام قتلهم، وأمر بإطعامهم ورعايتهم وعلاجهم، فقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) الإنسان: 8-9.كما جعل لهم أسباباً كثيرة لاطلاق سراحهم أو فدائهم.
وهنا لا بد من الإشارة الى مصطلح الجهاد وما ارتبط به من سوء فهم، وتصويره بأنَّه يوجب مقاتلة غير المسلمين والقضاء عليهم باعتبارهم كفارا. وحقيقة فإنًّ الجهاد في المصطلح الإسلامي يعني بذل الجهد والطاقة في القيام بأمر معين،ومن ثم استخدم مرتبطا بالقرآن كما في قوله تعالى: (فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) الفرقان:52، إشارة إلى جهاد الدعوة والحُجة وذلك ببذل الوسع والطاقة في مدافعة الباطل الاعتقادي والفكري بهذا القرآن ، وذلك بابلاغ آياته والاحتجاج ببراهينه وبأحكامه وعقائده ،وما فيه من زواجر ،وهذا النوع من الجهاد سابق ومقدم على جهاد السلاح والسنان، وذلك - كما قال ابن القيم -: «لعظيم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه»، ولأنه لولا قوة الحجة، لما أفادت حجة القوة، ولما أدت شرعة الجهاد مقاصدها من الهداية والإصلاح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ولأنَّ المجاهد بلسانه يكون جهاده أخوف على نفسه؛ لأنه يكون بين ظهراني من يجاهدهم، وتحت سطوتهم في الغالب" ( زاد المعاد في هدي خير العباد،( ابن القيم )، . 5/3 ).أما الجهاد بمعنى القتال فإنه لا يقع –كما أشرنا- إلا إذا كان لضرورة معينة،ويجري وفقاً لضوابط مشددة، ولا يصح أن ينال المدنيين المسالمين، ولا يجوز أن يكون فيه دمار شامل للإنسان أو الأشياء النافعة للإنسان. ومن هنا يتبين أنَّ ما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة من قتل للأبرياء وتعد على الناس ،وانتهاك للحرمات ، أعمال منافية لأدب الإسلام في السلم والحرب، ومخالفة لنصوص القرآن وهدي الرسول  ،وبعيدة عن الروح العامة للدين الإسلامي.ولا صلة لها بمفهوم الجهاد الإسلامي.
ولعل المشكل الذي وقع فيه الأستاذ محمود ،هو تعامله مع ما اصطُلِحَ عليه من تقسيم القرآن الى مكي (ما نزل قبل الهجرة) ومدني( ما نزل بعد الهجرة) ،ومخالفته بذلك كل من تقدمه من المفسرين والعلماء ،الذين ميزوا بين المكي والمدني من حيث أسلوب كل منهما والقضايا التي ركز عليها ،وان المكي ركز على قضايا العقيدة،وبعد الهجرة والبدء في تكون المجتمع المسلم،كان من الطبيعي ان يكون التركيزعلى القضايا التي تنظم المجتمع الجديد،وتضع الاحكام التي تضبط مسيرته.ولم يفرق ايا من المسلمين بين القرآن المكي والقران المدني من حيث توجه الخطاب والمخاطبين وزمان الخطاب.لقد تفرد محمود بدعواه ان ما ورد في القرآن المكي من تعاليم تمثل اصول الاسلام ،التي خوطب بها المسلمون ألاوائل ،ولكن لم يستطيعوا تحملها، ومن ثم خفف عليهم بما عرف بالقرأن المدني بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .وبنى على هذه الدخوى زعمه بأن الإسلام رسالتان، رسالة نزلت على النبي في مكة وعمل بها في خاصة نفسه،بعد ان عجز المخاطبين عن تحملها ،والرسالة الثانية هي التي قام عليها المجتمع الإسلامي في المدينة ، وترتب على هذا السؤال عن من يبلغ الرسالة الثانية بعد وفاة الرسول دون الافصاح عن الالتزام بها .ولم يملك محمود ان ندب نفسه لأبلاغ الرسالة الثانية ،وورد في كتبه ما يفهم منه انه هو المختار لبلاغ الرسالة الثانية، والسؤال الذي حاد عن الاجابة عليه بوضوح، هل القول بأنه الرسول بعد محمد، ومن ثم زعمه بعدم ختم الرسالة والنبوة ،في مخالفة صريحة للقرآن الكريم، الذي وصف الرسول بأنه خاتم النبيين .الامر الثاني الذي لايقل خطورة عن ذلك، زعمه بأن الاسلام في صورته االمدنية التي بلغها الرسول وطبقها صلى الله عليه سلم في مجتمع المدينة، لا تصلح للبشرية في القرن العشرين ،الذي شهد تطور البشرية في مختلف مجالات الحياة ،ومن ثم دعا الى ابطال الجهاد الذي ليس من اصول الاسلام ،وذكر سلسلة من المسلمات بأنها ليست من أصول الاسلام ،كالطلاق، وتعدد الزوجات ،والتمييز بين الرجل والمرأة في الميراث،وعدم الالنزام بالزكاة ذات المقادير،والدعوة الى تبني الاشتراكية ،في المال مستدلا بقوله تعالى ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)،وقوله برفع الصلاة ذات الحركات عنه وابتداعه لمصطلح "صلاة الأصالة"، الى غير ذلك القضايا التي اطلقها من غير ان يقدم ادلة مقنعة على صحتها ،وفي المفابل اثار مخالفوه من الححجج وقدموا من الأدلة لابطال دعاواه ،الامر الذي نتهى به الى حبل المشنقة.ولا نود الخوض في هذه المسائل لبعدها عن القضية محور النقاش. ،ولكن في مجال الرد على التعقيب والقول بان الجهاد ليس اصلا في الاسلام ،فقد بنى الاستاذ هذا القول على ما وضعه من مباديء في تفسير القرآن وفهم تعاليمه: قرأن الاصول وقرآن الفروع ،وان البشرية قد تقدمت ومن ثم لايصلح لها اسلام الفروع ،وللرد على ذلك يمكن القول بان الرسول هو الموكل اليه بنص القرآن بيانه للناس:( وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ،ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ان المكي من القرآن هواصول الإسلام ،وان ما نزل بالمدينة مؤقت ومحدود بزمانه او زمان معين،وانه سيأتي زمان يعود الناس فيه الى اسلام الاصول التي زعمها الاستاذ محمود. اما القول بأن البشرية تطورت ومن ثم لايصلح لها اسلام القرون الماضية فهذا زعم باطل يدحضه واقع المجتمعات والشعوب التي تعيش في عصر التقدم المادي والتقني والعلمي ،ولكن لازالت وستظل بكل مستوياتها متذبذبة في الجوانب الإنسانية ،فلا زالت الحروب واسبابها مستمرة ،ولا زالت المظالم منتشرة بين الناس ولا زال تعدي الانسان على اخيه الانسان مستمراً ،فالإسلام جاء بمباديء عامه في مجال السياسة وتقلباتها، وفي مجال الإقتصاد وقضاياه ،والإجتماع ومشكلاته ،وترك للناس حرية التفكير عن طريق الاجتهاد واعمال العقل، ان يصلوا الى ما هو انفع لهم.ومن ثم لا يمكن القول بأن نظام الاسلام في الحكم نظام، ديمقراطي ،وفي الاقتصاد نظام اشتراكي ،ورغم ان الإسلام يلتقي مع تلك النظم في ايجابياتها ،فإن هناك كثيرا من السلبيات التي تجنبتها تعاليم الاسلام .وفي موضوع الجهاد الذي هو مدار التعليق نجد انه في هذا القرن كما في كل القرون ،نجد اصنافا من البشر يتخذون مواقف مختلفة من الإسلام كما اشرنا من قبل: فمنهم من يستجيب للاسلام ويقبل به ، ومنهم من لا يقبل الدخول في الإسلام، لكنًّه لايقف في طريق دعوته، ولا يقاتل من يدعو إليه، ومنهم من لم يرفض الإسلام فحسب بل يقف في طريق الدعوة إليه، أو ينقض عهده مع المسلمين، أو يعتدي على أحد منهم بقول أو فعل، أو يخطط لذلك مستقبلاً.فكل من هؤلاء يحتاج الى خطاب معين،والى معاملة خاصة اشرنا لها من قبل، ولا احد يقول بان من حارب الاسلام واعتدى على حرماته يعامل معاملة من عاهد المسلمين وسالمهم.ومن هناك كانت سعة نظرة الاسلام الى الآخر وتعامله معه،فالجهاد ليس اصلا كما شرحنا من قبل لكنه وسيلة لابد من استحضارها في التعامل مع الآخر،والحرب ليست ضرورة ،ولكن قد يضطر لها المسلمون في حالة التعدي عليهم أو سلبهم حرياتهم في الدعوة،او دفع ما يقع عليهم من ظلم،فالغاء الجهاد بهذه الطريقة ليس امرا منطقيا ولا عملياً.
واخيرا فانه مما يلاحظ على اتباع الأستاذ وتلاميذه ،انهم ظلوا أسرى افكاره ومنهجه، رغم ان ما اقام عليه مذهبه يقوم على استخدام العقل واطلاق حرية الفكر والخروج على المألوف وما هو شائع بين الناس ،مهما يكن ضعف ما جاء به ،وتهافت حججه التي بني عليها افكاره.واسلوب التلميذ الذي علق على مقالتي خير دليل على ما اقول، اذ لم يكلف نفسه النظر في ما كتبته وتقييمه في السياق الذي اوردته فيه ومناقشة ما سقته من دفوعات ،بل اكتفي بأن ساق ما كتبه استاذه حول الموضوع.!!!