قد تبدو من الوهلة الأولي جسامة وعظمة الإصلاحات التشريعية التي تقوم بها حكومة الثورة الانتقالية تحت مظلة التعديلات المتنوعة في القوانين المختلفة ولا سيما القوانين التي تتصل بحياة الناس مباشرة عن طريقة آليتي التجريم والعقاب ؛تحت شرعنات ومسوغات معالجة أوضاع قانونية عاجلة لا تحتمل استمرار الأوضاع في ظلها ،وهكذا جاءت المحاولات الإصلاح التشريعية التبعيضية والتجزيئية لمخاطبة نظام قانوني تئن ألماً من جراء سيطرة وتمكن السرطان في أي عضو من أوضاع جسمه القانوني، تارة اللجوء الي أسلوب الترقيع والتصليح وطُورا أخري تبني أساليب غير منتجة لخلق توليفة قانونية لمكونات نظام قانوني تربط بينهما علاقات التناحر والفوضوية المحضة ،وبعبارة اقل تجريدا؛ أن تخريجات النظام القانوني للحركة الإسلامية طوال فترات حكمها والتي تمتد اثرها لتاريخ اللحظة وما عكستها من ممارسات قانونية سالبة علي المستويات الإدارية والمدنية والجنائية ،قد جعل عامة الناس يقبلون بهذه المحاولات التشريعية التبعيضية في ظل بقاء الفلسفة والحاضنة القانونية التي أوجدتها ،لذلك نعتقد أن مثل هذه الإصلاحات يمكن أن تعمل علي تكاثر وتوالد أوضاع قانونية مضطربة للغاية علي صعيد الممارسة التطبيقية في فضاءات العدالة المختلفة ،بسبب تضارب المراكز والفلسفات القانونية ،مع العلم إن النظام القانون القائم جعل من سيادة وسمو الشريعة الإسلامية علي مصادر المشروعية الأخرى بما فيها مصدر الشريعة العامة والنظام المدني وجميع الأعراف والتقاليد الراسخة في السودان ،ويمكن القول بالكاد ،أن مثل هذه المحاولات الإصلاحات التشريعية ضرب من ضروب الفوضى التشريعي التي اتسم به المشرع السوداني منذ تأسيس دولة الهمبتة الأيدولوجية ، لماذا ؟ لان هذه الإصلاحات التشريعية عارية تماما من أي فلسفة قانونية لنظام دولة المواطنة التي من أجلها تضافرت وتلاقحت كل إرادات الشعوب السودانية، بل علي العكس بُنيت هذه الإصلاحات التشريعية علي الفلسفة القانونية القائمة علي أطروحة المشروع الحضاري، وهذا الجانب الخفي الذي لا يدركه كثير من الثوار والثائرات الذين تشوهت أنظارهم ببريق التعديلات مثل إلغاء عقوبة الردة، وإعادة صياغة جريمة الدعارة، الخ، أن عصارة القول ،لا معني ولا قيمة لهذه التعديلات دونما هدم بالكامل لفلسفة المشروع الحضاري!.

كان ينبغي علي حكومة الثورة الانتقالية علي انزال مطالب الثورة السودانية ولا سيما المتعلقة بالعدالة عن طريق الاستعجال في إنشاء المؤسسات المُناطة بإجراء الإصلاحات التشريعية اللازمة حتي تكون متوائمة مع المبادئ الثورية وقواعد العدالة والممارسات التطبيقية المتفق عليها دوليا ،أن غياب المنظومة التشريعية قد أضافت بعدا فوضويا مؤسسا لعملية الإصلاحات القانونية التي تقوم بها حكومة الثورة الانتقالية ، ما كان يجب فعله أساسا هو تقديم رؤية إصلاح قانوني شامل يستهدف ويقوض أسس بناء دولة المشروع الحضاري بالكامل ،ويجب أن تسبق هذه العملية علي الأقل الاتفاق علي مبادئ وقواعد دستورية تكون مصدر المشروعية العليا وهادية لعملية الإصلاحات التشريعية العامة ،وبهذه الطريقة يمكن حسم حالة الفوضى التشريعية القائمة في البلاد والتي انعكست اثرها حتي في مدارس التعليم القانوني والأحكام التي تصدرها المحاكم وجميع أجهزة العدالة في السودان ،الاتفاق علي دستور تحدد مصادر المشروعية بشكل واضح دون لبس ،أي دستور تكون أساس لدولة المواطنة القائمة علي الحقوق والواجبات ،والذي يجب أن تتوائم وتتوافق جميع التشريعات والقوانين واللوائح والأوامر مع أحكام هذا الدستور .
أن التعديلات المتنوعة في القوانين ولا سيما القانون الجنائي والإجراءات الجنائية والأحوال الشخصية في ظل إبقاء فلسفة المشروع الحضاري والتي بُنيت علي اساها القوانين ،قد تولد الكثير من الإشكاليات علي صعيد الممارسة التطبيقية ،ولا يستقيم مع المنطق القانوني السليم مثل جمع بين حالتي التحريم والتجريم في الفعل الواحد علي أساس الدين أو أي أساس آخر، كإباحة شرب الخمر لغير المسلمين وتجريمه في الوقت ذاته للمسلين ، وان كانت هناك فلسفة قانونية واضحة لاختلف الوضع ،فيمكن أن يقوم المشرع بصياغة نص مفتوح لشرب الخمر مع وضع قيود متعلقة بمراعاة السلامة العامة ومنع الأخلال بالنظام العام وعدم الجواز إعطاءه للأطفال الذين لم يبلغوا السن القانونية ...الخ كما هو الحال في كثير من دول العالم ،ولان المشرع وجد نفسه في ورطة نظام قانوني قائم علي فلسفة المشروع الحضاري لجأ الي خلق هذه التوليفة القانونية الزائفة ، وتنسحب ورطة المشرع علي جميع الجرائم الدينية في القانون الجنائي علي النحو الذي ظهر تناقضه بل عدم معقوليته في جريمة شرب الخمر !،إذن لا معني لمثل هذه التعديلات من الناحية التشغيلية ومن ناحية استراتيجية تحقيق أهداف الثورة السودانية لتأسيس دولة القانون والمواطنة ،كان من الأجدر أن يتم إلغاء جميع القوانين وتقديم مشروعات قوانين جديدة وخاصة القانون الجنائي والإجراءات الجنائية وقانون الأحوال الشخصية وقانون الشرطة والقوات المسلحة وقانون الجنسية والجمارك واي قانون آخر ،ولضمان انسجام عمل المنظومة القانونية في البلاد يجب الاعتماد علي مصادر مشروعية عليا لا تستند علي دين معين ،وهذا هو أساس دولة المواطنة والحقوق .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.