خارج المتاهة

——————————- 

فاجأ الدكتور حمدوك كافة الأطراف بإقالة حكومته ، حكومة الثورة للفترة الانتقالية ، فاجأ الجميع بمن فيهم قحت باعتراف أعضاء من "المركزية" بأنهم سمعوا الخبر من الاذاعات !!
وبغض النظر عن مناقشة كيفية الإقالة وصحتها ، نظامياً ، أو دستورياً .الخ ، ننظر إلى أصل الأشياء وآفاقها المستقبلية :

١
قوى الحرية والتغيير "قحت" وهي القيادة السياسية لثورة أهل السودان في ديسمبر ٢٠١٨ هي التي أتت بالدكتور عبدالله حمدوك رئيساً لحكومتها بدلاً عن أحد من أعضائها أو رموزها من الداخل من السياسيين الذين قادوا المعارك ضد النظام الساقط ،فكرياً وسياسياً ، وواجهوا كل أشكال التعذيب البدني والمعنوي والمعاشي داخل وخارج بيوت أشباحه ومعتقلاته ، ويعرفون دهاليزه ، منعرجاته وأقانيمه .. إذاً ، تم اختيار حمدوك تغليباً لتجاربه الثرية في النهوض باقتصاديات شبه منهارة في افريقيا وفي شخصه "نزاهة ، خبرة وخلفية سياسية تقدمية" ، ليسخر تلك الخبرات والعلاقات والمزايا في خدمة الثورة وأهدافها ، وجعلوا له حرية اختيار أعضاء حكومته من بين ٣ أسماء ترشحها قحت لكل وزارة ، ولم يسأله أحد ولا هو سأل أحداً(فيما نعلم) عندما أتى ببعض الأسماء ، رجالاً ونساءاً ، من غير مرشحي قحت بل ومن خنادق معادية تماماً مثل أحد سفراء النظام الساقط المبررين لسياساته في دارفور في المحافل الدولية حتى آخر لحظة ..
هذا في الوقت الذي تقف فيه قحت و "مجلسها المركزي" مترددةً تلف صمتها بضجيج أسمته (لجنة تفكيك النظام و.. و..الخ ..) تخلق بها حيويةً وهالةً حول نفسها وحبالاً تشد بها الجمهور ؛ هل هذا وقته ؟ وهل يحتاج انجاز المهام الصغيرة ، بالمقارنة ، إلى برامج تهليل وإلهاء ؟ ، لا ، هي منها ومن بعض عناوينها الفرعية .. فأين العلة ومكمن الداء في هذه الحيرة والتجاذب ؟
لن نتحدث عن أخطاء البداية فالتجربة جديدة ، ولا عن الخروقات التي جرت وتجري للوثيقة الدستورية ، لن نتحدث عن تغول المكون العسكري وارتباطات بعض أطرافه بقوى النظام الساقط ومع أحلاف إقليمية ، وليكن الحديث أشجاناً تحلق على أهم المطلوبات ..

٢
تحقيق التحرر والحريات في مجتمع يتحسس الخطى نحو تحقيق الوحدة والاندماج الوطني وفق خطة واضحة ومنهج جاد هو الأرضية التي تنمو فيها المساواة وتسود العدالة ، وهي ككل تمثل أهم تجليات الديمقراطية ، لتأتي مناهج التربية والتعليم وتعمل منها مادةً أساسيةً تنتج الفرد الديمقراطي تفكيراً وسلوكاً ورؤىً هو الأساس المتين لتوطين الديمقراطية في مجتمعنا على المدى البعيد ، لإستدامتها ..
فكيف لكل ذلك أن يحدث دون نهضة إقتصادية أساسها ونكهتها هي سعادة الناس في معاشهم سهولةً ووفرةً واطمئنانًا على صحة العيال وتعليمهم ، وفي بيئة نظيفة ؟
وكيف لمثل هذه النهضة الاقتصادية أن تحدث دون سلام وطيد يعم بقاع البلاد كلها ، سلام شامل يمضي عميقاً يغزل من جذور الحروب الاهلية وأسبابها أنوال المحبة والتعاون والاستقرار والاندماج بين كل المجموعات السكانية شرقاً وغرباً ، شمالاً وجنوباً ووسطاً .. سلام لا تصنعه المفاوضات في الخارج وحدها مهما كان ذلك الخارج وإنما الحوار في الداخل بين أبناء الوطن ، رفاق النضال المدني والعسكري الذي امتد ثلاثين عاماً ضد نظام الجبهة "الاسلاموية" الساقط أمام ثورة الشعب الجبارة في ديسمبر ، رفاق الهم الواحد والتفويض التاريخي الواحد ..

٣
والحديث عن إقالة الحكومة وانفراد حمدوك لا يكون إلا بالإشارة إلى واقع قحت وأزمتها وفي هذا نبدأ بالتأكيد على احترامنا وتقديرنا لكل مكوناتها، لكل الأحزاب..
مرحاً باحزاب : الأمة القومي ، البعث الأصل والقومي ، الشيوعي السوداني ، المؤتمر السوداني ، الاتحادين .. أنتم وزملاؤكم في بقية أحزاب قحت أساس التغيير والتحول الديمقراطي في البلاد ، ولكن ، وللأسف ، تقول الحقيقة وواقع التجربة العملية الجارية أن ممثليكم فيما يسمى "المجلس المركزي" قد استغرقتهم الصراعات الذاتية والتنافس على المناصب والنفوذ ، لم يعودوا جديرين بموقع "الحاضنة السياسية" لحكومة الفترة الانتقالية ، انصرفوا عن مهمتهم التاريخية إلى معاركهم الصغيرة فانصرف عنهم حمدوك وأصبح مكتفياً بآراء جهة واحدة من مستشاريه وخاصته .. رجاء التاريخ منكم قبل أن ينصرف عنكم ، ومن ينصرف عنه التاريخ ويخسر فرصته فيه يكتبه في صفحاته الخلفية المظلمة ، رجاؤه منكم أن تصححوا نهجكم وتعودوا إلى أهداف شعبكم وثورتكم وأن تغيروا شخوص ممثليكم بمناضلين من الأجيال الجديدة في أحزابكم ، اتركوا مقاعد القيادات التنفيذية لأبناء العصر وأقعدوا مقاعد المستشارين والخبراء وانعم بها من مقاعد وعي بمنطق التاريخ ومقتضياته ، تطلون من شرفاتها على نهر الثورة العظيمة يشق عباب النهوض والانطلاق لوطنكم وشعبكم ، استشاراتكم وعصارات تجاريبكم أسمدةً ورحاقاً للمسيرة . إذ من المهم أن نميز بين المرحلتين : مرحلة إسقاط النظام ومرحلة إرساء دعائم التحول الديمقراطي والسلام والنهضة الشاملة ومقتضيات كل من المرحلتين ، المرحلة الحالية تحتاج تنظيماً مختلفاً يعتمد كافة الاحزاب السياسية مجلساً لقيادة قحت ، قيادة تسمو فوق كل الخلافات والصراعات ، كل المصالح الذاتية وصغائر الأمور ، بوصلتها الوحيدة هي الوطن ومصالح الشعب ، جديتها عبقاً يعطر الارجاء ويأسر الحكومة سلطةً تنفيذيةً لخططها ورؤاها..
الإصلاح العاجل الناجز لا يكون إلا بإصلاح قحت وتغيير هيكلها وتفكيك الهيمنة "الماسونية" السرية داخلها بتأسيس مجلس قيادي من رؤساء كل أحزاب مكونات قحت يعمل في الضوء ، تحت أبصار الصحافة وإشراف الشعب وحراسته ، عندها فقط سنجد رئيس الحكومة يعمل باستشاراته وخططه ..

٤
ولأن للاقتصاد ومعاش الناس ترجيح معنوي وفكري ضاغط ، ودون تفصيل كثير ، نتطلع أن تكون وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي حكراً على اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير ، لأن ، دراساتها ، خططها وقدرات بعض أعضائها تمثل اجابات شافية وعميقة للنهوض الاقتصادي والاستقلال الوطني الحقيقي ، وفيها البديل التاريخي لنهج النظام الساقط وسياسات الدكتور ابراهيم البدوي ... اتركوها كاملةً لهذه اللجنة ؛ تأتي بالوزير وبالخطط ..

انها الثقة في الثورة وحتمية انتصارها طال الزمن أم قصر ومهما كانت العقبات وحيل الأعداء المريضة ..


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.