مصر مصرة على اللبط: مصر عندها ماء يكفيها عشر مرات وأكثر... لكن طموحات مصر فوق طاقتها يحولها إلى دولة طمع فقط. ببساطة مصر عندها ماء يسقى ضفاف النيل وما امتدت منه من ترع، وتسقي مدنها كلها وقراها وما عندها مشكلة. ولما بنت السد العالي، كانت تقول أنها تريد ترشيد الاستعمال في التحكم في المواسم، وفوق ذاك توليد الكهرباء، وبالتالي لم يرّ السودان طمعاً منها ليكون له حصة في تلك الشراكة، وضحى بالأرض السودانية والتهجير لمواطنيه في أخطر هزة للبنية الأساسية من الوطن والانتماء.
لكن مصر، مثلما قلنا تورطت في حرب الستة أيام وتفكر في إلقاء عاتقها على السودان الذي استطاعت أن تبني داخله دولة أقوى من الدولة السودانية، ولسماحة أهل السودان، والذي تعتبره ضيعة من ضياعها، فكرت أن تمد إسرائيل بماء النيل كما تعهدت، وبعد أن حاولت الاحتيال عليها وفشلت، فكرت تمدها من ماء النيل خارج حصتها، وكأن النيل ملكٌ لها. ليس ذلك فقط بل بدأت طموحات (طموعات) لتخضير الصحراء لبناء شقق فخمة، كما هو الحال الآن، لبيعها بالعملة الصعبة.... طب ده مشروع هائل ومثمر، بس قاعدته لا تملكها مصر، فلماذا لم تطرح ذلك لأصحاب الحق من دول حوض النيل؟ هل تعتبر مصر هذا تحديث حضاري؟ طيب دول حوض النيل برضها ممكن تخضر ما حولها من دول بعملة صعبة، ويصبح ماء النيل عبارة عن بنك أستثمار.... ودي خطوة إذا ما تمت بدراسات لخطط ومستقبل المنطقة ودولها، بإرادة شعوبها لأنها تحدد مصير تلك الدول، فلا يجوز الدخول فيها فردياً أو غيبياً.
طبعاً مصر أثارت موضوع سلامة السد كأساس (المشاكل الفنية)، حتى تخفي الغرض الأساسي وهو المشاكل القانونية، أي حقوقية المياه وتقسيم الحصص و تثبيت خيار الإحتكام في حالة الخلافات، والتي أهملتها منذ أن كانت مستعمرة للسودان وشريكة لانجلترا التي أفردت عدة اتفاقات في توزيع المياه وتقنين أراضي النزاع بين السودان وجيرانه. مصر لم تقدم في ذلك أي شيء غير المطالبة، وهي التي يقع عليها الحق في المطالبات والتقنين بحكم أنها دولة استعمار وليست دولة حق.
سلامة السد، أو المشاكل الفنية عجنتها من زوايا مختلفة:
1- أولاً تهديد السد بتعطيش مصر والسودان وحرمانهم من الإطماء: وهذا طبعاً عبثٌ. فلا تستطيع اثيوبيا حجز النيل من الجريان، ولا قدرة لها في حفظ مائه السنوي، دعك عن الأبدي، ولا طريق لها لتصديره لأي دولة. أما الإطماء فهو مشكلة كبيرة خاصةً في السودان، فما رأينا مصر تتبرع بإزالة الإطماء في السودان ليجري لمصر، فهي لا تريده... فقط ما تأتي به المياه وتتحكم فيه السدود.
2- ثانياً مشكلة ملء السد: فالسد بالنسبة لي كمهندس، تكون أساسيات جدواه أنه يحفظ ماء الفيضان لتنظيمها من الإندفاع الهجومي الذي يسبب الفيضانات على اثيوبيا والسودان، وعلى السدود في مصر والسودان، وللإستفادة منه في مواسم الحاجة ومحاربة الجفاف. وأقصى ما يتم هو حبس مياه أمطار العام، وهو أمرٌ تدريجي يمكن معه المراقبة والتصرف عند الحاجة، والتحري عنه يتم في سبع سنواتٍ على الأقل لملء السد، خلالها يمكن، وأتوقّع، ان تكون هناك أنظمة رقابة وفحص واختبار مهولة في كل عام لمدة الأعوام السبعة.
3- ثالثاً تشغيل السد: صحيح أن فتح المياه أو قفلها في عمليات إدارة السد ستؤثر على مستوى المياه الجارية في النيل وتتطلب موافقة دول المصب مع الإخطار المبكر لإعداد سدودهما وبرامج ريهما إذا لزم. لكنه ليس سبباً للتدخل في إدارة السد كشريك أصيل، فالسد له محاسنه الكثيرة، ولكن في وقت الضيق له عيب هو عدم المقدرة على فرض حقوق الدول في الحوض إلا فيما تلزم به الإتفاقيات، والتي يكون فيها ما يحدد في حالة الجفاف الشديد محدودية كل دولة في الإستئثار بالمياه، وهذا ليس معضلة فنية إنما قانونية أخلاقية (دستورية).
4- رابعاً: توليد الكهرباء وإدارتها والسيادة في إدارتها أمرٌ يخص دولة المنبع في داخل الدولة، ولا يحق لدولة أخرى فرض رأيها في كيف يتم التوليد والمقدار الذي ترغب فيه الدولة، بما في ذلك ملء السد في سبع سنوات أو خمس عشرة سنة، إلا في ما يخص المخاطر في مقدرة السد، وما لم يتم تقديم دليل على ذلك الخطر فلا وازع لفرضه. وبما أن الدولة صاحبة السيادة في ذلك القرار هي أثيوبيا، وبما أنها قامت بكل إجراءات الإخطار واتفاق اعلان المبادئ، وقامت بالدراسات الفنية، فما على أي معترض بعد ذلك إلا القيام بعمل دراسات لوحده ثم تقديم نتائجها للقضاء إن كانت مثبتة، هذا هو عين العقل
ووصلتني تسجيلات صوتية لدكتور أحمد المفتي، واضِحٌ فيها أن كل إجراءات سلامة السد قد تم عملها، وشرح فيها كل النواحي التقنية لدراسة الجدوى والخيارات الفنية القوية، ثم تقييماً مطمئناً على مستوى الشركات التي استلمت تلك العقود للدراسات الفنية والتشغيل، والتحركات المدروسة لكل ما يهم اعتباره في دراسة السد، وأنواع الأساس والتي اختير لها الركام الخرساني في مكان الركام الترابي، ورفض الركام الأسفلتي لعدم اعتماديته في مثل حرارة المنطقة، ووجود صخور البازلت القوية الثابته، وكذلك خمود الفوالق والزلازل منذ أزمانٍ بعيدة، وكان ذلك التسجيل بمثابة دراسة جدوى لمهندس مقتدر مثل دكتور المفتي.
أما ما نسمعه من صراخ وولولة بخطورة السود وعواقبه، فهي أساساً من مصر ويتبعها فيه طيف حكومتها داخل حكومة السودان، الذي يدق الجراف ليجعل السودان يخاف.
إمتلآ الإعلام المسموع والمرئي بدق الجراف، أن السد سينهار وسينتهي من السودان ومن مصر، وإنها مسألة بقاء أو فناء....
وبدأ التهديد لما اقترب الملء: يقول التسجيل: "بيؤلوا تلات طائرات مجهولة ضربت سد النهضة! أَلَ؟ طب كيف حدث؟ موش اثيوبيا عندها جيش أوي؟ إزاي ماخدوهم؟ آه في ليلة ضلمة ولا من شاف ولا من درى"، ثم بعد ذلك "بتؤول إيه؟ بيبنوا في السد مرة تانية؟ يا خبر! طب ما حيحصل لهم نفس الشئ مرة تانية. يا اخوي دول حيبنوا وتجيلهم الطايرات الغيبية دي وتضربهم، ويبنوا تاني!"، "بتؤؤل إيه؟ لا يفكروا انها دي مصر اللي عملتها؟ لا يا اخوى ما يتبلّوا علينا، دي قضيتهم. يثبتوها بأه، وبلاش لبط. بتؤول لو خدوها لبّادي وجوْ ضربوا السد العالي؟" "لا لا يا اخي هي لعب عيال؟ هو السد العالي ده ما لوش أب والا أم؟ مين اللي يقدر يءرب على السد من دون ما تثكله امه؟ لا، بس تؤؤل ايه. مسكين السودان، وزيِ ما بيؤلو عندهم (لا إيدو لا كراعو)"
ده غير تهديدات السيسي بأن مصر تطمئنه بأن شعبها متحد وقادر على درء أي شر يجيلها من بره
وده صحيح، بس فين الشعب؟ مصر عمرها ما حكمها شعبها زي ما قلنا في المقال السابق: مصر دوماً هي تحت سحل التاج الملكي المماليكي، أو التاج العسكري.
مصر لديها شعب رائع يحكي درره في فنونه وحضارته، وفي بطولاته في ثوراته منذ زمن الإستعمار البريطاني وكفر الدوار والإعتداء الثلاثي على مصر، وفي لم شمل الدول العربية والقومية العربية، والتي ليس الفضل فيها لجمال أو القذافي أو الأسد، إنما لشعوب تلك الدول و حميتها، مما سقاها رحيق الإعتزاز والثقة واللتان يرفل فيهما الشعب المصري.
ما علينا. بس السودانيين يجب أن يمتنعوا عن الإنجراف في ذلك السيل الكاذب، ويجب التمسك بمساندة الثورة التي هي نبراس نهضة السودان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////