ألصادق والنميري والبشير، لم أتعرض لذكر الترابي ولا الميرغني, لأن الترابي صنعه هؤلاء الثلاثة, فلقد رعاه الصادق واحتضنه اجتماعياً، وفتح له النميري مؤسسات الدولة الاقتصادية على مصاريعها فتمكن, وأنجز له البشير الدولة التي كان يحلم بها، بعكس الميرغني الذي كانت معارضته للنميري وللبشير (قبل نيفاشا) معارضة وطنية شريفة لم تدنس بأزدواجية المعايير ولا بعدم إتساق المواقف، ويكفي أنها أنتجت إتفاقية كوكادام التي وأدها الصادق في مهدها بتواطئه مع الترابي، فحديث رفيق درب الميرغني الشريف حسين الهندي حول إرهاصات تحالف الجبهة الوطنية، يغني من الدفاع عن حزب الميرغني أو محاولة إثبات مواقفه الوطنية التي لا تحتاج إلى محامٍ, لذلك عندما ننظر إلى جوهر الأزمات الوطنية التي مرت بها البلاد منذ وقفة الرجلين الوطنيين الشريفين (ألمحجوب والأزهري) في باحة القصر الجمهوري, وهما يرنوان إلى العلم السوداني (الأصلي) المرتفع عزة وشموخاً وكبرياء لمعانقة السماء, نجد أن جميع هذه الأزمات خرجت من تحت عبائة خطل تفكير هذه الرؤوس الثلاث.
أيضاً استثنينا الرئيس العسكري الانقلابي الأول (عبود) من ألحاقه بقائمة ثلاثي الشر, وذلك لأن عبود لم يفكر في الإنقلاب إلا بإيعاز من حزب الأمة و رمزه عبد الله خليل بك, وأن عبود لم يتعرض لمتظاهري ثورة اكتوبر بسوء، ويقال أن عبود ومن على شرفة مكتبه بالقصر الجمهوري, سأل الناس عن الحشود الكثيرة الهادرة و الهاتفة بسقوطه, فأخبروه بأن الشعب لا يريده فأجاب بأنه أيضاً لا يرغب في أن يكون على رأس الناس إذا لم يرغب الناس في ذلك, عكس النميري والبشير, فالأول نسبت إليه مقولة (لو أن هنالك شيئاً ندمت على عدم تعلمه لكان هو كيفية قيادة الطائرة), والعهدة على الراوي, قال ذلك عندما خالف تعليماته طياره الخاص بالهبوط على مدرج مطار الخرطوم, عندما اشتعلت شرارة انتفاضة أبريل ضد حكمه المايوي، حينها أراد النميري أن يعيد إلى ذاكرة الشعب السوداني تلك المغامرة الكارثية التي قام بها، بعد خروجه من الحبس الإنفرادي الذي وضعه فيه هاشم العطا قائد الإنقلاب التصحيحي، تلك المغامرة التي سالت بسببها الدماء السودانية بغزارة.
أما الثاني (البشير) فقد رأى جموع المتظاهرين المحتشدين أمام بوابة القوات المسلحة، فاستدعى الشيخ الضليل كاهن السلطان ليجيز له فتوى قتل المطالبين بإسقاطه، لكن لطف الله قد حل بالأمة السودانية بعدما خالف قائد حرسه الداعم السريع التعليمات، في سيناريو أشبه بسيناريو النميري مع قائد طائرته العائدة من الولايات المتحدة من بعد رحلة للإستشفاء، فالبشير والنميري وجهان لعملة واحدة والفرق بينهما فرق مقدار، يتمثل في عفة يد النميري من الولوغ في المال العام، وتورط يده مع يد البشير في قتل الناس في الجنوب الحبيب وفي دارفور المكلومة، لقد مزق النميري كتيب إتفاق سلام أديس أبابا الذي أوقف الحرب في الجنوب لمدة عشر سنوات دون منطق، فقط لأشباع غرور روحه الناضحة بالقبلية والعنصرية المقيتة، حيث اتفق مع البشير على وصف المناضل القادم من الجنوب أوالغرب بالــــ (عب)، وكانا لايتورعان في لفظ هذه المفردة ذات البعد والكره العنصري المقيت، امام كل من يظهر رباطة جأش أمامهما من المنحدرين من هاتين الجهتين الجغرافيتين البعيدتين.
نأتي لأبي كلام (الصادق) حفيد الإمام الرمز الوطني الكبير، منذ أن أطل على الساحة السياسية أول ما فعله هو انتهاكه للدستور من أجل سواد عينيه، بعد إقصائه للمهندس والمحامي والأديب والشاعر والدبلوماسي والسياسي المحنك، محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الشرعي المنتخب الذي أتى به حزب الأمة في الديمقراطية الثانية التي أعقبت حقبة (عبود), وذلك بلي عنق الدستور وتعديل المادة المحددة لسن من يتولى رئاسة الوزراء لكي تكون أقل من ثلاثين عاماً، لتتوافق مع نفس المرحلة السنية والعمرية للصادق في ذلك الزمان، عندما كان المحجوب في عقده الخامس مشحوناً بالوعي والخبرة والنضج السياسي, بينما كان الصادق المهدي يمثل الخريج الجامعي الجديد الذي أراد أن تكون وظيفته الأولى هي حكم السودان، حتى يتعلم الحلاقة على رؤوس أبناء هذا الشعب المسكين.
ألنميري غيّر علم الاستقلال تماشياً مع ألوان أعلام الدول العربية، وأتاح للمصريين عبر وزير التعليم محي الدين صابر تغيير المنهج الدراسي الذي وضعه الأنجليز، تماهياً مع المناهج التربوية العربية التي هرب أهاليها إلى المدارس الأمريكية والأسترالية والبريطانية والكندية، والدي أطال الله في أيامه كانت الوسطى هي آخر مراحله الدراسية، قبل تدخلات النميري المتهورة التي بدأت مسلسل تخريب العملية التربوية والتعليمية، لكننا (نحن أبنائه) وحتى يومنا هذا وبكل زخم خبراتنا التراكمية في الحياة وعبورنا للمرحلة الجامعية، لا يوجد بيننا واحد يفوقه في جمال الخطين العربي والأنجليزي، ولا في الحرص على اتباع قواعد اللغتين العربية والانجليزية من نحو وصرف و(قرامر).
لقد مضى النميري وأسقط البشير ومايزال كورونا العصر يمارس التفريق والتشتيت للكرة السودانية، فلو أنه أناخ بعيره و آوى إلى هيئة شئون الأنصار وتدارس كتب الفقه والسيرة وتذاكر القرآن، لكان خيراً له ولنا ولكفى جماهير الشعوب السودانية رهق البحث عن التوافق الوطني وابرام العقود الاجتماعية والسياسية والثقافية الجامعة والشاملة لكل مكونات أمة الأمجاد.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.