ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تصطرع في السودان قوىً سياسيةٌ بمرجعياتٍ متباينة، منها الديني، والعلمي وما بينهما، وفي خضم هذا الصراع، فإن الإتهاماتِ المتبادلة بالخيانة، والعمالة، والتوصيف بأن هذا الفكر أو ذاك مستوردٌ أو دخيل، وجدت حيزاً، أكبرُ بكثير، من تناول مُحتوى تلك البرامج، وتمحيص أفكار تلك القوى، ودراسة مواقفها، من حيثُ الجوهر، من قضايا الحريَّة، والسلام، والعدالة.
إن الأديان الغالبة، وذات الصوت العالي، في الحياة العامة في السودان هي الأديان السماوية، وكلها نزلت في جزيرة العرب وفي منطقة الهلال الخصيب، كما إن المدارس الفكرية الحديثة، كلها، تأسست في دولٍ، أو مناطقٍ خارج السودان:

- القوميَّة العربيَّة، تأسست في بلاد الشام والعراق.
- الشيوعيَّة، تأسست في أوروبا.
- الأخوان المسلمون، في مصر.
- أنصارُ السُّنَّة، يتبعون للسعوديَّة.
- العَقِيدةُ المَهْدَوِيَّة، كما عِندَ الشيعةِ، أو أهل السنة، وطوائف أخرى.

فهل يدعو مكان منبت الفكر، أو مهبط الدين، وحده، للإدانة والتجريم؟
كيف للدعاة والمفكرين أن يوافقوا على استيراد كل شيء، من الإبرة إلى الصاروخ، ويرفضوا التعامل مع الأفكار، والمعارف، والخبرات التي أنتجت تلك الإبار والصواريخ؟
لقد وصم رجال الدين والكهنوت، كل الحقائق، والإكتشافات الجديدة بالكفر، متى ما فاقت قدراتهم على التصُّور والإدرك، ومتى ما هزت مسلماتهم وأقلقت عندهم اليقين، من دوران الأرض حول الشمس، ومروراً بهبوط الإنسان على القمر، وإنتهاءً بالإنتاج المعرفي الغزير ، الذي بات يتواتر في كل لحظة في عالمنا اليوم.
إن زمن الإدِّعاءِ بإمتلاكِ الحقيقةِ المُطلقة، والإنفرادِ بالكلمةِ الأخيرةِ قد إنتهى، فلقد صار العالمُ كلاً واحداً، لا يمكن تجزئته، بحيث باتَ من الضروري إيجادُ طرقٍ أخرى لتنافُسِ الأفكار، ولتباري الفلسفات، ولصراعِ الأديان.
ولا يمكننا معاملة الأفكار بإعتبارها أشياءً، لأنها لا تعاير بالكمِّ كيلاً، أو ميزان، ولأنها منتوج نوعي من ماضي الإنسان، وتتفاعل في حاضره، وستتصل إلى مستقبله.
وتتجاوز مهمة رجل الدين، المعاصر، مهمة مخاطبة الموالين لمعتقده وحدهم، وإنما يلزَمَه الحديث إلى إنسان اليوم، والبناء فوق ما توصل إليه من خبرات، وعلوم، ومعارف خيرة.
إن الصراع الرئيسي في كلِّ مجتمعٍ، أو دولةٍ، هو صراعٌ حول من يسُود؟ أي من يحكُم؟ أي صراعٌ حول السلطة، والغلبة في ذلك المجتمع، ولكي تتحقق الغلبة، والسطوة لتلك الفئة، أو الأسرة، أو القبيلة، أو الطائفة، أو الطبقة، أو الحزب، فإنه يتحتم عليها أن تمتلك القوة.
إن هذه القوة، في جوهرها، هي الثروة، ولا يمكن أن يسود، كائنٌ من كان، دون امتلاكه الموارد الكافية لإدارة سلطته، وضمان استمرارها، والقدرة على الدفاع عنها.
ولقد قال شاعرٌ عربيٌ في هذا الشأن:

- إنَّ الدّرَاهِمَ في المَجَالسِ كُلِّها
تكسُو الرِّجَالَ مَهَابةً وجَلالا
فَهْيَ اللِّسَانُ لِمَن أرادَ فَصَاحةً
وَهْيَ السِّلاحُ لِمَن أرادَ قِتَالا

إن من السهل على من يَسُوُد أن يوظف طاقات أخرى، على أسسٍ عاطفيةٍ منها الدين، والعصبيات القبلية، الإنتماءات الطائفية، وما شابهها، لتُضاف إلى قدراته، وأدواته للسيطرة، ولم يتحرج بعضُهم من توظيف الجهل، والفقر، والتخلف في الإبقاء على حشود المؤيدين له.
وفي السودان، أفردت حكومة عبود قانونا يمنع النشاط الهدام، وظفته ضد الحركة الديمقراطية والتقدمية، واستكملته قوى الظلام بحل الحزب الشيوعي، فوق القانون، في 1965م.
لقد مارست سلطة مايو، مثلاً، التخوين على كل الانقلابات العسكرية في عهدها، وحاولت استنهاض الروح الوطنية لعموم الشعب في مواجهة الإنقلابيين، وأدخلت كلمة (مُرْتَزَقَة) في القاموس السياسي للبلاد، وألبست الخلافات السياسية، وصراع السلطة والثروة، ثوباً دينيا، عقائديَّاً، عندما أعدمت الشهيد محمود محمد طه.
لقد أقامت الجبهةُ الإسلاميةُ القوميةُ مشروعها على نفى الآخر، وإهدار حقوقه، وَسَحلِهِ حقيقةً، ومَجَاز، للاستفرادِ بالسلطة، والإستئثارِ بالثروة، ولكنها غَلَّفَت كل تلك المآرب بالدين، وبمكارم الأخلاق، وبقيم الوطنية.
وبعد هذه المسيرةِ، الطويلة، من التَّخريبِ، والتَّجريب مَدفُوعِ الثَّمَن، باهظٌ ومما نُحب، يكونُ من الطبيعي أن تَسُوُدُ الأدواتُ العقلانية، التي تستند إلى خيرة ما توصل إليه بنو البشر من علومٍ، وخبراتٍ، وأفكارٍ نيِّرة، لتحلُّ محل الأدوات القديمة في تنظيم النَّاس، وفي شحذِ هِمَمِهِمْ، وفي مسيرهم نحو التَّبصِير، والتَّنوِير، الذي يُعْلي من شأنِ البني آدم، ويَمنحهُ القُدْرَةَ على أن يعيش، ويحيا الحياةَ اللائقة، الكريمةِ، التي يستحق.