تنقيب الظلام

إبّان العهد الماضي، وفي زياراته المتأخرة للسودان لإنجاز بحوثٍ ومهامٍ متعلّقة بالمعهد العلمي البحثي الذي يعمل فيه بألمانيا، كان صديقي العزيز بروف تِمْ سوغو يُصدم بتغيّرات السودان الاقتصاديّة عندما يحوّل عملته الأوروبيّة إلى الجنيه السوداني، ومنذ أمدٍ بعيد كان ينظر إلى حال مرتباتنا في سوق العمل السوداني فيُصاب بمرارة ساخرة وهستيريّة وهو يدسّ خمشةً من المال في حقيبتي، مُخرساً اعتراضي: "مأمون اسكت، مرتّبك 35 دولار في الشهر"، وبعد فترة صمت: "مُستوعب الموضوع ده بالجد انت؟".

بالتأكيد لا أستطيع استيعابه تماماً، إذ لم تُوجَد في حياتنا السوقيّة العُمَّاليَّة سوى هذه الحياة، منذ تخرّجنا من الجامعات إلى مرحلة "15 سنة خبرة في المجال". وأنا أتأمّل الآن جدول الأجور الجديدة، أُدرِكُ أن ما يجري هو كشفٌ بطيءٌ لغطاءٍ -في مشرحة تاريخنا الحديث- يغمرُ جثّة بلادنا، يُسجّيها على حقيقتها. صحيحٌ أن تلفيقات اقتصاديّة كثيرة لا تزال هناك، كالأصفار الهائلة التي اختفت يمين جنيهنا المسكين جرّاء عمليّات تغيير العملة -ثلاث مرات!- خلال ثلاثين عاماً، وحقّاً نُسيَ الجنيه المولود مع دولة السودان الحديثة نُسياناً ساحقاً، إلا أن كِبَر الأرقام المرصود لهذه الأجور، إن وضعنا في أذهاننا أساسيّات الحياة البشريّة (الغذاء، العلاج والدواء، السكن، التعليم، التنقّل)، لن تُوازي متطلّبات الحياة بعد أن تنكشف الأسعار الحقيقيّة للأسواق، فمع هول ما يحدث اليوم من ارتفاعٍ يوميٍّ جنونيّ في الأسعار إثر تضخّمٍ متواصل الانفجار، نُدركُ أننا –حرفيّاً- نَهوي في الهاوية المُستحقّة لما أوصلتنا إليه دولة السودان الماضية منذ استقلالها إلى يوم مجزرة فضّ اعتصام القيادة العامّة.
حسب عدّة محداثات، نرى أن الخُلعة التي أُصيب بها الناس من أرقام قائمة المرتّبات المُعلنة مؤخراً من قبل وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، تدعو، حقّاً، للحزن. لقد نَسي السودانيون معنى الحياة الإنسانيّة تماماً، إذ أن ما عاد إليهم هو القليل جدّاً من ما يستحقّه إنسانٌ يعيشُ في بلادٍ غنيّةٍ كهنا، وقد سَمعت خلالها –المحادثات- دعوات مظلومين حارقة، تُلاحق من كانوا مُنفّذين لتصاميم هذا النسيان البليغ للحياة.
على كلٍّ هي خطوة عزيزة، وعزّتها لا تكمن في قيمتها الماديّة بقدر ما في مداواة جراح معنويّة غائرة، فالذين يقدّمون خدماتٍ أساسيّة بتفانٍ، كالمعلّم والطبيب على الأقل، يستحقّون الحياة كاملةً.
وفي ما يَلي تجربتي، التحيّة لـ"فقراء المجال": الزميلات والزملاء الشرفاء الأعزاء في مجال الصحافة والإعلام، ومن قبل كلّ ذلك في الكتابة والفن؛ أنتم الحياة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.