بسم الله الرحمن الرحيم

((قُصِد من كتابة هذه المقدمة قياس أداء قطاع النفط السوداني لتحديد مواطن المطابقة والانحراف بغية الإصلاح))


كثيرا ما يُسمع أن ظهور النفط في بلد ما إما نعمة أو نقمة على ذلك البلد، والسبب في ذلك أن مورد النفط ليس ككل الموارد الأخرى لأهميته وخصوصيته. أما عن أهميته فهو لا يزال المصدر الرئيسي والأول والأهم من بين موارد الطاقة الأخرى والذي يُعتمد عليه اعتمادا كبيراً كمُدخل من مُدخلات الإنتاج والخدمات، هذا من جانب، ومن جانب اّخر يعتبر من أسرع الموارد للحصول على عملات أجنبية يحتاجها البلد المعين، كما يعتبر من الأكثر الواردات ارهاقا لميزان المدفوعات والميزانية العامة. وإذا ظهر النفط في بلد من البلاد أصبح ذلك البلد في دائرة الضوء، إذ أن الصراعات التي تكتنف العالم الاّن ليست صراعات أيدولوجيات ولا صراعات حضارات بل صراعات موارد.
أما من ناحية الخصوصية، فهو مورد ناضب لا يتجدد، واكتشافه في بلد من البلاد يعتبر فرصة نادرة لا تعوض ولا تقبل الهدر والإهمال والتفريط من الناحية التشغيلية والفنية والإدارية أو من ناحية التصرف في الدخل المادي الذي يجلبه. كما يجب التعامل معه بوعي وحنكة لما يختص به من خصائص تستحق هذا التعامل. ونذكر من هذه الخصائص الاّتي: -
1. درجة المخاطرة والمجازفة في الاستثمار فيه عالية جداً.
2. يحتاج الاستثمار فيه لمبالغ طائلة Capital Intensive.
3. التقنية فيه عالية جداً ومتطورة جداً ولا تكف عن التطور.
4. النظم التشغيلية والإدارية فيه موحدة عالمياً ولا مجال للانحراف عنها.
5. العمل في النفط يحتاج لمهنية عالية.
6. تتدرج عمليات النفط تدرجاً منطقياً من الاستكشاف إلى الاستهلاك. أي أن كل مرحلة تفضي للمرحلة التي تليها Integrated. وإذا لم يعِ العاملون هذه الخاصية فإن كل عمليات النفط سوف يشوبها الاضطراب.
7. للنفط بُعد سياسي واستراتيجي في الساحة الدولية.
إذاً على الدولة التي تنوي استغلال نفطها أن تعي هذه النقاط قبل الشروع في الاستكشاف والإنتاج.
إذا نظرنا للدول الناشئة المنتجة للنفط الاّن نجد أنها لم تستفد من هذا المورد الاستفادة المرجوة، وربما جر عليها كثيراً من المتاعب والمشاكل وذلك لعدة أسباب نذكر منها: -
1. بريق الثروة: -
البترول (النفط والغاز) له بريق يخلب الألباب ويمني الناس بالغنى والثروة. ووسط ذلك الشعور ينسى الناس الالتزام بالنظم والمعايير، وتتضارب المصالح في الداخل والخارج، وينزلق البلد في دوامة من الفوضى والفساد يصعب الخروج منها.
2. مفهوم تأمين الطاقة: -Energy Security
الكل يعلم اهمية الطاقة إلا أن كثيراً من الدول الناشئة لا تستوعب الاستيعاب الكافي لمفهوم تأمين الطاقة والبعد الاستراتيجي لهذا المفهوم. فتأمين الطاقة هو وأحد الركائز المهمة للأمن القومي ومن هنا يجب رفع درجة الوعي لدى الدولة والأفراد لترسيخ هذا المفهوم. بهدف توفير الطاقة من المصادر المحلية او استعمال الطاقة المستوردة استعمالا موجها ورشيدا لرفع قدرة الاقتصاد. ولا يخفى على أحد ما تنتهجه بعض الدول الكبرى من سيطرة سياسية وعسكرية في تأمين الطاقة للحفاظ على أمنها لقومي.
وعلينا ألا ننسى أن تأمين الطاقة لا يشمل البترول فقط بل يشمل العمل الجاد والسعي العلمي الحثيث في مجال الطاقات البديلة لتحقيق ما يسمى بال Energy Mix.
3. الحوكمة: -Good Governance
إن المشاريع الاستخراجية الضخمة كمشاريع البترول والتعدين لن تزدهر إلا في بيئة متقدمة من حيث الحوكمة ((الحكم الرشيد)). ولن تتحقق درجة عالية من الكفاءة ما لم تتوفر في البلد من البداية متطلبات متعددة على مختلف المستويات بمعناها العام. وفي الحقيقة إن ممارسة الحكم الرشيد لن تتحقق بين يوم وليلة في الدول الناشئة، فهي تراكم خبرات وتجارب تخلق وعياً عميقا وسط المجتمعات والأفراد. ولو فُرضت الحوكمة فرضاً قبل أن تنضج تلك المجتمعات لا نتوقع من الأفراد والمجتمعات احتمال أو استيعاب ذلك. ففي هذه الحالة على الدول الناشئة أن تستعين بالدول المتطورة على جميع الأصعدة الخاصة بالبترول من حيث المفاهيم والتشغيل والإدارة.
4. القدرة الخلاقة: -
هذا تعبير أطلقه الخبير النرويجي العراقي الأصل فاروق القاسم، ويعني الإطار المؤسسي المتقدم للدولة والمجتمع ويشمل الاستقرار الاقتصادي والسياسي وتوفر المصادر المالية التي تزيد من ثقة المستثمرين الأجانب وتشجعهم على صرف مبالغ كبيرة في الاستثمارات. كما تعني أيضاً تطور المستوى التقني والصناعي وتوفر العمالة الماهرة وتطور القطاع الخاص الوطني وقدرته على الدخول في شراكات مع رأس المال الأجنبي. في كثير من الأحيان يكون مستوى القدرة الخلاقة ضعيفا في البلدان الناشئة. وفي هذه الحالة تحتاج هذه البلدان لمساعدات دولية لدعم قدرتها الخلاقة.
5. الطاقة شأن دولة وليست شأن وزارة: -
إذا سلمنا بأهمية النفط الاستراتيجية للدولة يجب أن ندرك أنه هم دولة وليس هم جهة واحدة هي وزارة النفط. فوزارة النفط مسؤولة من الجانب التشغيلي والفني والرقابي ولن تستطيع القيام بهذا الدور كاملاً إذا لم يكن هناك تنسيق محكم بينها وبين جهات أخرى في الدولة مثل وزارة المالية والبنك المركزي ووزارة الصناعة ووزارة البيئة ووزارة العمل ووزارة الخارجية والتي يجب أن تسعى جميعاً نحو هدف واحد هو تأمين الطاقة ولن يتم ذلك إذا لم تلم هذه الجهات بمعرفة معقولة بأساسيات صناعة النفط ليسهل التفاهم والتواصل في ما بينها.
6. الرؤى والسياسات: -
على الدولة قبل الشروع في أي أنشطة متعلقة بالطاقة أن تكون لها رؤى وسياسات واضحة حسب ظروف ومعطيات البلد، على أن تكون هذه الرؤى والسياسات واضحة للجميع وذات حضور دائم ولا يسمح بأي حال من الأحوال الانحراف عنها.

7. الإدارة العليا للنفط: -
لابد من وجود مجلس عالي للنفط ليشرف ويراقب ويوجه السياسات العليا للنفط ويعمل على التأكد من أن الجهات المعنية في الدولة تعمل على اتساق فيما يلي تنفيذ السياسات والبرامج ويُمَثَل في هذا المجلس وزارات النفط والمالية والصناعة والبيئة والعمل وخبراء النفط الوطنيون ومن ورائهم سكرتارية مجهزة تجهيزا قوياً لإعداد المعلومات والدراسات لتقديمها للمجلس لإعانته في اتخاذ القرارات. ويعتبر هذا المجلس القاطرة التي تحرك أنشطة النفط في المسار الصحيح. ولأهمية هذا المجلس وخطورة القرارات التي تصدر منة لابد له من اسناد من مستشارين أجانب من ذوي الخبرة والاختصاص.
8. التشريعات: -
نبدأ هنا بدور البرلمان، فهو قمة الجهاز التشريعي، ومن المفترض أن يلعب دوراً أساسيا في إدارة مورد النفط في البلد المعين. فمنه تصدر التشريعات والقوانين إضافة إلى أن كل الأجهزة التنفيذية المعنية بالنفط مسؤولة لديه.
لا نتوقع من البرلمانات في الدول الناشئة أن تكون بالكفاءة التي تعادل البرلمانات في الدول المتقدمة. فالأعضاء تنقصهم المعرفة الفنية والقانونية التي تمكنهم من الفهم والمتابعة. وقد يؤدي عدم الفهم إلى سوء إدارة المورد، هذا إذا لم ينزلق بعض أصحاب المصالح من البرلمانيين في المفاسد. وفي هذه الحالة يجب تقوية اللجان المتخصصة بالبرلمان كلجنة الطاقة واللجنة الاقتصادية واللجنة القانونية ولجنة البيئة واختيار العاملين فيها من العناصر الوطنية الصلبة العليمة بإدارة النفط كمورد له خصوصيته وأهميته بالنسبة للبلاد.
اما بخصوص القانون فمن الضروري أن يكون للبلد قانون للبترول تستند عليه هذه الصناعة. ففلسفة الحكم في البلد تؤثر في شكل القانون. ففي كثير من البلدان تعتبر ثروات باطن الأرض ملكاً للدولة ولكن في بعض البلدان لا يسري هذا النظام.
درجت بعض الدول التي يكتشف فيها البترول ألا تتسرع بوضع قانون شامل وكامل من البداية ولكنها تتدرج بتطور خبرتها بإصدار مراسيم ملكية أو جمهورية إلى حين نضج تجريه البلد من الناحية المعرفية تفادياً لوضع بنود شديدة التحديد تضعف من مرونة القانون مما يؤدي إلى تعديله بين الفينة والأخرى وعموماً يجب أن يهتم القانون بالبنود العريضة والكلية والأساسية وأن يبتعد عن التفاصيل التي تترك للعقود حتى لا تكون بنود القانون عرضة للتفاوض.
ومن جانب آخر يجب ألا يتضارب القانون مع الدستور أو القوانين التي تصدرها الولايات أو المقاطعات في البلد المعين.

9. الاتفاقيات والعقود: -
لتسهيل عمليات التفاوض مع الشركات لابد للبلد المضيف أن يعد عقداً نموذجياً يحتوي على كل المبادئ والشروط التي يريد البلد أن يحتفظ بها في العقد. ولابد أن يوضع في الاعتبار أن يكون العقد النموذجي وسيلة لجذب المستثمرين وأن يكون وثيقة توازن بين متطلبات البلد الأساسية والشرعية من جهة واستعداد البلد لمكافأة المستثمرين بصورة عادلة ومنصفة من الجهة الأخرى. كذلك يجب أن يميز العقد بين ما هو مفتوح وبين ما هو غير مفتوح للتفاوض.
هنالك عدة أنواع من العقود مثل عقود الامتياز وعقود المشاركة وعقود قسمة الإنتاج، حيث أنه ليس من الضروري الالتزام بنوع واحد من العقود، فكل رقعة جاهزة للترخيص لها ظروفها وما يلائمها من العقود. فعلى البلد المضيف أن يكون واعياً بمصلحته ومصلحة المستثمر باختيار العقد الذي يدفع بالعمل للأمام ويحقق المنفعة المشتركة.
من الضروري جداً تقوية الكوادر القانونية التي تعمل في قطاع النفط الوطني من حيث قدرات التفاوض والإلمام بالقوانين الدولية ومهارات التحكيم والإلمام بالسوابق العالمية في الخلافات النفطية.
10. هيكلة قطاع النفط الحكومي: -
لابد لهيكلة قطاع النفط الحكومي من أن تنبع من السياسات والأهداف التي أقرتها الدولة ويراعى مراجعة هذه الهيكلة حسب المعطيات والمراحل على أن يتم تحاشي الخلط بين المهام السيادية والرقابية والتجارية، وتحاشي بناء إمبراطوريات لا طائل منها. ومن جانب اّخر يجب تحديد العلاقات بين هيكلة قطاع النفط وهيكلة القطاعات الأخرى بالدولة ذات الصلة بالدولة تفادياً للتناقض والتضارب.
11. الترويج: -
يعتبر توفر المعلومات في الرقعة المعدة للترخيص من العوامل المهمة لجذب المستثمرين. فالمعلومات المشجعة تقلل من عنصر المجازفة والمخاطرة. بالتالي على الدولة ان تولي هذا الامر العناية الكافية بأعداد الكوادر المؤهلة والصرف على عمليات الاستكشاف الاولية وتحليل البيانات لتجهيزها للمستثمرين ضمن العمل الترويجي.
وكذلك لابد من ابراز المتوفر من البنيات التحتية التي شيدتها أنشطة نفطية سابقة مثل خطوط الأنابيب والموانئ والمختبرات وغيرها.
ليس من الحكمة ان ينتظر البلد وإداراته الترويجية قدوم المستثمرين بل يجب ان تسعى سعيا إليهم لأقناعهم بشتى السبل الفنية والاقتصادية.
ان الانتظار يقود حتما لقدوم شركات ضعيفة فنيا وماليا هدفها فقط رفع اسمها في البورصات العالمية.

12. العلاقات الخارجية: -
ذكرنا انفا ان صناعة النفط صناعة عالمية لا مجال للمحلية فيها. إذاً لابد للدول الناشئة من أن ترتبط بهذا الرباط العالمي وتكون دائماً في الصورة لاقتناص الفرص وتفادي المخاطر.
فعلى الصعيد الإقليمي لا تعرف التركيبات الجيولوجية الحدود السياسية مما يكرس وضعاً متوتراً أو تعاوناً مثمراً مع دول الجوار. أما على الصعيد الدولي فقد أحدثت الضرورة قيام منظمات إما للحفاظ على المصالح المشتركة أو لحسن إدارة صناعة النفط العالمية.
ونذكر من هذه المنظمات منظمة الدول المنتجة والمصدرة للبترول (أوبيك) ومنظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابيك) ومنظمة الدول الأفريقية المنتجة للبترول APPO)) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) ومنتدى الطاقة العالمي (IEF) وخلافها.
إذاً على الدول الناشئة أن تستحدث في هياكلها إدارات للعلاقات الخارجية يختار لها موظفون يمتازون بالذكاء وحسن التواصل حتى تتمكن دولهم من الدخول والاستفادة من منظومة صناعة النفط العالمية والخروج من المحلية الضيقة. وعلينا ألا ننسى دور وزارة الخارجية في هذا العمل.
13. التوظيف والتدريب: -
بحكم خصوصية وأهمية قطاع النفط ومتطلباته المهنية والتقنية العالية، يتقاضى العاملون فيها أجوراً عالية مقارنة برصفائهم في المهن الأخرى، الأمر الذي يجعل العمل في هذا المجال من الطموحات التي يسعى المتنافسون للوصول إليها بشتى السبل. وإذا لم تكن معايير الاختيار للتوظيف واضحة ومحكمة من حيث المهنية ومشددٌ في تنفيذها، امتلأت هذه الوظائف بأصحاب الحظوة دون مراعاة للكفاءة. وهذه الظاهرة أكثر وضوحاً في قطاعات النفط الحكومية دون الشركات. فالشركات لا تنظر الا لذوي القدرة والفائدة ولا تتورع ابدا من استخدام أسلوب ال HIRE AND FIRE.
عند معاينات التوظيف تكون مواصفات الوظيفة ومؤهلات مقدم طلب الوظيفة من المعطيات التي لا تحتاج الى جهد كبير من لجان الاختيار. ولكن الأمر الأهم والذي يحتاج الى تدقيق هو الصفات الشخصية والنفسية لمقدم الطلب التي تلائم الوظيفة. عموماً العمل في مجال النفط يحتاج للأمانة والإخلاص ونكران الذات والحضور الذهني الدائم والتعاون مع الاّخرين من رفقاء المهنة والقدرة على التعلم من التجارب.
أما الموظف الذي يعمل في قطاع النفط الوطني يجب أن يكون استثنائيا. فهو يتعامل مع مورد استراتيجي يرتبط بأمن الدولة ورفاهيتها. وبالتالي يجب أن يكون على درجة عالية من الحس الوطني ولا يفترض فيه أن يتخذ الوظيفة فرصة للثراء الشخصي وتضارب المصالح (Conflict of Interest).
ولضبط سلوك العاملين يجب تحديد المسؤوليات تحديداً قاطعاً حتى تسهل المحاسبة التي لا تقبل المجاملة.
كما يقول التربويون في التعليم (المعلم أهم من المنهج)، ففي النفط يعتبر العنصر البشري اهم من المؤسسات والتنظيمات، إذ لابد من أخذ العاملين بالتدريب الموجه والمستمر والخاضع للتقييم والقياس. ويجب ألا ننسى أن التدريب الجيد يبدأ بحسن اختيار الموظف. أي لابد من وضع مستوى الفرد وقابليته للتعلم في الاعتبار عند اختياره.
تعتبر صناعة النفط من أهم الصناعات في نقل التكنولوجيا للبلد المعين وبالتالي لابد من انتهاز هذه الفرصة لتدريب العاملين والاتفاق مع الشركات على ديمومة تواجدهم في المعاهد التكنولوجية وإشراكهم في مجموعات الحلول المتقدمة وفي البحوث والتطوير.
14. الاستشارات والخبرة الخارجية: -
إذا نظرنا للدول الناشئة نجد أن الخبرة فيها أفقية وليست عميقة لضعف التعرض للتجارب وضعف البنية التحتية للعلوم والتكنولوجيا وحداثة الوعي بأهمية التقدم العلمي وأثره في حل المشاكل وتسهيل الحياة.
ويظن كثير من المهنيين في الدول النامية أنهم قد بلغوا من العلم ما يكفيهم من استقدام خبراء ومستشارين لمساعدتهم. هذا ادعاء كاذب لا أساس له من الصحة إذ أن وتيرة التطور العلمي والتقني تنطلق بسرعة مذهلة تصعب معها المواكبة إلا بشق الأنفس. ويجب الاعتراف بأن كثيراً من الدول الناشئة قد دخلت الألفية الثالثة دون أن تستوفي شروط الألفية الثانية.
عليه لابد من التسليم بأن الاستشارات والخبرات الخارجية في صناعة النفط يجب أن تؤخذ مأخذ الجد وأن تبدأ هذه الدول من حيث انتهى العالم المتقدم. ولا طائل من وراء محاولات إعادة اختراع العجلة. ولكن يجب ألا ننسى أن استخدام الخبرات الأجنبية يحتاج إلى خبرة ومعرفة وإلا أصبح الأمر مجرد احتطاب ليل.
15. الشركة الوطنية: -
بعض الدول الناشئة شهدت نوعاً من الصناعة النفطية قبل فترة التحرر الوطني مثل الهند وماليزيا، وبعضها لم يشهد هذا النوع من الصناعة. وفي كلا الحالتين على الدولة المضيفة أن تسعى لإنشاء شركتها الوطنية لتحقق تطلعاتها في بناء صناعة نفطية وطنية ولتأمين احتياجاتها من الطاقة. فالشركة الوطنية تكون في البداية شريكاً محمولاً من قبل الشركات في فترة الاستكشاف وما قبل الإنتاج التجاري، وفي هذه الحالة تكون عين الحكومة داخل الشركة العاملة التي تكونها الشركات في المربع المعين (Operating Company).
على الدولة أن تصرف بسخاء في بناء هذه الشركة من موارد النفط نفسه لتمكنها من الدخول في شراكات خارجية لتوفير النفط للاحتياجات الداخلية عند نضوب النفط المحلي. وهناك أمثلة كثيرة لشركات وطنية لا يوجد النفط الكافي في أوطانها ولكنها تعد من كبريات الشركات العالمية كما في اليابان وبعض الدول الأوروبية.

16. مجالس الإدارات: -
تتعدد الشركات والمؤسسات الحكومية في الدول الناشئة والمنتجة للنفط، ولها مجالس إدارات تشرف على أداء الإدارات التنفيذية لهذه الشركات والمؤسسات. ومن حسن إدارة هذه الشركات والمؤسسات أن يتم تعيين أعضاء مجالس هذه الإدارات بمعايير واضحة حتى تكون هذه المجالس أدواتاً فاعلة تصدر قراراتها بعد متابعة دقيقة لأداء الإدارات التنفيذية والتزامها بتحقيق الأهداف إلا أنه من الملاحظ أن هناك قصوراً في أداء هذه المجالس من حيث عدم المتابعة المتواصلة والاكتفاء بيوم الاجتماع وما فيه من تقارير تستعرضها الإدارات التنفيذية على عجل حيث لا يجد الأعضاء مفراً من تمريرها. وفي بعض الأحيان يستخدم المجلس كألية لتمرير بعض القرارات.
17. التصرف في ريع النفط: -
كما ذكرنا اّنفاً أن ظهور النفط في بلد ما يعتبر فرصة نادرة ولا يسمح لاكتشافه بأن يحدِث انقلابا سلبياً للمجتمع والاقتصاد.
أحدث اكتشاف النفط في كثير من البلدان الناشئة أثراً سلبياً في الأنشطة الاقتصادية التقليدية المحلية (Competitive Sectors) وضاعت الصناعات التقليدية والزراعة والإنتاج الحيواني وصناعات صيد الأسماك وغيرها. تتفشى في هذه البلدان ما أطلق عليه إسم المرض الهولندي. أما من الناحية الاجتماعية فقد تغير سلوك الناس الاستهلاكي وزادت نسبة الواردات وتغير السلوك الاجتماعي تغيراً واضحاً.
وفي هذه الحالة من الأوجب تحويل مداخيل النفط إلى فائدة دائمة لا تنضب بنضوبه (Sustainable Benefit)، وأن تنتهز الدولة فرصة وجود النفط لتحريك القطاعات الأخرى كالزراعة والصناعة وبناء القدرة الخلاقة في البلد.
18. الشفافية: -
إن صناعة النفط لما فيها من تعقيدات فنية وإدارية ولحجم المبالغ الطائلة المتداولة فيها، تظل دائماً عرضة للغش والسرقة بأساليب فنية لا يعلمها الإنسان العادي، سواء كان بالقياسات أو المواصفات أو طرق التسويق أو تنفيذ المشاريع الكبيرة او امتلاك العاملين لشركات تخصهم او دخولهم في علاقات مشبوهة تضر بالمصلحة العامة وما إلى ذلك. ففي نيجيريا مثلاً ولكثرة هذا النوع من الممارسات أطلق عليه اسم ال (Petro Crime). وعليه فإن صناعة النفط متهمة دائماً بالفساد والقيل والقال والثراء غير المبرر (Unjustified Enrichment). ولتفادي هذه الاتهامات لابد من توفر درجة عالية من الشفافية خلال كل الأنشطة الإدارية والمالية والفنية. ومن الضروري جداً أن يكون الرأي العام على بينة بما يدور درءا للشكوك والشائعات. وللصحافة ووسائل الإعلام دور أساسي في توعية المواطنين ورفع مستواهم المعرفي. وهذا يتطلب خلق صحافة نفطية عليمة بأساسيات صناعة النفط. كما وأنه لابد من إشراك منظمات المجتمع المدني فيما يدور مثل منظمات حماية البيئة وحماية المستهلك وما شابهها. كما أننا يجب ألا نهمل ان موضوع الشفافية ليس قاصراً على المجتمع المحلي فقط بل أصبح ممتداً ليشمل اهتمام المجتمع الدولي. فهو أحد المؤشرات التي تزكي الدولة المعينة للتعامل معها.
خاتمة: -
كما ذكرنا في بداية المقدمة أن هذه ملاحظات تبدو بديهيه ولكنها مفاهيمية لابد من قياس التجربة السودانية عليها بغرض معرفة المطابقة والانحراف بقصد الاصلاح.
وبالله التوفيق
حمد النيل عبد القادر
نائب الأمين العام السابق بوزارة النفط
١٦/١٠/٢٠١٨

00249912397380

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.