محمد سياد بري ليس استثناء في إطار ممارسة الانقلاب، بل أن كل من أصبحوا في مقام رئيس جمهورية لصومال، وصلوا إلى الرئاسة من خلال انقلاب فاقد لشرعية السياسية، ومناهض للمصلحة العامة للبلد، ورافق ذلك تجاوزات وتعدي تجاه الوطن.

لقد وصل هؤلاء إما عبر المال السياسي أو التحالف مع الخارج، أو استغلال العلاقات القبلية وشرعية الثورة التي اؤتمنوا عليها، وكانت المحصلة أنهم لعبوا أدوارا متشابهة وافسدوا الحياة السياسية في الصومال.

آدم عبدالله عثمان أول رئيس لجمهورية الصومال Somali Republic، عمل هو ورجاله على تغيير هذا المسمى الرسمي لدولة إلى صوماليا Somalia، حيث غيروا الشخصية الاعتبارية لدولة التي كان ميلادها في عام ١٩٦٠ وتم تغيير ماهيتها إلى ذلك المنحى، ورغم أن مسمى الدولة الرسمي كان الجمهورية الصومالية، إلا أن الرئيس ومجموعته كرسوا مسمى صوماليا كبديل للأصل، وتجاهلوا أن صوماليا Somalia كان إقليم خاضع لإيطاليا ونال حريته في ١ يوليو ١٩٦٠ واتحد مع إقليم أرض الصومال الذي كان خاضعا لبريطانيا، ثم توحدا في التاريخ ذاته، وهكذا تم الانقلاب على إرادة شعب دون العودة إلى قراره.

وقبل ذلك فإن آدم عبدالله عثمان،كان قد قام بالانقلاب على رئيسه في الحزب الثوري "جامعة الشباب الصومالي" SYL الحاج محمد الحاج حسين في عام ١٩٥٦ تمهيدا للاستيلاء على السلطة في مرحلة الدولة.
والجدير بالذكر أن المناضل المشار إليه لم يرتكب أي تجاوز تجاه وطنه وحزبه، بل أنه تفانى في خدمتهم كثيرا، ولم يهادن كغيره على مصلحة ومستقبل الصومال، ولأجل ذلك طالب بتصفية الاستعمار الإيطالي من البلد وأن تكون هناك سيادة صومالية حقيقية على أراضيها.

لقد كان خطه تحرري شامل وغير قابل للمساومة على السيادة الوطنية، حيث طالب بتحقيق استقلال تام وليس شكلي، وأن تنتهي العلاقة ما بين الصومال وايطاليا إلى صيغة تتسم بالندية وليس التبعية السياسية والاقتصادية.
وكانت النتيجة أن قام الإتجاه الذي كان يمثله آدم عبدالله عثمان نائب رئيس حزب جامعة الشباب الصومالي، بالانقلاب على رئيس الحزب الحاج محمد الحاج حسين أثناء غيابه في مصر، حيث كان يقود من على أرضها جهود الثورة ضد الاستعمار الذي كان قائما على التراب الصومالي.

أما سعي المناضل الحاج محمد لتصفية الاستعمار، لم يروق لبعض القادة في حزب جامعة الشباب الصومالي، والذين اعتبروا ذلك أنه يمثل إجهاض لثورة واستقلال الصومال، وأن ذلك سيدفع ايطاليا للبقاء وتنصلها من مغادرة البلاد.
في حين رأى الحاج محمد الحاج حسين، أن الثورة يجب أن ترغم ايطاليا في أن ترفع يديها عن البلد وأن تنهي سيطرتها بشكل كلي وليس جزئي، وقد رأى أن يفرض ذلك عليها عنوتا لكي تنتهي سيطرتها.

وكانت المحصلة أن قام نائب رئيس الحزب آدم عبدالله عثمان ومعه مجموعة من المقربين، بعزل المناضل الكبير من منصبه في قيادة الحزب وفصله منها، رغم أنه مثل كوأحد من المؤسسين الرئيسيين للحزب في عام ١٩٤٣، وذلك حين كان في طور النادي، بينما لم يكن آدم عبدالله عثمان حينها عضوا في الحزب.
إلا أن كبير الصومال لم يتوقف عند ذلك المنعطف، بل راح يشق طريق الثورة والاستقلال بثبات، وقام بتأسيس حزب الصومال الكبير Great Somalia، والذي ارتكز على منطلقات جامعة الشباب الصومالي، وبذلك ساهم مجددا في تحقيق الاستقلال ومن ثم النضال لأجل أهداف الثورة في الوحدة وتكريس حياة سياسية ديمقراطية وخدمة المجتمع الصومالي.

وعلى السياق ذاته تخلص آدم عبدالله عثمان ومجموعته من المناضل عبدالله عيسى محمود، والذي تقلد الوزارة في عهد الوصايا الدولية على الصومال والتي كانت فعليا كوصايا إيطاليا خلال الفترة ١٩٥٠-١٩٦٠، لا سيما في عام ١٩٥٦، وقد كان دوره في الثورة،الحزب والنضال مركزيا حتى قبل تقلده ذلك المنصب.
وكان آدم عبدالله عثمان من أوائل السياسيين الصوماليين الذين كرسوا المحاصصة القبلية، فقد كان ذلك هو السبب الذي وقف خلف إزاحة المناضل عبدالله عيسى محمود من قيادة الدولة والحكومة فيما بعد.

وقد قضى خيار المحاصصة بتعيين عبدالرشيد علي شرماركي، كرئيس للحكومة في عام ١٩٦٠، وهكذا تم تنحية إثنان من أبرز المناضلين الصوماليين مصداقيتا من قيادة النضال والدولة، وظلت الصومال بعد استقلالها الشكلي مرتبطة بالتبعية لإيطاليا في مرحلة التعددية السياسية ١٩٦٠-١٩٦٩.
كما إتجهت ممارسة المحاصصة القبلية إلى المؤسسة العسكرية والتي إنعكست عليها محاصصة القيادة السياسية، فبعد أن عين آدم عبدالله عثمان، رفيقه في الحزب عبدالرشيد علي شرماركي كرئيسا للوزارة، فرضوا على قيادتي الجيش والشرطة أيضا المحاصصة القبلية. اللواء محمد سياد بري والذي تولى قيادة الجيش وجد ذاته فجاءة نائبا لمساعده في الجيش العميد داؤود عبدلي حرسي، وتم القيام بذلك لإيجاد توازنات قبلية المؤسسة العسكرية، وذلك على خلفية أن قائد الشرطة اللواء محمد ابشير موسى ونائبه العميد جامع علي قورشيل كانوا ينتمون إلى دارود Darood, وهو ما كان يشمل سياد بري أيضا.

وبتالي كانت فكرة المحاصصة ترى أن يؤخذ توازن قبلي بين دارود وهويي Hawiye.
وفي هذا الصدد ذكر العميد السابق جامع محمد غالب في إطار حديث تسجيل الذاكرة السياسية لبرنامج Xog iyo Xasuus المعلومة والذاكرة لقناة Xogogaal, أن استقطاب الضباط إلى الجيش والشرطة بعد هيكلتهم تم على خلفية قبلية، حيث توجه الضباط الهويي نحو الجيش وفي ظل قيادة اللواء داؤود عبدلي حرسي، بينما إتجاه أقرانهم الدارود إلى الشرطة، في ظل قيادة اللواء محمد ابشير موسى.

تلك التوازنات الغير دستورية والتي لم تكن لها صلة إطلاقا بقوانين الدولة، أصابت سياد بري بعمق، ودفعه تلك التغييرات لتحضير للفرصة المناسبة للانقضاض على القيادة السياسية، وهو ما كان يسفر على صدام ما بين رئيس الوزراء محمد إبراهيم عيجال وسياد بري حين أصبح كقائدا للجيش، ناهيك عن أنه لم يغفر له ولرئيس السابق آدم عبدالله عثمان وغيرهم، صراعات الماضي، وراح يسجنهم منذ صباح ٢١ أكتوبر ١٩٦٩، وإن كان القرار أتخذ من قبل المجموعة الانقلابية بإجماع.
وقد منح تراث ممارسة المحاصصة والحرص على التوزانات القبلية الجرأة للجنرال سياد بري لكي يخوض الحياة السياسية.

خالد حسن يوسف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.