=============
قرأت في الصحف المحلية احتجاجات ضباط ومفتشي الصحة عن الظلم الذي حاق بهم عندما تجاهلت وزارة الصحة المركزية دورهم النشط الفعال في مكافحة ووقف زحف فيروس الكارونا.
ومن حق هذا التجمع المهني ان يشتكي ويجأر بها وهم يرون حتي استحقاقاتهم المعنوية يتجاهلها المسئولون بل ان جهدهم الميداني ينسب الي غيرهم سواء علي المستوي الفني في وزارة الصحة او الميداني في البلديات...وهو ظلم ليس وليد الساعة بل هو إرث ظلت تمارسه معظم الحكومات السابقة...فيضيع وضعهم وكذلك تضيع حقوقهم ما بين وزارة الصحة والمحليات.
ومن الغريب حقا أن مشكلة توهان ضباط ومفتشي الصحة بين تبعيتهم الفنية لوزارة الصحة المركزية وانتدابهم للعمل بالبلديات لم يكن موجودا ايام الحكم البريطاني للسودان وحتي بعد خروجهم بسنوات...فقد كان الخط واضحا مابين التبعية الفنية والانتداب الوظبفي للبلديات حسب شروط وزارة الصحة. ولهذا كانت الخدمات الصحية خاصة في مجال صحة البيئة والوبائيات علي درجة عالية من الجودة والمراقبة والمتابعة.
وكانت كلية الطب الوحيدة التابعة لجامعة الخرطوم في ذاك الوقت وكلية الصحة المنتسبة تأهيلا علميا وتدريبا للكلية الملكية في لندن..لا تستوعبان للدراسة فيها الا المبرزين من طلاب المرحلة الثانوية وباعداد قليلة جدا بلغ عددهم سبعة فقط في كلية الصحة عام 1954...وظل الحال علي هذا المنوال حتي سبعينات القرن الماضي.
هذا التفرد في اختيار طلاب الكلية افرز فيما بعد جيلا متميزا من الخريجين كانت لهم بصماتهم في مجالات السياسة والأدب والشعر...منهم خلف الله بابكر وزير الحكم المحلي في حكومة اكتوبر 1964 ....والشاعر المشهور التيجاني عامر...والصحفي الراحل محمد سعيد محمد الحسن والصحفي المرحوم حسن ساتي....وآخرون اثروا الحياة الاجتماعية في كل الاقاليم والمناطق التي عملوا بها .
ثم جاءت حكومة ( الانقاذ ) وما احدثته من خلل في منظومة الحكم المحلي بحيث اصبح المعتمد هو المسئول المباشر في تعيين وتوظيف الفنيين بما فيهم ضباط ومفتشي الصحة فانقطع حبل التواصل الفني بينهم ووزارة الصحة المركزية وكان لذلك أثره الواضح في تدهور كل الخدمات البلدية وكانت صحة البيئة والعاملين فيها اولي الضحايا.
لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر خلال الفترة الماضية لعل أبرزها وجود كليات متخصصة في مجال الصحة العامة تابعة للجامعات ...ويتمتع خريجوها بكفاءات عالية من التأهيل والتدريب والاضطلاع بالمسئولية الوطنية في إدارة الخدمات ...وبالتالي لا يوجد اي مسوغ لا علمي ولا وظيفي ولا قانوني يسلب من هذه الشريحة حقها في تأكيد وجودها كشخصية اعتبارية مستقلة لا تستطع معه اية جهة رئاسية او مركزية ان تتجاهل دورها ومساهمتها في حماية المجتمع من الامراض والأوبئة فهذا هو دورهم وميدانهم الذي يجيدون اللعب فيه بذات القدر من الانجاز الذي تقدمه الجهات الاخري...
لقد ان الأوان بان تعود تبعية كادر مفتشي وضباط وملاحظي الصحة الي وزارة الصحة من الناحية الفنية من حيث الاستيعاب بعد التخرج وانتدابهم الي البلديات والمؤسسات الاخري ذات الصلة..ومتابعة تدريبهم اثناء الخدمة وترقياتهم وتفييم اداؤهم بينما تتولي تلك المؤسسات توفير متطلبات عملهم لتقديم خدماتهم دون تدخلىمنها في الامور الفنية...هذا اردنا الخدمات الصحية ان تعود فعلا الي سابق عهدها...
د.فراج الشيخ الفزاري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////