عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تطرَّقنا في الحلقة الماضية لقضية الفتنة التي حاول محمد عبد الله إبراهيم (يشار إليه فيما بعد بمحمد) إيقاظها من نومها. ففي هذه الحلقة سنتناول، على عجلٍ، صحة أو عدم صحة الافتراءات الكذوب التي أثارها حول مسألة "ضيق الأفق الفكري والسياسي" للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان - شمال، (يشار إليها فيما بعد أيضاً بالحركة الشعبيَّة أو بالحركة)، وفشلها في "بناء التحالفات السياسيَّة"، وعجزها عن "قراءة المشهد السياسي السُّوداني بشكل صحيح"، واعتقادها في استحالة سقوط النظام في ظل مظاهرات ثورة ديسمبر (2019م) أسوة "بثورة سبتمبر 2013م، لنلقي مزيداً من الضوء عليها حتى يكون القارىء على بينة مما يقرأ من هذا الكاتب لأنَّنا نعتقد أنَّه ينقل أحاديث غيره دون تمحيص أو تدبُّر.
ففيما يتعلَّق بالفكر السياسي للحركة الشعبيَّة ينبغي تعريفه، وتمحيص أنواعه وعناصره حتى يتسنى لنا معرفة أي الحزبين له فكر. إنَّ الفكر السياسى للحركة الشعبية يتأسس على نظرية التغيير (Change Theory) أي بمعنى أدق أنَّه مشروع فكري ولكن لديه خطة عمليَّة واضحة لإحداث التغيير على أرض الواقع، تلك الخطة مبنية على أعمدة رئيسية تتكوَّن من رؤية جامعة متكاملة، ورسالة واضحة ووسائل عمل ملموسة، حيث الرؤية أساسها تحقيق "سودان جديد"، علماني، وديمقراطي فيه تحترم الدولة تنوُّع السُّودان. أما الرسالة فهي: ترسيخ قيم العدالة والحرية والمساواة بين أبناء الوطن الواحد بالوحدة الطوعية؛ ووسيلة التحقيق هي التمسُّك بمبدأ إستراتيجيَّة تحقيق الأهداف، والمبنية على أربعة مسارات: الكفاح المسلَّح لحماية الجماعة ومصالحها والضغط على حكومة الأمر الواقع في المركز وإضعافها حتى تتهاوى وتسقط. ثالث هذه المسارات العمل الديبلوماسي "لعولمة" التعريف بالقضية، ورابعها الانتفاضة الشعبيَّة كما حدث في21 أكتوبر 1964م، و6 أبريل 1985م، وأما ما حدث في 11 أبريل 2019م فلم يبلغ غاياته الثوريَّة إذ ما زالت عناصر الدولة العميقة تسيطر على الوضع كما تؤكد شواهد الأحداث كل يوم، أي لم يسقط النظام بعد. ورابع المسارات هو التفاوض الذي يفضي إلى سلام مثل اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م، واتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م رغم تعثُّرهما لفشل النّخب في إدارتها وغياب الإرادة السياسية لتطبيق تلك الاتفاقيَّات، وهو في حد ذاته خلل هيكلي ربما يهدِّد أيضا العمليَّة السلميَّة الحالية.
ففي المسار الأول ظلَّت الحركة الشعبيَّة ثابتة في موقفها إذ ترى وتؤمن بضرورة استمرار الكفاح المسلَّح أو الحفاظ على جناحها العسكري، فهو أداة مشروعة للدفاع عن النفس والمطالبة بالحقوق فى ظل أوضاع الاضطهاد والعنف الممنهج من الدولة. ومشروعيَّة مواصلة الكفاح المسلَّح للحركة الشعبية ضرورة فى صناعة توازن القوى فى السُّودان. وما إصرار الحركة على بقاء الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، الذي أراد عقار تصفيته وتسريحه بل التخلُّص منه في صفقة سريَّة مع حكومة المخلوع البشير لو لا يقظة الحركة الشعبيَّة، إلا ثباتاً على المبدأ. بيد أنَّ عرمان أعلن تخلي حركتهم عن الكفاح المسلَّح لعدم جدواه وفقاً لقناعته، ففي تصريح له بتاريخ 18 مايو 2018م قال: "(...) الكفاح المسلَّح ليس آلهة لتعبد، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسيَّة بعينها" وإنّ حركتنا "قد انتقلت من الكفاح المسلَّح إلى النضال السلمي الثوري الذى يرمي للتغيير الجذري فى المركز". من المثير للسخرية أنَّ التغيير لم يحدث في المركز حتى الآن، وما نظنه سيحدث فى ظل وجود عقار وعرمان لأنَّهما جزئين أساسيين في المنظومة المركزيَّة، أو على أقلَّ تقدير ينفذان سياسة المركز بتعاطيهما التضليل الرمزي أو الإيحائي لمنسوبيهما.
وفى الإطار الديبلوماسي كان الاعتراف الدولى بقضية المنطقتين وبالقيادة الشرعيَّة الحالية بعد خروج الثنائي، وهذا ما دفع بحكومة الأمر الواقع فى الخرطوم إلى القيام بالتعامل مع قيادة الحركة الشعبيَّة بذات الاعتراف الدولى والإقليمي الذي عزَّزته زيارة مدير برنامج الغذاء العالمي السيد ديفيد بيزلي ثم زيارة رئيس وزراء الحكومة الانتقاليَّة الدكتور عبد الله حمدوك، والمبعوثين الدوليين والمنظمات الأمميَّة إلى كاودا والأراضي المحرَّرة مطلع هذا العام في غياب تام لعقار وعرمان من مناطقهما التي يدَّعيان السيطرة عليها عسكريَّاً وسياسيَّاً، ففاقد الشيء لا يعطيه.
وفيما يتعلَّق بمسار الانتفاضة الشعبيَّة فقد شاركت طلائع الحركة في جميع أنحاء السُّودان في أي حراك جماهيري سلمي هدف إلى إسقاط نظام الإنقاذ المستبد ولا ينكر تضحيات أعضاء الحركة الشعبيَّة في هذا الجانب إلا مكابر وجاحد. فمنذ اندلاع المظاهرات بالدمازين في 13 ديسمبر 2018م أي بعد 7 أشهر من تخلي حركة عقار عن الكفاح المسلَّح، واصلت الحركة نضالها المسلَّح تزامناً مع مشاركة أعضائها في التظاهرات السلميَّة. ولا شك في أنَّ الكفاح المسلَّح إضافة إلى النضال السلمي كوسيلتين متكاملتين فى العمليَّة التراكميَّة الطويلة لإضعاف النظام وصولاً إلى إزاحة رموزه وإيداعهم تحفظيَّاً في السجون. وقد تجلى دور الحركة فى الخوف والرعب الذي بدا على كل قيادات النظام السابق بعد بيانات الدعم والمساندة من الحركة الشعبيَّة للحراك السلمي فى كل السُّودان أبان ثورة 13 ديسمبر 2018م، غير أنَّ هذا التاريخ تغيَّر إلى 19 ديسمبر 2018م طمساً وتزويراً للتاريخ نفسه لأنَّ أي عمل وطني وقومي يأتي من أطراف السُّودان البعيدة مصيره الفناء أو التهميش أو التبخيس في نظر الكثير من النُّخب و بعض الدهماء وللأسف من الأطراف.
ومهما يكن من الأمر، ففي 5 يناير 2019م، وبينما السلطة الحاكمة آنذاك في قمة جبروتها وتحديها للشعب الثائر، وجه القائد عبد العزيز الحلو رسالة صوتيَّة إلى الأمة السُّودانيَّة، وإلى جماهير الحركة الشعبيَّة في كل أرجاء السُّودان بما فيها الأراضي المحرَّرة يدعوهم فيها إلى الاستمرار في المظاهرات السلميَّة ضد النظام الدكتاتوري المتجبِّر. وبعد السقوط الهاوي لرأس النظام في 11 أبريل 2019م، وجه القائد الحلو رسالة أخرى إلى الأمة السُّودانيَّة والثوار والثائرات يناشدهم جميعاً إلى تكثيف االتظاهر السلمي مؤكِّداً لهم وقوف الحركة الشعبيَّة معهم، لأنَّ ما حدث ليس إسقاط نظام بل إعادة تعبئة للخمر القديم في قناني جديدة، وأكد أيضاً على أهمية الضغط المشترك الذي أدى إلى تسليم الفريق عوض ابنعوف السلطة لأسوأ خلف، الفريق عبد الفتاح البرهان، في 12 أبريل 2019م. لم تعترف قيادة الحركة الشعبيَّة المتمثِّلة في القائد عبد العزيز آدم الحلو بالمجلس العسكري، وقد صدق حدسه فيما بعد.
حقيقة لم يقبل القائد الحلو التفاوض مع المجلس العسكري مثلما فعلت قيادات الفصائل المعارضة الأخرى، بما فيها حركة عقار، و برهن ذلك عندما رفض الاجتماع مع وفد المجلس العسكري الذي زار جوبا يوم 27 يوليو 2019م موضحاً أنَّه يفضِّل التفاوض مع حكومة مدنيَّة بعد نقل السلطة إليها وفقاً لمطلب الثوار، وهذا ما حدث بالضبط. غير أنَّ الحكومة الانتقالية فاقدة للإرادة السياسيَّة نسبة لتحكُّم المكوِّن العسكري في كل الأمور وفقاً للوثيقة الدستوريَّة المخلة والتي وافق عليها المفاوضون من قادة الجبهة الثوريَّة ومجموعة "قحت". والكل يعلم أنَّ الحركة الشعبيَّة لم تكن جزءً من تلك المهزلة التفاوضية ومنتوجها، بل انتقدت الوثيقة كما فعل آخرون، وطالبت هي بتعديل بعض بنودها وإضافة بنود أخرى تفضي لمعالجة قضايا قوميَّة هامة.
إنَّ موقف الحركة الشعبيَّة كان نقيضاً لما أقدمت عليه فصائل المعارضة. وللأستاذ عثمان ميرغني إعجاب حقيقي بموقف الحلو عبَّر عنه في جريدة "التيار" بتاريخ 29 يوليو 2019م قائلاً: "بصراحة؛ عبد العزيز الحلو – بموقفه هذا – يزيد من الثقة بأنَّه إضافة ثرَّة للمشهد السياسي السُّوداني". وختم إعجابه بالآتي: "شكراً، الحلو، قدَّمت درساً مفيداً للجميع". بعد هذا الاعتراف الصريح من أشهر كاتب وصحفي محقِّق وموثِّق يحترمه الصديق والعدو يأتي محمدٌ بشيء إدا ونكرا بقوله إنَّ الحركة عديمة "القدرة على التمكُّن من قراءة المشهد السياسي السُّوداني". إزاء تصريحه هذا لا يملك الفرد إلا أن يتساءل: في أي فضاءٍ أو فلكٍ يعيش محمد ورهطه أو كما سأل الأديب الراحل الطيب صالح عن ماهية الإنقاذيين: "من أين أتى هؤلاء"؟
في موضوع التحالفات السياسيَّة التي تغاضينا عنها في المقال السابق، نقول تحالفت الحركة مع أحزاب سياسيَّة كثيرة، الكبيرة والصغيرة والتي لها مبادىء ومواقف صلبة وثابتة وفعَّالة. ومن أهم الأحزاب الكبيرة، الحزب الاتحادي الديمقراطي وذلك بالتوقيع على مذكرة التفاهم في القاهرة في 24 سبتمبر 2019م ثم أخرى في جوبا في 29 يناير 2020م؛ وتحالفها مع الحزب القومي السُّوداني في مارس 2020م، والتحالف مع مجموعة كوش بأقصى شمال السُّودان، والكتلة التاريخيَّة بعضوية مؤتمر البجا التصحيحي بقيادة زينب كباشي، وتجمع قوى تحرير السُّودان بقيادة الطاهر حجر في يوليو 2019م. وهذه التحالفات - فى اعتقادنا - مبنية على درجات عالية من الاتساق والتاريخ والأهداف المشتركة. وكما أنَّها بمثابة محاولة بناء الثقة بصورة أكثر جدية فى بناء الثقة مع تلك الكيانات على أسس واضحة تفادياً لعيوب التحالفات الهشة التى تعتبر أهم أزمات الممارسة السياسيَّة السُّودانيةَّ، وما يميِّز هذه التحالفات أنَّ طابعها أساسه التساوي في تحمُّل المسؤولية، لا الندية ولا الاستعلاء والتعنُّت الذي يمارسه عقار وعرمان في التعامل مع الواقع.
أما اتهام محمد للحركة الشعبيَّة بأنَّها اعتقدت بحتمية فشل انتفاضة ديسمبر (2019م) كمثيلتها في سبتمبر 2013م، فإنَّ هذا الاتهام باطل كبطلان التاريخ الذي ذكره إذ لم تكن هناك ثورة في ديسمبر 2019م لأنَّ الثورة التي يعرفها كل العالم بدأت في 13 ديسمبر 2018م. وكما ذكرنا كان قائد الحركة الشعبيَّة على الخط الساخن مع الثوار يدعمهم ويشد من أزرهم لمواصلة ثورتهم حتى تصل إلى غاياتها المرجوة، فأين كان عقار وحركته؟ وهل كان من المنطق أن ينخرط أي عاقل في محادثات سريَّة في ذلك الوقت مع نظام متهالك وآيل إلى السقوط؟ كلا! في الحلقة القادمة سنخلخل وسنخلع "دبابيسه" التي حاول بها تثبيت أطروحاته الساذجة في أذهان الناس.
/////////////////////////