أشاحت العنصرية والإستعلاء العرقي الموجه نحو قبائل إقليم دارفور بشكل سافر في عهد النظام البائد؛ وإن كانت تلك النظرة ليست بالجديدة أو المستحدثة في التفكير المتعالي والعنصري للبعض؛ فتلك النظرة تقوم علي عقلية كامنة من التمايز القبلي الذي لا يستند لأساس تاريخي. فمفهوم تلك النظرة المستقبحة وذلك الفكر المعوج إلي ما يسمي (بأولاد البحر وأولاد الغرب). قد زاد مؤخراً من رقعته الفكرية في السودان؛ ولكن المؤسف نراه يتجدد في عهد الثورة بدلاً عن الإضمحلال.

ولمن لا يعرف القبائل في دارفور، والمجتمع المكون للبنية السكانية في دارفور؛ فهي قبائل عديدة، تختلف أصولها، و موروثها الثقافي ونمط حياتها الإجتماعية؛ فمن سكان دافور الأصليين قبائل إِفريقية مختلفة، و منها أيضاً قبائل تنحدر من أصول و خليط من العرب الذين نزحوا إلي السودان من المكون العربي من أقصي شمال غرب إفريقيا بعد إنهيار الأندلس وبدء الهجرات العربية عبر طريق قوافل العودة إلي الجزيرة العربية عبر طريق الصحراء أو طريق الحج من نوق الشط (نواكشوط) مروراً ببلاد فاس(المغرب) وجبال أطلس الصغير وأطلس الكبير في المغرب، وتونس الخضراء كما كان تتغني القبائل الحامية (التعائشة وأبناء عمومتهم الجنيد ومجنود الرزيقات والبني هلبه، والمسيريه والمعاليا) ونواحي الجزائر وبلاد البربر، والشلوح في جنوب الجزائر وليبيا حتي تخوم الصحراء قبيل النيل). وكان السكان الأصليون في دارفور يقطنون في كل المساحة في كل إقليم دارفور الشاسع. وهم قبائل عرفت بالسماحة في الخلق، وعلي قدر عال من التدين، الذي تجده في معاملاتهم وسلوكهم ونمط حياتهم؛ قبل دخول تلك المجموعات السكانية العربية الأصل إلي دارفور؛ الذي إنصهر بشكل تلقائي مكوناً ما نراه اليوم في دارفور من كيان سكاني إجتماعي واسع وعريض، متجانس ومؤتلفة؛ و في تاريخ دارفور الحديث وفد إلي الإقليم الشاسع العديد من التجار من شمال السودان؛ أطلق عليهم الجلابة؛ فإستقروا في دارفور وعاشوا بسلام وتصاهروا وأصبحوا حزءاً من نسيج دارفور الإجتماعي؛ و أن ذلك الإنصهار والتآلف في تلك البوتقة التي تشهدها دارفور لم تعرف ولم تحس تلك النظرات الإستعلائية فيما بينها؛ وفي حياتها ومعيشتها وتماذج مجتمعها؛ ولكن وبالمقابل بدأت النظرة العرقية الإستعلائية تأخذ رقعتها في الإتساع في بعض العقليات في شمال السودان؛ وتأخذ أهل دارفور علي حين غرة.

عبارات الإستعلاء العرقي تنطوي علي نظرة دونية، تكرس عبر ثقافة خبيثة، ورويدا رويداً بدأت تتسرب للمفاهيم الإجتماعية ولم تسلم منها حتي الأغاني، التي تشير وتكرس لتلك النظرة الدونية، فأصبحت الفتيات يتغنين (بود الغرب، وود دارفور، وبنيه نوبيه سموها زنوبة وغيرها من كلمات أغاني البنات في الحفلات) ومن ثم طفحت هذه النعرة المتخلفة والإستعلائية والإقصائية علي مجمل التعامل الإجتماعي حتي أصبحت ثقافة مقيته وبرزت معها إنتهاكات إنسانية جسيمة (وهناك تسريب منسوب للرئيس المخلوع مستقبح للغاية يتحدث فيه بتندر وبعبارات لا يمكننا من إيرادها، ولكنها تحض علي تكريس الإستعلاء العرقي البغيض).

ولتلك النظرة الإستعلائية مرجعية في مثل هذا الفكر المستقبح؛ فقد بدأ ذلك بتحريف التاريخ منذ الثورة المهدية وعلي وجه الخصوص، تاريخ الخليفة عبدالله التعايشي؛ فلم يسرد تاريخ المهدية؛ الثورة الإسلامية الأولي في السودان بأمانة. والأن وبعد تفجر ثورة ديسمبر التي أردناها تغييراً جذرياً للواقع المريض بكافة أشكاله، وأردناها بداية لإدارة التنوع الثقافي كقوة إجتماعية ناعمة للبناء سودان المستقبل؛ ما يزال البعض يستغل الحرية المتاحة بمفهوم خاطيء؛ لتطفو وتطفح كلماته ورسائله لتكريس تلك النظرة الإستعلائية الزائفة.

السودان بلد لم يكن في الأصل سوي بلد إفريقي، تقطنه منذ القدم قبائل إِفريقية لها حضارة ومجتمع له قيمه ومبادئه وأعرافه وموروثاته وعقده الإجتماعي. ويؤرخ له بإنسان سنجة الأول؛ و من ثم نشأت ممالك كوش، وكرمه ونبتة ومروي أقدم الممالك الكوشية؛ ثم تلتها الممالك النوبية؛ المقرة وعلوة ونوباتيا، فبدايات التكوين الحضاري للسودان قبل الإسلام؛ ودخول المجموعات السكانية العربية الوافدة لبلاد السودان؛ ثم جاء دخول الإسلام وقيام الممالك الإسلامية؛ السلطنة الزرقاء، وسلطنة دارفور ومملكة المسبعات ؛ مرحلة تاريخية أخري قبل دخول التركية في السودان؛ وإن كنّا لسنا نبحث هنا عن التحدث للحضارة في بلادنا وأصلها وتاريخها لنثبت أن للسودان حضارة قديمة وعريقة، ولكن فقد أثبت علماء الأثار والحضارة قدم حضارة بلادنا، وصنف السودان كسابع دولة علي مستوي العالم من حيث الثراء الحضاري، وأن بالسودان ما يقارب ٣٠٠ هرم بارز، ولنا في العالم الدولي شارل بونيه أسوة، فقد عكف علي دراسة الحضارة السودانية إلي ما يقارب الأربعة عقود، وأثبت أن الحضارة النوبية في بلادنا أقدم من وصيفتها في الجارة مصر، بل أن الحضارة النوبية السودانية تنحدر نحو الشمال كما النيل في مسيره وصيرورته التاريخية. ولكننا هنا بصدد الحديث عن أن بلادنا في الأصل لم تكن سوي دولة إِفريقية يسكنها خليط من السكان ذوو الأصل الإفريقي، ويمثل النوبيون المجتمعات الأكبر ويمتد تواجدهم علي طول النيل، وهم بناة الحضارة النوبية في السودان ومصر، وأن القبائل الأفريقية هم السكان الأصليين للبلاد. وهم قبائل مشهود لها بالشموخ والكبرياء والسماحة في الخلق، وهم شعوب مسالمه لا يعتدون علي جيرانهم ولم يعرف عنهم أنهم شنوا حرباً علي أي من الشعوب حولهم، بل ظلوا يعيشون في سلم وسلام اجتماعي، فتزاوجوا وتناسلوا فيما بينهم. وعند بدء الفتوحات الإسلامية، وبفعل موقع السودان، أصبحت بلادنا معبراً من الشمال إلي العمق الأفريقي، ومن الغرب إلي الجزيرة العربية، وكانت تلك هي بداية دخول العرب والإسلام معاً، فكانت رحلات التجارة من عبر مصر وإلي السودان، ورحلات العودة الجزيرة العربية من جبل طارق وطليطلة والأندلس عندما إشتد الشوق للعرب إلي ديارهم، فعبروا الصحراء وفيافيها عبر ما عرف فيما بعد بطريق الحج الذي يمر تحديداً بمدينة بربر، فبدأت الثقافة العربية واللسان العربي في التسلل إلي الكيان النوبي والأفريقي في بلادنا، وبدأ الإختلاط والتزاوج بين السكان الأصليين والعابرين من العرب أو الأعراب، وبدأ روبداً رويداً المجتمع السوداني في التشكل حتي أصبح فيما نحن فيه الأن من مزيج من كل ذلك الخليط الإنساني. وبالتالي فإن أي إدعاء بالعروبة والنقاء العرقي في السودان ضرب من الخبل الزائف. بيد أن نزوح العرب وعبورهم لأراضي السودان الشاسعة بخيولهم وجمالهم وماشيتهم قد كرس لدي البعض جهلاً بأنهم كرعاة وملاك للثروة (للسعية) مقابل سكان أصليون يفلحون أرضهم ويعيشون في سلام، بأنهم هم الأعلون ، وهذه الثقافة الدخيلة لا تجدها في السودان فحسب، بل تجدها عند كل القبائل الرعوية علي إمتداد إفريقيا، كالبول في غرب إفريقيا (الأمبرورو في السودان) .

ثم أطلت الحرب اللعينة في دارفور لتعمق الجراح بقتل أرواح العديدين من المواطنيين العزل المسالمين في كامل إقليم دارفور، وأطل شبح الإبادة برأسها، وأعلن بعض رموز النظام إنتهاج سياسة الأرض المحروقة والتطهير العرقي، حدث ذلك في دارفور منذ عام ٢٠٠٣، مع تفجر الحرب الداخلية التي قادها النظام البائد في هذا الإقليم المسالم أهله ، وتوقفت مرة أخري عجلة الإنتاج في هذه المناطق الملتهبة بعد أن أضطر أبناءها لرفع السلاح بوجه النظام وآلته العسكرية التدميرية الضخمة للدفاع عن أنفسهم وعرضهم وأرضهم، فبدأت الهجرة القسرية والنزوح الداخلي والخارجي وزادت معه أثارهما المرة والمؤلمة. وتفتقت جراح قديمة من الإستعلاء العرقي والعنصرية المقيتة.

وفي إنجمينا، عاصمة الشقيقة تشاد، والبلد الدافيء بالحب للسودانيين وبثقافته وموروثاته وحياته الإجتماعية، بلد لا تحتاج لكثير عناء للبحث عن أفضل التسجيلات للأغاني السودانية، ويدهشك التشاديين بمعرفتهم بأخر وأقدم التسجيلات لوردي ومحمد الأمين وحتي طه سليمان؛ تحضرني في هذه البلاد الرائعه بحبها لنا مقولة لأحد الساسة القدامي، والمحافظ لمحافظة وادي المتاخمة لغرب دارفور،المغفور له بإذن الله، السنوسي ودك، عندما قال لي والله يا إكسلانس، "أنينا ديل والله كن جرينا أربعين حول ما نهصلكم وأنتو واقفين في بكانكو ده" فقلت له ممازحاً وينفس لهجته "كيكيف يا إكسلانس" فأردف قائلاً "ما إيتو ديل خليتو القبلية دي في وراكو زمان" فتعجبت من تلك النظرة لحكيم تشادي في إعلاء نظرته للسودانيين، في نبذ العنصرية والقبلية. ألم يحن بعد نبذ تلك النظرة الإستعلائية في سودان الثورة، سواء تجاه أنفسنا؟؟

وَيَا تري ماذا كان سيقول عمنا السنوسي ودك، عن حال السودانيين الآن، الذين إمتدح وتباهي بنبذهم للقبلية علي إنها سنام العنصرية المقعده للشعوب، إن قيض له الله العيش حتي اليوم؟؟ وماذا كان سيقول إن علم بأن وزيراً سابقاً، أضاف عبارة مقيته في طلب التقديم للوظيفة في وزارته التي عدها ضيعة وخاصته بالميراث، عندما أضاف كلمة "أذكر القبيلة للطلب"؟، أو إن عرف أن وزيراً غير مختص بالتنمية السكانية أو بدراسة الأنثربولوجي مسك بقلم لم يمسك به ماكميل (و ماكميل، هو السير هيرالد ماكمايكل)، الإداري البريطاني حديث التخرج الذي عمل بالسودان في فترة الحكم الإنجليزي وكانت تمتلكة نزوة معاداة القبائل التي شاركت في المهدية فحاول يوماً مشؤوماً له بأن يمضي قراراً رغم ما في القرار من إهانة لكرامة ناظر الكواهلة، الشيخ عبدالله ود جاد الله، جد الإمام الصادق المهدي، فتلي ماكمايكل القرار المهين علي الشيخ عبدالله ود جاد الله وأمسك بقلمه وهم بالتوقيع علي القرار، فما كان من الشيخ ود جاد الله إلا أن أنتزع القلم منه وكسره، فلقب بكسار قلم ماكميك)،

ولكن هذا الوزير الآخر في عهد النظام البائد، الذي لا أظنه قد أحسن قراءة التاريخ الدخيل علي (ثقافته الأم)، فأمسك بذات القلم (بعد عقود مضت) والذي كسرته يد العزة والكرامة، لشيخنا ورمز عزتنا الشيخ عبدالله ود جاد الله، ورسم مثلثاً أصطلح علي تسميته (مثلث حمدي)، فقد رأي في ورقته التي قدمها وتضمنت محوره السياسي الإستراتيجي؛ حيث قال "إن الجسم الجيو سياسي في المنطقة الشمالية محور دنقلا سنار كردفان كفكر تجانساً وهو يحمل فكرة السودان العربي الإسلامي بصورة عملية من الممالك الإسلامية قبل مئات السنين ولهذا يسهل تشكيل تحالف سياسي عربي إسلامي يستوعبه، وهو أيضاً الجزء الذي حمل السودان منذ العهد التركي الإستعماري" (أرجو الرجوع لمقال الأخ والصديق والإعلامي النابه صلاح شعيب تحت عنوان (مثلث حمدي: طوبي للفقراء وأبناء السبيل، الذي نشر بتاريخ ٦ يوليو ٢٠٠٩ بصحيفة سودانايل الإليكترونية).

توقفت عند تلك العبارات التي حاولت إيقاف حركة تطور السودان البلد الإفريقي الأصل المستعرب ثقافة، والمتجانس رحماً وتنوعاً قبل مجيء الترك إلي بلادنا بعقود، ولا أدري إن كان (صاحب ذلك المثلث) مصاب حينها بمركب عقدتي (بروجوديس (préjudice) والمسيح المخلص معاً)!!!. وعندما سئل عن ورقته المثيرة للجدل، قال (لا تعتقدوا أنني كتبت هذه الورقة بدون تفكير، وهذه الورقة ليس لدي أي إعتذار عنها) راجع مقال السيد د. صديق أمبده (ليس إعتذاراً ولكنه أقبح من الذنب) صحيفة سودانايل يوم ٢٠١٢/٤/٦.

أليس أن مثل هذا التفكير عين القبليه والعنصرية والإستعلاء العرقي الذي إعتقد عمنا السنوسي ودك، طيب الله ثراه خطئاً بأننا في بلاد السودان قد تجاوزنا إلي غير رجعة ؟؟؟ وفي رواندا فإن مجرد ذكر كلمتي الهوتو والتوتسي (محرماً قطعاً)!!، فكيف بالله عليك تكون نهضتنا وحديثنا الأجوف ونحن نتغني مع وردي حادي الثورات السودانية، (نحن في الشدة بأس يتجلي .... وعلي الود نضم الشمل أهلاً...ليس في شرعتنا عبد ومولي...قسماً سنرد اليوم كيد الكائدين...وحدة تقوي علي مر السنين) ما أعذب الكلمات لشاعرنا مرسي صالح سراج، وما أقساها عندما يأتي من يعاني من عقد ذاتية ويرمي أصلنا النوبي الإفريقي في جب لاقرار له، ولكنه محظوظ فلم يعد فينا (كسار قلم ماكميك) !!!.

دعونا إخوتي نعكف علي نبذ العنصرية والإستعلاء العرقي الزائف، والتباهي بأصل عرقي لا نقاء فيه؛ ونضع جهودنا معاً في إدارة التنوع الثقافي في وطننا ونوجهه نحو إعادة بناء مستقبلنا، دون عودة لخلافات قد تنسف وتهدد وحدتنا الإجتماعية وقوتنا الثقافية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.