د. السر أحمد سليمان

جامعة حائل – المملكة العربية السعودية

اجتاح الفيروس الكوروني كوفيد 19 للعالم خلال شهور معدودة، ولكن كيفية مواجهة الناس له قد دلّ على نوعية التعليم والسوك المكتسب للناس في المجال الصحي والمهارات البحثية والعلمية والتدين ومجال الحريات الشخصية والصلابة النفسية بدرجة كبيرة، وذلك بمستويات متفاوتة كما يلي:

أولا: نواتج التعلم والسلوك البحثي:
منذ أن ظهرت جائحة كورونا للعالم برزت معها مستويات التعامل مع الظواهر على مستوى العالم، وظهر النشاط البحثي الذي قدم الكثير من الحقائق العلمية، فبدأت تتواتر لوسائل الإعلام بعض الأخبار التي وصفت الفيروس وحددت مواصفاته البيولوجية، وبنيته الوراثية، وتصنيفه ضمن الكورونيات وإعطائه الاسم العلمي كوفيد 19. ووضعت النظريات المختلفة لتحديد منشأه، وكشفت عن سرعة انتشاره، والمداخل والأجهزة الجسمية التي يصيبها، ومدة حضانته، والآثار والأعراض المرتبطة به، ومدى وبائيته وإماتته، وتسارعت الخطى المتعلقة بالكشف عن الأدوية المعالجة للمرض الناتج من الفيروس الكوروني كوفيد 19، والكشف عن اللقاحات المنمية للمناعة اللازمة لمواجهته، وظهرت البؤر والمراكز التي يكثر فيها ذلك النشاط البحثي الدؤوب على مستوى العالم، فتقدمت الصين في هذا المجال بعد اجتياح المرض، وظهر النشاط البحثي كذلك في إنجلترا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، مما يشير إلى مستوى الوعي البحثي والتعلم المنتج للمهارات البحثية في التعامل مع الظواهر المختلفة، ومما يدل على وجود التعليم المبني على حل المشكلات والارتباط بالواقع والمنمي للذكاء الطبيعي، والذي أفرز تلك النواتج. ولكن بالمقارنة مع ذلك فقد باتت كثير من مناطق العالم تحبس أنفاسها منتظرة ما يخرج من تلك المعامل لإنقاذهم من هذا الوباء، وكأنما بلدان العالم الأخرى ليست فيها جامعات ولا مراكز أبحاث، وفضلا عن ذلك نشط في كثير من بلدان العالم الأخرى التفكير الخرافي والتفسير غير الموضوعي للظواهر، وبدأت تظهر وصفات العرافين والمنجمين. وهذا يدل على حاجة تلك البلدان للمزيد من التعليم المبني على التفكير النقدي وحل المشكلات ومهارات البحث العلمي، وتعليم العلوم الطبيعية وخاصة البيولوجيا وتنمية الذكاء الطبيعي.

ثانيا: نواتج التعلم والوعي الصحي:
اتضح على مستوى العالم التفاوت في الوعي الصحي، ودرجة الالتزام بالسلوك الصحي، مما دلّ على نواتج التعلم السابقة لدى كثير من الشعوب، فاتضح أنّ الصينيين التزموا بالسلوك الصحي بصورة صارمة على المستوى الفردي والجماعي، ونفذوا التوجيهات التي تم تقديمها لهم من قبل السلطات الرسمية، ولولا وعيهم الصحي لما استجابوا لتلك التعليمات التي وردت إليهم، فالتزموا بحظر التجول والحجر الصحي، واستخدموا المواد الواقية والمنظفة بمهنية عالية، فكانت نسبة الإصابات والوفيات بالنسبة لتعدادهم ضئيلة جدا، وهذا يدل على ثقتهم العالية في النظام العام والتزامهم بالتوجيهات الصادرة من الجهات الرسمية، وليس هذا الأمر غريبا على شعب يستمد تعاليمه من التربية الكنفوشية المؤثرة في التعليم والسلوك لدى الصينين، وهي ترجع إلى الفيلسوف كونفوشيوس الذي ظهر في القرن السادس قبل الميلاد داعياً إلى إحياء الطقوس والعادات والتقاليد الدينية التي ورثها الصينيون عن أجدادهم، مضيفاً إليها جانباً من فلسفته وآرائه في الأخلاق والمعاملات والسلوك القويم. وتعتبر الكنفوشية الأخلاق هي الأمر الأساسي الذي تدعو إليه، وهي محور الفلسفة، وأساس الدين، وهي تسعى إليه بتربية الوازع الداخلي لدى الفرد ليشعر بالانسجام الذي يسيطر على حياته النفسية مما يخضعها للقوانين الاجتماعية بشكل تلقائي. وبالتالي لم يجد الصينيون صعوبة في الانصياع للتوجيهات العامة بشأن جائحة كورونا، وبينما كان العالم إما ساخرا من الشعوب الصينية ومن سلوكها الغذائي، أو شامتا على نظامها الرسمي، أو فرحا بالانهيار الذي سيحدث للاقتصاد الصيني، قاوم الصينيون الفاجعة وخرجوا منها بخسائر قليلة مقارنة مع ما حدث للعالم بعد ذلك.
وبالمقارنة فقد تفاوت الوعي الصحي لدى شعوب العالم الأخرى من خلال الاستجابة لهذه الجائحة بمستويات متفاوتة، فقد كان ضعيفا جدا في إيران وبلدان أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا، من خلال الاستهتار والتهاون، أو المقاومة والتحدي للتوجيهات الرسمية التي فرضتها بعض الأنظمة، مما يدل على الحاجة للتعليم الصحي بكثافة في تلك المناطق.

ثالثا: نواتج التعلم والحريات الشخصية:
تفاجأ العالم بسرعة انتشار الفيروس الكوروني كوفيد 19 في بعض بلدان العالم المتطور مثل إيطاليا واسبانيا وفرنسا، فقد حققت إيطاليا أرقام قياسية في سرعة انتشار الفيروس، وارتفاع معدل الوفيات، ومع أنّ السلطات الرسمية اتخذت كثيرا من التحوطات مبكرا بمنع التجمعات الكبيرة، وخاصة في حضور الجماهير لمشاهدة مباريات الدوريات المحلية أو الأوربية، فقد منعت إيطاليا دخول الجماهير للاستادات وتبعتها فرنسا وإسبانيا. ولكن ذلك لم يجدي! فلماذا؟ هل هناك ضعف في مستوى التعليم الصحي؟
السبب في ذلك يعود للتركيز الكثير على الحريات الفردية الشخصية، وسيادة الأنانية الفردية على النظرة المجتمعية، وغياب الوعي للاستجابة الكلية والتي تعد تدخلا في الحريات الشخصية وتضييعا لحقوق الإنسان الفردية. ولذلك انكشف خلل كبير في ضعف التوازن بين الحريات الشخصية والحقوق الجماعية، فأصبح الوضع مثل من كان راكبا في مركب وقال سأخرق مكاني في المركب لأنّه يخصني، فإن تركوه غرق وغرقوا وإن منعوه نجا ونجوا. ولذلك فإنّ التعليم القائم على الحقوق الفردية والحرية المطلقة يقتضي إعادة النظر لإحداث التوازن بين حق الفرد وحقوق الآخرين، على مستوى القطر وعلى مستوى الإنسانية، فالمسألة ليست في هذا الفيروس فقط، فهناك سباق التسلح وهناك التلوث الكوني الذي تقوم به فئة محققة لمصالحها الخاصة في المجالات الصناعية والاقتصادية والعسكرية، ولو كان على حساب كل البشرية الأخرى، ولذلك ينبغي أن تتولى المنظمات الإنسانية الكبرى مراجعة التعليم في العالم لإخراجه من الأنانية الفردية إلى المصلحة الكونية.

رابعا: التدين:
عندما سارعت الجهات الرسمية لمنع التجمعات المتعلقة بالعبادات للحد من انتشار الفيروس في بعض مناطق العالم، ظهرت ردود الأفعال المختلفة، والتي يشير بعضها إلى الشعور بأنّ ذلك لم يكن من الدين في شيء، ونتج عن ذلك بعض العناد والمقاومة والتحدي، وكأنّما التدين يعني السعي للانتحار الفردي والجماعي، والزهد في الحياة والسعي للتدمير والهلاك، وكأنّما التدين هو الوقوف ضد نواميس الكون، وليست فيه مرونة وموافقة للسنن الكونية! فظهر لدى بعض المتدينين أنّ التوكل هو المواجهة بالصدر العاري، وليس الإعداد الجيد للمواجهة بصورة علمية موضوعية، وكأنهم لم يسمعوا ولم يقرأوا قوله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين}[آل عمران:159]. فالآية تبين كيفية التواصل بين القائد وجماعته ومدى توفير الجوانب الشخصية والتنظيمية (الرحمة واللين وانتفاء الفظاظة والغلظ) التي تساهم في تشجيعهم على التفكير واستمطار الأفكار ومناقشتها (الشورى)، ومن ثمّ التهيئة والإعداد المادي والنفسي واتخاذ القرار والإقدام على التنفيذ (فإذا عزمت)، والتسليم لله بعد ذلك مما يعطي قوة وإمدادا روحيا لا يمكن وصفه (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين). وقد أعجبني تعليق ابن عاشور بعد تفسيره لهذه الآية بقوله: ولَوْ كانَ المُرادُ حُصُولَ التَّوَكُّلِ مِن أوَّلِ خُطُورِ الخاطِرِ، لَما كانَ لِلْأمْرِ بِالشُّورى مِن فائِدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ أوْضَحُ آيَةٍ في الإرْشادِ إلى مَعْنى التَّوَكُّلِ الَّذِي حَرَّفَ القاصِرُونَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مَعْناهُ، فَأفْسَدُوا هَذا الدِّينَ مِن مَبْناهُ(تفسير التحرير والتنوير).
وكأنّ بعض المتدينين الذين يخذلون الناس عن أخذ الاحتياطات لمواجهة الفيروس لم يسمعوا بالحديث الذي أورده الصحابي أنس بن مالك: (قال رجلٌ يا رسولَ اللهِ: أعقِلُها وأتوكَّلُ؟ أو أُطلقُها وأتوكَّلُ؟ قال: اعقِلها وتوكَّلْ) (سنن الترمذي). وكأنّهم لم يسمعوا بقول الفاروق: (نفر من قدر الله إلى قدر الله)(صحيح البخاري). وأظهر البعض التذمر من الصلاة في الرحال، وكأنّما النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي الرحال من قبل، ولم يقل: (ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر) (صحيح البخاري)!.
ومن جانب آخر فإنّ وسائط التواصل الاجتماعي في مجتمعاتنا قد أصبحت وسائل لتداول الإشاعات المرتبطة بالفيروس الكوروني بصورة مزعجة تدل على ضعف الوعي الديني في التعامل مع الأخبار ونقدها قبل إعادة نشرها، وفي هذا يجدر بنا أن نشير موقف الصحابي أبي أيوب الأنصاري إزاء الشائعات والذي يقدم لنا درسا في المواقف السليمة التي ينبغي أن يقوم بها المتدينون إزاء الشائعات وإعمالهم للتفكير الناقد والمقارنة الموضوعية، والذي قيل أنّ موقفه كان سببا لنزول هذه الآية: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} (النور: 12). فقد قيل إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما. فقد قالت أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكُنْتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منكِ (تفسير ابن كثير).
والتدين الصحيح يوجهنا للمصادر الصحيحة لتلقي المعلومات في المواقف المختلفة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفࣰا كَثِیرࣰا (٨٢) وَإِذَا جَاۤءَهُمۡ أَمۡرࣱ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنَ إِلَّا قَلِیلࣰا (٨٣)} [النساء ٨٢-٨٣]. وفي تفسير الألوسي: القَصْدُ بِالرَّدِّ اسْتِكْشافُ المَعْنى واسْتِيضاحُ الفَحْوى، والِاسْتِنْباطُ في الأصْلِ اسْتِخْراجُ الشَّيْءِ مِن مَأْخَذِهِ، كالماءِ مِنَ البِئْرِ، والجَوْهَرِ مِنَ المَعْدِنِ (تفسير روح المعاني). ولذلك في مثل هذا الموقف فإنّ أي خبر ينبغي أن يتم رده وتحليله والتعامل معه بصورة علمية قبل أن يتم نشره.
ولذلك يتضح أنّ برامج التعليم الديني والإعلام الديني تحتاج للمراجعة لنشر الوعي الديني الصحيح، الذي ينمي السلوك الشخصي الفردي والسلوك المجتمعي الذي ينتج عنه الإعمار والبناء، وتنمية البناء النفسي والتفكير العقلاني الناقد، وليس قبول الأفكار غير الموضوعية وتصديق الخرافات والهدم والتدمير والفناء.

خامسا: الصلابة النفسية والتعامل مع صدمات الحياة:
تشير الدراسات النفسية إلى أنّ الصلابة النفسية هي عبارة عن مزيج من ثلاثة مواقف (الالتزام والتحكم والتحدي) التي توفّر معًا الشجاعة والحافز اللازمين لتحويل الظروف العصيبة من المصائب المحتملة إلى فرص للنمو الشخصي، وتمكن الأفراد من التماسك ومواجهة الضغوط مواجهة موضوعية واتخاذ القرارات السليمة في الوقت المناسب. ومن جانب آخر فإنّ الصلابة النفسية ترتبط إيجابيا بالمناعة، فكلما كانت الصلابة النفسية مرتفعة كلما كانت المناعة قوية.
وقد كشفت جائحة الفيروس الكوروني كوفيد 19 عن مستويات الصلابة النفسية لدى الإنسانية، ومدى تعاملهم مع الصدمات الحياتية، فظهرت الضغوط النفسية وسجلت بعض الدوائر حالات انتحارية، وانتشر الإحباط في العالم، وقد لا تتوفر حتى الآن دراسات عن العلاقة بين مستويات العدوى والتعافي أو الموت ومستويات الصلابة النفسية حتى هذه اللحظة، ولكن انتشار الهلع على المستوى الكوني يشير إلى ضعف مستوى الصلابة النفسية، وبدت الرسائل الإيجابية قليلة وتمشي على استحياء ولا تجد استجابة كبيرة من الناس. وهذا يدل على مدى الخلل في التعلم المرتبط بالجوانب النفسية، وضعف نواتج التعلم في الإرشاد المرتبط بالضغوط النفسية والتكيف مع الصدمات الحياتية على مستوى العالم.

الخاتمة:
هذا المشهد الكوني من اجتياح الفيروس الكوروني كوفيد 19 وكيفية تعامل العالم معه كشف كثيرا من نواتج التعلم والتي تمثلت في السلوك الذي واجهت به البشرية هذا الموقف. وذلك في الوعي العلمي والتفكير الموضوعي ومهارات البحث العلمي ونمو الذكاء الطبيعي الذي ظهر في مناطق محدودة من العالم، وكشف أيضا عن توفر السلوك الصحي لدى بعض الأمم، وفقر أمم أخرى للسلوك الصحي السليم، وكشف أيضا عن الخلل في فهم الحريات الشخصية والفهم القاصر للتدين لدى بعض الأمم، وكشف أيضا عن ضعف مستوى الصلابة الشخصية والمهارات اللازمة لمواجهة الصدمات الحياتية والضغوط النفسية المرتبطة بها، وهذا كله يشير إلى الحاجة إلى مراجعة برامج التعليم لتنقيتها من المدخلات السالبة وتعزيز المدخلات المؤدية للنتائج الإيجابية في الوعي العلمي والسلوك الصحي والفهم الصحيح للحريات الشخصية بما لا يتعارض مع سلامة المجتمع، والفهم الصحيح للدين والاستفادة منه في هذه المواقف، وتنمية الصلابة النفسية والمهارات اللازمة لمواجهة الضغوط النفسية والصدمات الحياتية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.