شَهِدَتْ السَّاحَة السِّياسِيَّة ولاتزال تَشْهْدُ جَدَلاً كبيراً، بعد إعلان تكوين الحُكُومة الإئتِلَافية الَّتِي أتى بها اتفاق السَّلَام المنشط في شهر أكتوبر 2018م بالخرطوم، مِنْ خِلَالِ التلفزيون القومي عَشِيَّة يوم الخميس الموافق 12 مارس 2020م، حول تعيين شخصيات مِنْ الأطراف الموقعة على اتفاق السَّلَام للحقائب الوزَارِيّة، وخصوصاً، تعيين السيدة أنجلينا تينج، وزيرةً للدفاع وشؤون قدامي المحاربين. 

ومِنْ الملاحظ أن الشَارِع العام، كان في ترقبٍ شديدٍ لتشكيل الحُكُومة، وتوقع تشكيلها في 22 فبراير، إلَّا أن الأسباب الداخلية لدوائر المعنية بصناعة القرار، أدَّتْ إلى حدوث تأخير في تكوين الحُكُومة في الموعد المضروب سابقاً، ما جعل الجميع في حالة الترقب والانتظار عظيمين.
وأثناء الانتظار، حاولت الصُحُفُ كشف ما يجري خلف الكواليس لِلْشَارِع. وفي غضون تلك الفترة القصيرة، جرت عمليات ترشيح شخصيات لشغل الحقائب الوزارية، مِنْ قِبَل النشطاء ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، في سابقةٍ نادرة، إن لم تكن هي الأولى مِنْ نوعها. كما شَهِدَتْ السَّاحَة أيضاً تَذُمُراً بعد تشكيل الحُكُومة، لأنّ التشكيل لم يأتي بحسب توقعات بعض النَّاس، فإنتهت الأمور مخيبة لظن هؤلاء وأُولئك النَّاس.
ومِن المُلَاحَظ أنّ الحُكُومة الحالية سيطرت عليها بدرجةٍ كبيرةٍ الجماعات الَّتِي لجأت إلى رفع السلاح في وجه الحكومة في وقتٍ سابق، كوسيلة لضمان مقاعدها في السُّلْطة، وسط غياب تام لشخصيات سياسية مِنْ منطقة أبيي، الَّتِي كان يجب أن تمثل ولو بوزارة واحدة على الأقل، وغياب رئيس الحركة الوطنية الديموقراطية، الدكتور لام أكول، وصعود أعضاء تحالفه المعروف بـ(سوا/SSOA) على مقاعد السُّلْطَة على حسابه، كما اتضح من البيانان الصادران عن حزبه.
في البدء، دعونا نتعرف على مَنْ هي السيدة أنجلينا. لكن، قبل ذلك، نود أن نُقَدِّمُ تنويهاً لحضرات السادة والسيدات القُرَّاء، بأننا لم نحصل على نسخةٍ مِن سيرتها الذاتية مكتوبة بالتفاصيل المعروفة، لكننا تمكنا من اِقْتِفَاء أثرها من خلال التقارير الصحفية التي تناولت تصريحاتها وأنشطتها ومسيرتها السِّياسِيَّة فيما مضى. وتُقَدِّمُ التقارير في تفاصيلها شذرات من مسيرتها السياسية منذ العام 2005م حتى الآن.
وبناءً على المعلومات، فإن السيدة أنجلينا هي ابنة توماس كوما، واسمها الأفريقي "جانج" وتنحدر من بانتيو بولاية الوحدة. وقد اكتسبت اسمها الأوروبي والكنسي "أنجلينا" فأصبحت معروفة شعبياً بـ"أنجلينا تينج"، ويعود اسمها الأخير "تينج" إلى أسرة زوجها بعد زواجها، ويدعوها أفراد المجتمع بـ(نياجانج)، وتحظى باحترام أفراد المجتمع، لا سيما النساء. فمن هي نياجانج أذاً؟ باختصار، إنها سِّياسِيّة سُّودَانِيّة (إبان السُّودَان الموحد) وسياسية سُّودَانِيّة جَنُوبِيَّة (بعد إعلان الاستقلال وقيام جمهورية جديدة في السُّودَان الجَنُوبِي)، وقد شغلت منصب وزيرة الدولة بوزارة الطاقة والتعدين في الخرطوم، إبان السُّودَان الموحد في الفترة من العام 2005م حتى العام 2010م.
وحين أقبل أهل السُّودَان إلى الانتخابات العامة في إبريل 2010م، تَحدّت السيدة أنجلينا سياسات ولوائح حزبها (الحركة الشعبية) التي لا تسمح بمنافسة الرفاق ضد بعضهم الآخر، ونافست السيد تعبان دينق قاي، المرشح من قبل المكتب السياسي للحزب لمنصب حاكم ولاية الوحدة، في السباق الانتخابي الذي جرى في إبريل 2010م، كمرشحة مستقلة لمنصب حاكم نفس الولاية (سودان تريبيون 17/4/2010م).
ولم تكن أنجلينا من فعلت ذلك وحدها، بل كان هناك أعضاء آخرين من الحزب سلكوا ذات مسلكها وهم: السيد جوزيف بنغازي باكاسورو الذي نافس ضد السيدة جيما نونو كومبا في ولاية غرب الاستوائية، وفاز بالانتخابات هناك (سودان تريبيون 13/12/2009م)، والسيد داو أتورجونق الذي نافس السيد بول ملونق أوان في ولاية شمال بحر الغزال، وانتهى السباق الانتخابي هناك لصالح ملونق (سودان تريبيون 4/1/2010م). والسيد ألفرد لادو قوري، مستشار رئيس حكومة جنوب السودان في ذلك الوقت، الذي نافس السيد كلمنت واني كونقا في منصب حاكم ولاية الاستوائية الوسطى (سودان تريبيون 21/1/2010م)، فيما أعلن المرشح المستقل الآخر، من ولاية الاستوائية الوسطى، السيد أليكايا أليقو سامسون عن انسحابه من العملية الانتخابية (سودان تريبيون 30/1/2010م).
وبعد خوض أنجلينا لغمار تلك الانتخابات ضد مرشح حزبها، في ولاية الوحدة، انتهت الانتخابات بهزيمتها، لكنها أعتبرت فوز مرشح الحزب تزويراً للانتخابات بالولاية ورفضت الاعتراف بالنتائج (سودان تريبيون 26/4/2010م). واتهمت أنجلينا حزبها بعدم الإلتزام بإجراءات سلامة العملية الانتخابية في تصريحات للمركز السوداني للخدمات الصحفية "SMC" (راجع سودان فيشون 20/4/2010م). وزُعِمَ بأن العقيد جيمس قلواك قاي، كان من حلفاءها في سبيل معركتها للوصول إلى السُّلْطَة في تلكم الانتخابات، والَّذِي تمرد (جيمس قلواك قاي) فور إعلان نتائج الانتخابات ضد الحكومة (راجع تقريرSudan Human Security Baseline Assessment الصادر في 2010م، والذي تم تحديثه في يولو 2011م بعد مقتل العقيد قلواك قاي).
ووفقاً لنتائج العملية الانتخابية المعلنة في ذلك الوقت، فاز تعبان دينق بـ(137,662) صوتاً مقابل (63, 561) صوتا لأنجلينا تينج (سودان تريبيون 26/4/2010م). ويستطيع المراقب للأحداث السياسية، أن يرى أن هناك منافسة حامية الوطيس بين تعبان دينق وأنجلينا تينج، وقد تكررت ارهاصات منافستهما في 2016م في مسألة توزيع الحقائب الوزارية التي كانت من نصيب الحركة الشعبية في المعارضة، رغم وجود صلة الرحم بينهما، حين أراد تعبان دينق أن يصبح وزيراً للنفط، فيما أرادت أنجلينا أن يصبح السيد داك دوب بشوك وزيراً للنفط، في اتجاهٍ مضاد لرغبة وإرادة تعبان، فإنتصرت إرادة أنجلينا أخيراً، ضد إرادة تعبان دينق.
وقد زعم السيد تعبان دينق يومذاك بأن السيدة أنجلينا، هي من قامت بتحريض العقيد جيمس قلواك قاي على التمرد ضد الحكومة بمساندة من السيد لام أكول، رئيس الحركة الشعبية - التغيير الديموقراطي حينئذٍ (سودان فيشون 12/6/2010م).
وإذ كان حمى الانتخابات قد بلغ أعلى درجات غليانه بين أنجلينا وتعبان، حدث شغب في استاد مدينة بانتيو الذي تجمع فيه كُل مِنْ أنصارها، وأنصار تعبان، وأنصار مرشح الحركة الشعبية لرئاسة حكومة جنوب السودان الإقليمية الجنرال سلفا كير ميارديت، وأنصار مرشح حزب الحركة الشعبية – التغيير الديموقراطي لرئاسة حكومة جنوب السودان الإقليمية الدكتور لام أكول. ووقعت أحداث الشغب بعد وصول الرئيس سلفا كير إلى بانتيو، وكان من المقرر أن يخاطب الجماهير داخل نفس الاستاد، لكنه اِضْطَرَّ إلى مغادرة المدينة على متن طائرته عائداً إلى جوبا، نتيجة لأعمال العنف التي اندلعت في استاد بانتيو (سودان تريبيون 19/3/2010م).
وفي خِضَمِ الأحداث، لقي العقيد جيمس قلواك قاي حتفه في مقاطعة كوج بولاية الوحدة، صبيحة يوم 23 يوليو 2011م، في ظروفٍ غامضة، بعد توقعيه اتفاقاً للسَّلَام مع الجيش الشعبي (سودان تريبيون 24/7/2011م). كما اتهم السيد إدوارد لينو عضو الحركة الشعبية، أنجلينا بدعم العقيد قلواك قاي الذي رفع السلاح ضد الحكومة في ولاية الوحدة، لكن أنجلينا نفت تلك المزاعم والاتهامات، وقالت أن لا علاقة لها بتمرد العقيد قلواك قاي في ولاية الوحدة، وهددت، بل وشرعت في تحريك دعوى قضائية في مواجهة إدوارد لينو، لكن القضية التي أعتزمت تحريكها ضد لينو سقطت بالتقادم، وطوته صفحة النسيان (سودان فيشون 12/6/2010م).
بعد خسارتها الانتخابات في إبريل 2010م، لم تشغل حقيبة وزارية في جنوب السودان، لكنها شغلت منصب مستشار وزارة الطاقة والتعدين، وكانت ضمن أعضاء فريق حكومة جنوب السودان الذين فاوضوا حكومة الخرطوم في قضايا النفط وغيرها (سودان تريبيون 17/4/2010م). ولم تشغل السيدة أنجلينا منصباً مرموقاً بعد ذلك حتى العام 2013م، لكنها بقيت حالمة وطموحة ونشطة تتحرك في السر تارةً، وفي العلن تارةً أُخرى في الأنشطة الاجتماعية والحزبية، وعلى شاشة التلفزيون القومي تارةً ثالثة، مساندة زوجها وحليفها السياسي ريك مشار في كل خطوة. وبعد انفجار الأوضاع في 15 ديسمبر 2013م، خرجت بجلدها من جوبا مع مشار، وظهرت في صور نشرتها صحف الخرطوم، وهي ترتدي الزي العسكري، وتوزع الطعام للجنود بوجود مشار في إحدى الغابات.
لم نعثر على أي شيء عن مؤهلاتها الأكاديمية، ونقصد هنا المؤسسات التعليمية التي درست وتخرجت فيها، سوى إشارة موسوعة ويكيبيديا إلى أنها درست في بريطانيا، وأنها تتحدث اللغتان الانجليزية والعربية (العامية السُّودَانِيَّة) بالطلاقة دون مزيدٍ مِن التفاصيل (راجع الموسوعة الإلكترونية الحرة، ويكيبيديا في نسختها الانجليزية).
لا أحد ينكر أن السيدة أنجلينا امرأة لديها مقدرات في مخاطبة النَّاس والتعبير عن آرائها في قضايا سياسية، وقد أستطاعت بكل هذه المزايا أن تكون كادرة سياسية بالممارسة في الحركة الشعبية، قبل حدوث سلسلة الانشقاقات التي بدأت في سنة 2013م، وانتهت بالانفجار في أواخرها.
لم نتعرف على أنجلينا تينج عن قرب، لكن من وحي متابعاتنا للسياسة، تعرفنا عليها، ولم نلتقيها سوى مرةً واحدة، في يوم 6 فبراير 2016م بالقاهرة، حين زار رئيس الحركة الشعبية في المعارضة ريك مشار مصر، بصحبة وفد شمل أعضاء قيادته كل مِن ضيو مطوك، وإيزكيال لول قاتكوث، وأنجلينا تينج، وخاطبوا ندوة سياسية، في قاعة كنيسة جميع القديسين بالزمالك، وأدار الندوة ممثل مكتبهم في مصر قاركوث بيال نيانق.
وفي تلك الندوة، ألقوا باللائمة على الحكومة في جوبا بقيادة الرئيس سلفا كير، لكننا داخلناهم، وقلنا لهم أن المتسبب في حدوث الصراع في جنوب السودان وسفك الدماء، هي الحركة الشعبية. ولئلا نُبْرِي أحداً، قلنا لهم أن الحركة الشعبية بكل أجنحتها مسؤولة مسؤولية تامة عن اندلاع الحرب في جنوب السودان، كما جاء في وثيقة أروشا التنزانية الخاصة بتوحيد فصائلها في نهاية العام 2015م. فلم يرد أحداً من القيادات على مداخلتنا تلك سوى أنجلينا، التي نفت في ردها أن تكون الحركة الشعبية هي سبب المشكلة في البلاد.
في 6 نوفمبر 2015م، أصدر ريك مشار قراراً قضى بتعيينها رئساً للجنة القومية للأمن والدفاع (راجع الموقع الإلكتروني لراديو تمازج 8/12/2015م)، ولعبت دوراً كبيراً في إدارة قضايا الأمن والدفاع داخل الحركة الشعبية في المعارضة، وقد شهد الجميع الدور الذي لعبته في أعقاب انفجار الأوضاع من جديد في معركة القصر الرئاسي في شهر يوليو في العام 2016م، ومساهمتها في إجلاء مشار مع جنرالاته وجنوده عبر الأدغال وصولاً إلى الكونغو، والإجراءات المتعلقة بإحياء السَّلَام والتي تمظهرت في اجتماعات ومشاورات مع دول المنطقة (الإيغاد)، حين كان مشار قابعاً في منفاه بجنوب أفريقيا.
كان كل ذلك بداية صعود أنجلينا تينج، وهو الصعود الذي بلغ ذروته اليوم بشغلها حقيبة وزارة الدفاع وشؤون قدامى المحاربين. وهنا يتضح للمتابع أنها لم تصبح وزيرةً للدفاع اليوم، بل منذ 2015م، حين تم تعيينها على رأس اللجنة الوطنية للأمن والدفاع بالحركة الشعبية في المعارضة، لكن خطوة تعيينها وقتها، لم تجد استهجاناً واستياءً داخل أروقة الحركة الشعبية في المعارضة، ولم تُثِير جدلاً مثل الذي يحدث الآن عقب إعلان تشكيل الحكومة.
يمكن تلخيص الجدل الدائر الآن حول تعيين أنجلينا وزيرةً للدفاع، داخل معسكر مشار، ولدى الرأي العام أيضاً، لا سِيَّمَا في منصات التواصل الاجتماعي، والذي أثار حفيظة كبار الضباط في جيش مشار وأعضاء مجلس الدفاع المشترك، الذين اتهموا مشار وحركته بفقدان المسار والرؤية وتحولها إلى شأن أسري خاص، ودفعتهم خطوة تعيين أنجلينا إلى تقديم استقالتهم، وإعلان الانضمام إلى معسكر الرئيس سلفا كير، إذ تم تعيينها دون مشاورتهم كجنرالات الجيش بحسب قولهم، وهم الفريق جيمس كونق شول، اللواء قاتكور قاتلواك كوريوم، اللواء وانق شانج طيان، واللواء جوزيف ياتا أرنستو (بيان الاستقالة 17/3/2020م)؛ في ثلاثة أشياء شكلت عنوان هذا المقال: النوع والكفاءة ومحاباة الأقارب أو المحسوبية السياسية (nepotism).
في الجدل الذي يدور حالياً، هناك فئة (من الشارع العام) تعترض على شغل السيدة أنجلينا تينج منصب وزيرة الدفاع، والحجة كلها وراء هذا الاعتراض هي أن وزارة الدفاع، وزارة لا يمكن أن تديرها امرأة، وهنا تستند حجة الاعتراض على (النوع) فقط. فيما رفض بعض أنصار كير في وقتٍ سابق ذهاب وزارة الدفاع للحركة الشعبية في المعارضة لأسباب سياسية، وهنا استندت حجتهم على (السياسة). فيما ترى فئة أُخرى (من الشارع العام ومنسوبي الأحزاب السياسية) أن أنجلينا قادرة على إدارة وزارة الدفاع، وأنها ستعمل على تنفيذ الترتيبات الأمنية التي تم تأخيرها بنجاح، وأن تعيينها فرصةً للسيدة (المرأة) لإثبات مقدراتها في إدارة شؤون الدولة حتى في مناصب مرموقة وسيادية مثل وزارة الدفاع، وأنها مؤهلة لإدارتها، وهنا تستند حجتهم على على (الكفاءة).
فيما ترى الفئة الأُخرى أن مشار أتى بها إلى وزارة الدفاع لأنها زوجته، وهنا تشير حجتهم على أن الأمر (محاباة الأقارب) أو محسوبية سياسية قام بها مشار. وكثيرٌ من الاتهامات التي برزت إلى السطح في الأيام القليلة الماضية، وفتحت الباب واسعاً أمام الانقسام السياسي والعسكري، في معسكر النائب الأول ريك مشار لصالح معسكر الرئيس سلفا كير، ما زاد من درجة القلق السياسي في أوساط أنصار مشار، إذ يرون أن الموازين السياسية والعسكرية آخذة في الانقلاب لصالح خصومهم السياسيين، كما يرون أن الأمر يُنْذِرُ بمستقبلٍ قد يكون خطيراً عليهم عسكرياً وسياسياً، فيما يرى آخرون من أنصار مشار، أن انشقاق هؤلاء وأولئك الجنرالات، ليس له تأثير سياسي وعسكري على حركتهم ومستقبلها سياسياً وعسكرياً.
سواء اتفقنا أو اختلفنا حول كفاءة أنجلينا في إدارة الدفاع، تظل الحقيقة هي أنها قادرة، لكن مشار أخطأ في تعيينها وزيرةً للدفاع، إذ كان من المفترض أن يشغل منصب وزير الدفاع أحد جنرالاته، الذين ضحوا لأجله بمجهوداتهم ودمائهم كي يبقى على قيد الحياة، وتعيين أنجلينا في أي وزارة أُخرى.
الحجج التي ترى أن أنجلينا لا يمكن أن تدير وزارة الدفاع لأنها امرأة، حجج غير منطقية لأن حقيقة كونها امرأة (النوع) لا يمثل عائقاً أمام تقديم خدمة، ولا يَقْدَم على مثل هذا التفكير سوى الذكوريين في تفكيرهم ونظرتهم للمرأة، والدور الذي يمكن أن تلعبه في المجتمع والسياسة. وهنا يتضح أن نظرة السودان الجنوبي تجاه المرأة لم يتغير بعد، على الرغم من أن الزعيم السياسي الراحل جون قرنق، رسخ لمبدأ إعطاء الاعتبار للمرأة ومنحها حقها في كل مستويات الحكم كأدب سياسي جديد ينبغي أتباعه في شقي السودان.
إنّ القرار الذي صدر بتعيين أنجلينا وزيرةً للدفاع، قراراً أصبح بمثابة الأمر الواقع الآن، وغير متوقع التراجع عنه أو إلغائه في وقتٍ قريب. والحكم على أنجلينا الآن بأنها لن تستطيع فعل شيء، حكم سابق لأوانه. وإذا كان هناك عملية تقييم جاد لدورها في وزارة الدفاع، فيجب أن يتم بعد مضي ستة أشهر أو سنة واحدة، من عمر الفترة الانتقالية التي هي ثلاث سنوات.
وفي رأينا، كل هذا الذي يدور الآن من جدل حول مَنْ يشغل هذا المنصب أو ذاك، ليس مهماً. المهم الآن هو هل سيتم تنفيذ اتفاقية السلام خلال فترة الثلاث السنوات التي بدأت الآن؟ هل يجب علينا كشعب أن نثق في أطراف الحركة الشعبية التي تناحرت طيلة السبع السنوات الماضية، كقيادة في ظلها يمكن أن يتحقق الأمن والاستقرار في كُلِّ أرجاء البلاد؟ أم ستنفجر الأوضاع مِنْ جديد في أقل خلافات سياسية داخل الحكومة؟ هل ستنتهي الفترة الانتقالية بسلام؟ ولو انتهت بسلام، هل ستمر الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية بسلام؟
إننا لا نسأل مثل هذه الأسئلة لأننا متشائمون، أو بقصد إثارة القلق والخوف في النَّاس. إننا متفائلون مثل الآخرين، لكننا نتساءل طرقاً لباب الحقيقة المُرَّة. إننا فقط نتساءل لأن قيادات الحركة الشعبية في كل (أجنحتها وفصائلها)، سواء تلك التي مازالت متمسكة باسم (الحركة الشعبية لتحرير السودان) كإرث تاريخي نضالي ثوري، لا يمكن الابتعاد عنه أو تركه للآخرين، أو تلك التي اتخذت لنفسها أسماءً بديلة بعد الانشقاقات الطاحنة، أثبتت للشعب السوداني الجنوبي فشلها في إدارة ملفات الدولة في هذه البقعة منذ العام 2005م الآن في السياسة (داخلياً وخارجياً) وفي ملفات الأمن والاستقرار والاقتصاد والصحة والتعليم وتوحيد الشعب وتحقيق وعود حرب التحرير ..إلخ.
ويجيء تشكيل هذه الحكومة الضخمة التي تتكون من (35) وزيراً اتحادياً و(9) نواب لهم، و(550) عضواً برلمانياً في البرلمان القومي في جوبا، والمجالس التشريعية الولاية التي قد تتكون من (35) عضواً أو أكثر، بالإضافة إلى (13) من حكام الولايات، (10) حكام للولايات العشر، وثلاثة (3) حكام للإدارات الثلاث التي إُنشئت مؤخراً، كدليل على أنها ليست حكومة أتت لتقديم الخدمات للشعب، بل للسيطرة على مفاصل السُّلْطَة واستنزاف موارد الشعب. إلى ههنا، نقول للقصة بقية، ولنا عودة. وسلم الجميع من وباء فيروس (كورونا) المتفشي في أنحاء كثيرة من العالم هذه الأيام.

• دينقديت أيـوكـ كاتب وصحفي من السودان الجنوبي
البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.