حديث محبط للناطق الرسمي باسم لجنة تفكيك التمكين الدكتور صلاح مناع, حول أشخاص لم يسمهم في أعلى جهاز الدولة السيادي يعملون على عرقلة سيرعمل اللجنة بابتداع موضوع إعادة هيكلتها, و إرهاصات أخرى ببين مدير الشركة بالسودانية للمعادن ونائبه مبارك أردول في أمر يتعلق بشبهات فساد تحوم حول الأول أثار غبارها الثاني, وتسريبات تتحدث عن صلة المدير برئيس جهاز المخابرات البائد (قوش), وهكذا تتوالى المثبطات و المخازي و الطعنات النجلاء في ظهر المواطن المسكين, الذي مازال يهتف باسم حكومته المدنية وحياة رئيس وزرائها المشكور حمدوك.

لقد أجاب الرجلان (مناع وأردول) على اسئلتنا الحائرة التي طال انتظارنا لسماع أجوبة شافية لها, تملكتنا الحيرة طيلة الشهور الماضية في بطء الحركة السلحفائية للجنة تفكيك التمكين, و الحرية التي يتمتع بها كبار الفاسدين (كرتي ومامون) في ظل حكومة ثورة يفترض فيها احترام دماء من قضوا في سبيلها,والمتوقع منها الضرب بيد من حديد على كل الفاسدين, تضجر الشارع و سأم المماحكات المصاحبة لملف أكلة مال المواطن من رموز الحكم البائد, وها هو اليوم المنتظر قد أتى بالخبر اليقين, ألفساد كائن حي يرزق يرفل في النعيم تحت حماية ملائكة الرحمة من رموز الحكم الجديد.
الطبقة الطفيلية التي نخر سوسها عظم الاقتصاد الوطني ما زالت متحكمة في القرار السياسي, و مازالت العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية توجه الحكام الجدد نحو الرأفة و التعامل الناعم مع سدنة العهد البائد, حتى أن الطمأنينة و راحة البال قد جعلت أتباع الحكومة السابقة لأن يمددوا أرجلهم, فذلك هو ضابط الأمن و الحاكم السابق لولاية شرق دارفور, يحشد ما تبقى من المنتفعين من المنظومة المندحرة و يخرجهم في مظاهرة بمدينة الضعين مناوئاً ومتمرداً على الحكم الانتقالي.
لقد بدأت خيوط اللعبة تتضح شيئاً فشيئا بعد هذين الحدثين, فسلوك الأنظمة المتعاقبة على امتطاء ظهر البلاد لم يبتعد عن مسلك حكومة ثورة ديسمبر المجيدة, فالمنظومة الانتقالية التي منينا انفسنا الأماني بأنها سوف تكون متفردة و مغايرة للنسق القديم, للأسف تمترست خلف العلل و المراض القديمة ولم تكن على قدر الطموح الثوري المنشود, وها قد بدأ رأس جبل جليد الفساد المتجذر و المتأصل في البروز ليزيد الطين بلة و يقطع على الشعب المتفائل خيط أحلامه الوردية.
منذ إزاحة الطاغية و بعض معاونيه عن المشهد لم تحدث حكومة الانتقال النقلة الثورية المأمولة, أشهر الفاسدين قابعين في سجن كوبر بلا محاكمات ناجزة تشفي غليل أمهات الشهداء وتعزي أقارب المفقودين, سنة عدت و مضت ولا وزرائنا لم يقدموا غير الحديث المنمق على شاشات التلفزة, ما هو ذلك الشيء الذي يمسك بيدهم و يجعلها مغلولة لا تستطيع بتر جذر الفساد وقطع جذع شجرته, هل هي المقولة التي ترددها أبواق النظام البائد بأن الحرية و التغيير يوجد بها الوالغون في إناء الانقاذ الذين لا يستطيعون أداء دور ثوري صميم بما جلبوه لنفسهم من إنكسارة نفس؟
إنّ ملفات السلام والفساد وجرائم الحرب وجريمة مجزرة بوابة القيادة العامة, تمثل تحديات عظيمة تهدد وجود حكومة الانتقال و تنذر بالعصف بها في أي وقت, وما أدلى به مناع يعتبر دق مبكر لناقوس الخطر و احتمالية حدوث انشطار بين المدنيين و العسكرينن, لأن الفاسدين و على مدى تاريخ الحكومات ينشطون تحت حماية السلطة العسكرية, و ما جاء به عضو لجنة تفكيك التمكين هو إشارة إلى الوضع المأزوم الذي يعانيه المدنيون في صراعهم غير المعلن مع العسكر, وهذا الحال يشبه مأساة عراب الجبهة الاسلامية مع الضباط العسكريين الذين قاموا بالانقلاب و تضامن معهم الانتهازيون من أقرب المقربين له, فمصير هذا الاحتقان هو الانفجار, وإنّ غداً لناظره قريب.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.