صدر عن مجلس الامن يوم الاثنين 27 يناير التقرير النهائي لفريق الخبراء المكلف بمراقبة تطورات الأوضاع في دارفور والمنطقة ويعمل الفريق بتكليف من لجنة العقوبات في المجلس لمراقبة حظر الأسلحة وأنفاذ العقوبات الخاصة بحظر السفر وتجميد أصول الأفراد والجماعات التي تعوق عملية السلام. ويضم الفريق أربعة خبراء في القانون والجمارك والمسائل المالية والأسلحة والجماعات المسلحة. ويغطي التقرير الذي يقع في 77 صفحة الفترة من مارس إلى ديسمبر 2019.

أشار التقرير إلى أن وكالات أنباء ليبية وغير ليبية كانت قد نقلت مزاعم عن وجود عناصر من قوات الدعم السريع يقاتلون إلى جانب الجيش الوطني الليبي ولا سيما في منطقة الجفرة. وكانت بعض أجهزة الإعلام قد أشارت إلى ان الفريق أول حميدتي كان قد وقع مع شركة كندية عقدا باسم المجلس العسكري الانتقالي ينص على ان الشركة ستحاول الحصول على تمويل من الجيش الوطني الليبي للمجلس العسكري الانتقالي مقابل مساعدة عسكرية يقدمها المجلس في ليبيا. وأكد فريق الخبراء انهم لم يجدوا دليلا موثقا على وجود عناصر من قوات الدعم السريع في ليبيا وان مصادر الفريق ليست على علم - حتى الآن - بأي وجود من هذا القبيل. وأضاف التقرير أنه من الجدير بالذكر أن العديد من العرب من دارفور وتشاد ممن يقاتلون في ليبيا كأفراد مرتزقة في صفوف الجيش الوطني الليبي في مناطق أخرى منها الجفرة ينتمون إلى نفس القبائل التي تنتمي إليها عناصر قوات الدعم السريع. كما أن لجميع حركات دارفور وجود مسلح في ليبيا سنأتي عليه لاحقا.
يؤكد التقرير في مستهله خول مجهودات السلام في دارفور مرحلة جديدة بسبب التغييرات السياسية وانخراط معظم الحركات في عملية السلام باستثناء حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد التي يخصها التقرير بالكثير من التفاصيل عن صراعاتها الداخلية وسبل تمويلها الجديدة وانشطتها في ليبيا ووثق الفريق لما اسماه أسلوبا جديدا للابتزاز والاحتجاز وضعته الحركة في جنوب السودان.
ويرى الخبراء ان الحالة الإقليمية ظلت إلى حد كبير دون تغييرات وإلى حد ما مواتية لتحقيق الاستقرار وبناء السلام في دارفور رغم العقبات التي تعترض العملية.
وعلى الرغم من هذا الاستهلال المتفائل للتقرير إلا انه في مجمله قد خلص إلى نتائج لا تبشر بتحسن في الأوضاع شأنه في ذلك شأن كل لتقارير السابقة التي ظلت تقدم للمجلس منذ إنشاء لجنة العقوبات في عام 2005.

أشار التقرير إلى أنه على الرغم من عدم اندلاع أعمال عنف على نطاق واسع فإن الحالة الأمنية في دارفور قد اتسمت بزيادة في الحوادث الأمنية المحلية بما في ذلك المناوشات بين القبائل وهجمات المليشيات على المدنيين والتوترات في المعسكرات الرئيسية للنازحين.

ومن اهم ما ذكر التقرير أنه على الرغم من التغيير الذي وقع في السودان فإن الحكومة لا تزال تنتهك حظر توريد السلاح بشكل مستمر بنقلها السلاح إلى دارفور مبررة ذلك بالضرورات الأمنية. كما أن المليشيات والجماعات المسلحة ظلت تحصل على الأسلحة من داخل السودان ومن البلدان المجاورة سهلة الاختراق مما مكنها من القيام بالعديد من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود التي تؤثر على الأوضاع في دارفور والمنطقة. كما ان انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان مثل الاغتصاب وغيره من أنواع العنف الجنسي والبدني قد استمرت بلا هوادة من قبل المليشيات، ولقد ارتكبت قوات الأمن التابعة للحكومة انتهاكات لحقوق الإنسان مما يدل على الافتقار للروح المهنية وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب.

وعبر معدو التقرير عن التحديات التي واجهتهم في رصد وتنفيذ حظر السفر وتجميد الأصول بسبب عدم التعاون من حكومة السودان وحكومات أخرى.

وخلص التقرير أيضا إلى ان أنشطة المرتزقة وأعمال التهريب في ليبيا هي المصدر الرئيس لتمويل الجماعات المسلحة في دارفور. ولقد أورد تفاصيل مثيرة عن تلك الأنشطة مدعمة بالأسماء والصور سنفصلها لاحقا.

ويستعرض التقرير تحت فصل بعنوان ديناميات السلام مواقف مختلف الأطراف الإقليمية من دول الجوار والدول العربية وتأثيرها على الحركات الدارفورية ومسار السلام وتفضيل حركة تحرير السودان جناح مناوي لابي ظبي وحركة العدل والمساواة للدوحة لرعاية مفاوضات السلام. ثم يفرد فصلا عن ديناميات النزاع في دارفور يستعرض فيه مختلف الحوادث التي وقعت والخلافات التي نشبت حول ايلولة أصول البعثة الأممية وانتقالها لصالح منشآت مدنية بعد ان كان المجلس العسكري الانتقالي قد قرر تسليمها لقوات الدعم السريع. كما يشير إلى التوترات التي نشبت بسبب اكتشاف الذهب في أماكن جديدة حيث يتنافس المتمردون وقوات الأمن والمليشيات للسيطرة عليها. ويورد مثالا لمعلومات وردت إلى الفريق عن أحد قادة الميلشيات تحول إلى ضابط في الدعم السريع حاول الاستيلاء على منجم محلي للذهب لمصلحته الشخصية. ولا ينسى التقرير أن يشير في خضم الحوادث المتكررة إلى ان اسلوب حكومة السودان الجديدة ومجهوداتها إلى جانب إبدا معظم الحركات المسلحة لحسن النوايا أدى إلى تحقيق نتائج إيجابية تمثلت في الحضور العلني الحر في دارفور لقيادات سياسية وقادة حركات بما في ذلك معسكرات النازحين، وإنهاء الرقابة واحترام أكبر لحرية التعبير والإعلام في ولايات دارفور الخمس، والاتصالات بين قادة الحركات المسلحة والسلطات الحكومية بما في ذلك الولاة المكلفين.

ثم ينتقل التقرير إلى وصف الجماعات المسلحة في دارفور والتقارب بينها وبين الفريق أول حميدتي والجماعات الدارفورية النشطة في ليبيا. ووفقا لإفادات جمعها الفريق من قادة للحركات المسلحة وعلى هامش مباحثات السلام في جوبا وأماكن أخرى حاول الفريق أول حميدتي ورفاقه اجتذاب الجماعات المسلحة الدارفورية وغيرهم من القادة الدارفوريين ليكون في صفهم بتبني خطاب يركز على المصلحة المشتركة لأهل دافور وعلى ضرورة أن يتحد جميع أهالي دارفور من العرب وغير العرب والفريق أول حميدتي والحركات المسلحة ضد نخب " الجلابة" التي هيمنت على السودان منذ الاستقلال وذلك بغية وضع حد لعقود من تهميش دارفور. ويشير التقرير الى تجاوب بعض قادة المتمردين واقامتهم علاقات إيجابية مع الفريق أول حميدتي. ويشير هنا إلى أحد سلاطين الفور الذي اختار التحالف مع حميدتي ويعمل على تيسير التقارب بينه وبين قادة قبيلة الفور. ويرى فريق الخبراء أن التعبئة السياسية وفق الانقسام بين أهالي دارفور ونخب الشمال يمكن ان يكون لها عواقب تزعزع الاستقرار خلال الفترة الانتقالية في السودان بما في ذلك دارفور.
فإلى جانب الإشارة إلى عدم وجود أدلة موثقة لوجود قوات الدعم السريع في ليبيا التي أشرنا إليها من قبل يورد التقرير الكثير من التفاصيل عن وجود الحركات الدارفورية الأخرى على مسرح الأحداث في ليبيا. فيؤكد على أنه خلال الفترة المشمولة بالتقرير (مارس إلى ديسمبر 2019) زادت الجماعات المسلحة الدارفورية من قدراتها العسكرية في ليبيا زيادة كبيرة عن طريق الحصول على معدات معظمها من الجيش الوطني الليبي ومن التجنيد على نطاق واسع. ويشير التقرير إلى مشاركتها في عدة عمليات عسكرية مع مختلف الأطراف الليبية. ويؤكد انه في حين كانت الجماعات مترددة في البداية في الانضمام للقتال الدائر في طرابلس بين الجيش الوطني الليبي والقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني فقد انتقلت بعض العناصر مؤخرا نحو جبهة طرابلس.

يذكر التقرير أن أكبر الجماعات الدارفورية المتمردة المشاركة في القتال في ليبيا هي حركة تحرير السودان جناح مني مناوي التي تمتلك ما يقرب من 250 على 300 مركبة لاندكروزر مسلحة وتضم أكثر من 1000 مقاتل وتصطف إلى جانب الجيش الوطني الليبي وتتمركز في منطقة الجفرة (تسيطر على مطار الهون العسكري وتنتشر في المزارع في منقطة زالة) كما تتمركز أيضا في راس لانوف قرب المنشآت النفطية. وهنالك حركة دارفورية كانت تعمل تحت قيادة حركة مناوي ولكنها انفصلت بقيادتها مؤخرا وهي الحركة المعروفة باسم المجلس الانتقالي لحركة تحرير السودان المنشقة عن حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور والتي تمتلك 50 مركبة مسلحة.
ويمثل تجمع قوى تحرير السودان ثاني أكبر جماعة متمردة دارفورية في ليبيا حيث يمتلك أكثر من 100 مركبة مسلحة ويتركز في جنوب ليبيا ويصف إلى جانب خليفة حفتر ويقول قادته بأن لهم مصلحة مشتركة معه وهي مكافحة التطرف في المنطقة.

أما حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور فوجودها آخذ في التعاظم بحسب رأي الخبراء حيث أنها تمتلك قرابة 90 مركبة مسلحة في ليبيا ويقودها رئيس أركان الحركة الذي يعمل بحسب التقرير "بشكل مستقل إلى حد كبير عن عبد الواحد وبطريقة انتهازية"، فبينما كان يصطف إلى جانب القوات المناهضة لحفتر حتى أواخر عام 2018 أصبح الآن متحالفا مع الجيش الوطني الليبي وجماعته معروفة بتورطها في تهريب السيارات إلى شمال دارفور وتشاد. وتعمل بشكل وثيق مع تجمع قوى تحرير دارفور التي وقعت معها سلسلة من اتفاقات التعاون.

ولحركة العدل والمساواة السودانية قوة صغيرة في جنوب ليبيا يقودها أحد الرجال المقربين من قبيلة التيبو المناهضة لخليفة حفتر وبعد عملية الجيش الوطني الواسعة في جنوب ليبيا في فبراير 2019 ضد قبائل التيبو والتي كان للحركات الدارفورية الأخرى المساندة لحفتر الدور الأكبر فيها خسرت كل الجماعات الكثير من قادتها الميدانيين لا سيما حركة العدل والمساواة وبلغ فريق الخبراء أن الجماعة فكرت في الانضمام لقوات حفتر اسوة بالحركات الأخرى ولكن وفقا لمصادر الفريق لم تتخذ الجماعة خطوات من هذا القبيل بعد.

ويذكر التقرير أن أنصار موسى هلال الذين فروا إلى ليبيا بعد اعتقاله ومعظمهم من عرب المحاميد لم يتمكنوا من تنظيم أنفسهم بشكل سليم وإنشاء هياكل خاصة بهم على الرغم من أنهم يواصلون العمل تحت راية مجلس الصحوة الثوري السوداني. وبما ان معظم أولئك الأفراد كانوا يقيمون مع حركة العدل والمساواة في جنوب ليبيا فقد اصطف العديد منهم في الآونة الأخيرة إلى جانب الجيش الوطني الليبي في الجفرة.

كانت الجماعات المسلحة الدارفورية في ليبيا مترددة في المشاركة في معركة طوفان الكرامة التي بدأها الجيش الوطني الليبي في غرب ليبيا والتي قصدت الاستيلاء على طرابلس برأي فريق المراقبين ان سبب التردد هو انه بعد عملية الجيش الوطني الليبي في جنوب ليبيا ساءت علاقات المجموعات الدارفورية مع الجيش الوطني الذي لم يكافئهم كما يجب من حيث التمويل والمعدات بعد ان لعبوا الدور الأساسي في محاربة قبائل التيبو وحركة العدل والمساواة واستولوا على معظم مناطق الجنوب. أدى سوء العلاقة إلى قيام حركة تحرير السودان/مناوي بعرض خدماتها على القوات المناهضة لحفتر في مصراتة وبدأت مفاوضات في هذا الخصوص ولكنها فشلت في النهاية وبقيت القوات في مواقعها لحماية الهلال النفطي. والسبب الثاني لتردد هذه الجماعات في الاشتراك في معركة طرابلس هو في ضوء الزخم الجديد الذي اتخذته المباحثات مع السلطات السودانية من أجل السلام في جوبا سعت هذه الجماعات إلى الحفاظ على قوتها العسكرية وتجنب الخسائر قدر الإمكان لذلك فضلت عدم التورط في معركة طرابلس.
ويأتي معظم تسليح هذه الجماعات من الجيش الوطني الليبي في مخالفة صريحة فيما يرى الخبراء من جانبه لقرار حظر تسليح الجماعات المسلحة في دارفور. ويتناول التقرير الكثير من التفاصيل عن الأنشطة التجارية للحركات الدارفورية في جنوب السودان والمخالفات حول تدفق الأسلحة والحوادث الأمنية المختلفة في الإقليم ويخلص إلى توصيات مهمة. سنستعرض كل ذلك في مقال لاحق.

د. أسامة عثمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.