خارج المتاهة

 

——————————

يرتبك المراقب للساحة السياسية في السودان أمام سيل البيانات والبيانات المضادة ، التصريحات والتصريحات المناقضة التي تمور في أنحائها ، ثم بدعوات التظاهر والتظاهرات الفعلية التي تجري في ساحاتها وشوارعها .. مصدر الارتباك الأول في ان الكثير من المواقف وأضدادها تصدر عن الخندق الواحد .. لا غرو ، فالحريات قد أصبحت حقيقةً في البلاد ، والحرية كالمصباح الكهربائي لا وصف لسرعة انتشارها وإشعاعها ، كبسة زر فقط ، ولكنها تختلف عنها في ان لمصباح الكهرباء مفتاح "مادي" واضح وجاهز "للكبس" في حالتي الإضاءة والإطفاء "الإظلام" ، أما الحرية في المجتمع البشري فإنها كامنة في الأفئدة أصلاً ، وتتسلل مضيئةً نفوس الطلائع التي تتوق لها فتشرع في ممارسة الحرية (وهي هنا ) مقاومة الدكتاتورية ، سيادة الرأي الواحد ، هيمنة المصلحة الأنانية لفئة واحدة ، وبقدر تقدم هذه المقاومة تتسع رقعة الحرية ، وعندما تمسك بأفئدة الجموع تنفجر صارخةً في وجه الاستبداد في أكبر وأعظم صيغ الممارسة للحرية - وهي طلبها ايضاً - إلى أن ينهار النظام وتسقط الدكتاتورية فتعم أضواء الحرية كافة الأرجاء وكل الناس ...
تقدمت القوى السياسية والنقابية المؤتلفة في إطار "قوى الحرية والتغيير" لقيادة الشعب الثائر على طريق الحرية والسلام والعدالة ، ووقفت المجموعات المرتبطة بالنظام الساقط اجتماعياً ، اقتصادياً أو عقائديًا متواريةً خائفة .. خندقين : خندق للشعب وخندق لأعدائه ..

أعداء الشعب هم أعوان النظام الساقط وحلفاءه ، أعوان وحلفاء نظام كان يمتص رحيق الوطن من شرايينه ، يجففها واحداً واحداً ، لم يكتف بالمؤسسات والخيرات ، فأخذ في رهن الأرض نفسها ميلاً ميلاً وقطعةً بعد أخرى ، وكل ذلك لتقوية الأجهزة الأمنية والعسكرية في تأمين وجوده وتمتين سلطانه ، ثم لمصلحة أتباعه وحلفائه ؛ أعداء الشعب والوطن ..
تلفت أعداء الشعب والوطن يمنةً ويساراً ، ويوماً بعد يوم أيقنوا أن الحرية حقيقة قائمة وأنهم "مشمولون" بها ، وبدأوا في الحركة دونما حياء أو شعور بالندم لمقاتلة خندق الحريات والحقوق ، خندق الشعب ، ودونما شعور بالخزي من أعوامهم الثلاثين التي جففوا خلالها شرايين البلاد ، زرعها وضرعها ، يكدسونها في القصور والبناءات الشاهقة والحسابات المتخمة في الداخل والخارج ، ناصبين المشانق وأجهزة القمع وبيوت التعذيب والأشباح والويلات لأبناء الوطن ، نساءه ورجاله .. لم يخجلوا من كل ذلك ، بل لم يشعروا بالجرائر أصلاً ، وبدأوا في الاصطفاف والخروج ، وهي نفسها (اي الاصطفاف والخروج) كانت من الأفعال "المرذولة" في شرعهم إذ أقاموا في وجهها الحصون من فروع العمليات الأمنية وكتائب الظل التي احتكرت دائماً موازنات البلاد السنوية على بؤسها : خرجوا - يا لخيبتهم - لإعادة اللصوص المستبدين الكذبة المتخلفين إلى الحكم !!
لا يذهب فيهم التعجب كثيراً ، وأغلبهم - حقيقةً "مخموم" بعلاقات اجتماعية أو بشعارات دينية فارغة وربما بعض الفتات ، نعم ، لا عجب أن يفعلوا ذلك ، فهم مصرون على المضي أعداءاً للشعب ولوطنهم ..

إنما التعجب من معسكر الشعب ، خندق الديمقراطية والتقدم ، قوى الحرية والتغيير ، وقد وجدت نفسها في سدة المسؤولية ومفاتيح القيادة ، زلزل الشعب الأرض تحت دعائم النظام الساقط وأعوانه وأتاح الأمر ناضجاً محروساً لقوى الحرية والتغيير .. ورغم العثرات و "أبخرة" الارتباطات الشائنة (المتمردة على الإخفاء) ، التف الشعب العظيم حولها ، يمنحها الدعم والثقة :
- كل طرف من خندق الشعب؛ هذا يصدر البيانات بالرؤى والمواقف عند كل منعطف باسمه الخاص ..
- يتخذون الموقف جماعةً بالأمس ويندمون عليه فرادى في الغد ..
- البعض يرفض الهيكلة (هيكلة التنظيم) بالأمس متكئاً على التأويل في الحجج ، ويكابر على التصحيح عندما يستبين النصح في الغد ..
- تتجاذبهم الارتباطات غير السوية ، بعضها مع عسكريين في الدولة أو الدولة الموازية والبعض الآخر مع دول في الجوار ، وآخرين مع مراكز رأسمالية وطنية داخل وخارج القطر ...
هكذا نرى ، ونسمع الشئ وضده من خندق الشعب ..

لا نشك لحظةً في أن سقوط النظام نهائي وأنه سقوط شامل للإسلام السياسي بمختلف مسمياته ، وللانقلابات العسكرية بمختلف مبرراتها ، وأن الديمقراطية ستستقر يوماً بعد يوم مع ازدهار التعليم وشيوع الصحة في الأجساد والعقول والأرواح ، وستشع الاستنارة أضواءاً باهرة في كل ارجاء الوطن .. متى ؟ عندما يستفيق بعض قيادات خندق الشعب ، أو عندما يتجاوزهم بطلائع جديدة نحو تلك الآفاق ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.