إنّ وباء كورونا قد أثبت وضاعة التفكير بوجود الفوارق العراقية والمادية والطبقية والمعنوية والعلمية بين البشرية، وقد كسر الحواجز النفسية والسياسية والجغرافية المتوهمة بين ذوي الأصل الواحد والمصير المشترك،
وأنهي التمييز بين الفقير والغنى، والحاكم والمحكوم، والكبير والصغير، والمرأة والرجل!.

إنّ هذه الكارثة قد وحدّت الوجدان والضمير والمصير البشري، كل العالم بكى ضحايا الوباء في الصين وإيران وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وأمريكا وكندا والعراق وغيرها من البلدان التي هدتها الفاجعة.

رغم التقدم العلمي والتكنولوجي وإمتلاك أحدث الأسلحة الفتاكة وأجهزة الرصد والأقمار الإصطناعية والإقتصاديات الكبرى والشركات عابرة القارات، إلا أن العالم أظهر عجزه في مواجهة عدو صغير لا يرُي بالعين المجردة، وبات لم يعد هنالك عالم أول قوي ومتجبر، وعالم ثالث فقير تحت رحمة جبروت الدول الكبرى، فالجميع في هوي كورونا شرق!.

لأول مرة في تأريخ الأديان تكون الأماكن المقدسة خالية من الزوار والمتعبدين، بما فيها مكة والفاتيكان والقدس، وأن أكثر المطارات إزدحاماً في العالم قد أصبحت خالية من الحركة الجوية والمسافرين، وأن أكثر مدن العالم كثافة سكانية ونشاط تجاري وسياحي مثل شنغهاي ودبي وباريس ولندن وروما ومدريد ونيويورك ووأشنطون وغيرها قد أضحت بيوت أشباح شبه خالية من الحياة.

إن العالم اليوم قد أصبح مهدداً في وجوده البشري أكثر من أي وقت مضى، وقد أحس بالخطورة الحقيقية وأهوالها التي تماثل أهوال الحربين العالميتين الأولي والثانية مع الفرق في أعداد الضحايا، فقد تم تعطيل الدراسة لأكثر من خمسمائة مليون طالب حول العالم، ومئات الملايين من المواطنين المحتجزين في بيوتهم لمقاومة إنتشار المرض.

إن وباء كورونا سوف يخلق عالم جديد سيكون مختلفاً عن العالم قبل ظهور المرض، وسوف يحدث تغييرات إقتصادية وسياسة وإجتماعية وعلمية وتكنولوجية، بحيث يصبح الإعتماد على التكنولوجيا أكبر، من جهة الخلل الذي أفرزه كورونا بغياب العنصر البشري وتعطل كثير من الأنشطة الإقتصادية والصناعية وغيرها، مما يهدد كبري إقتصاديات العالم بالدخول في أزمة حقيقية قد تطول تداعياتها.

إن العالم اليوم مطالب بالوحدة والتضامن، والتخلي عن الأنانية والفردانية أكثر من أي وقت مضى، فلابد من وحدة كونية حقيقية لمواجهة هذا العدو المتربص بالبشرية والقضاء عليه، وكتابة حياة جديدة للإنسانية.

المجد والخلود لشهداء كورونا في أي بقعة بالعالم ، وعاجل الشفاء للمصابين، والحفظ والسلامة للجميع.


محمد عبد الرحمن الناير ( بوتشر)
22 مارس 2020م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.