* أطرح عنك المبررات التي يسوِّقها المنافحون السودانيون للتطبيع بالحديث عن موقفهم المبدئي من القضية الفلسطينية، المُسماة أُمِّ القضايا العربية، و أبعد عنك تبريرات المناوئين للتطبيع متَّكِئين على نفس أُمِّ القضايا العربية و وجوب الالتزام بها أخلاقياً..

* دعك من كل هذا، و اعلم أن غمار الشعب السوداني قد تجاوز الجامعة العربية و قضاياها منذ بدايات ثورة ديسمبر المجيدة.. و تخطى تلاعب أمين عام و مندوبي الجامعة بالكلمات التي لا تُسكت جراحاً و لا تُحٔيي من ماتوا شهداءَ في مختلف ميادين الثورة و ساحات الاعتصام و الفداء.. أيامَ كان عبدالفتاح السيسي و زعماء عرب آخرون يعملون جاهدين لاستمرار المجلس العسكري على سدة الحكم لمدة أطول..
* أيامها تداعى الشباب الثائر للخروج فوراً من عضوية الجامعة العربية.. إذ تأكد لهم أن السودان لم يكن عند العرب سوى (تمامة جرتق) في جامعة التخذيل و الاستهوان بالشعوب..
* و عندما التقى الفريق أول البرهان نتنياهو، بالأمس القريب، تمهيداً للتطبيع مع إسرائيل، هاجت عروبة العرب الخامدة و ارتفعت أصواتهم عالياً ضد خطوة البرهان.. و أحرق الفلسطينيون الغاضبون علم السودان.. و وصف صائب عريقات الخطوة بأنها "طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، وخروج صارخ عن مبادرة السلام العربية."! و وصفها جبريل الرجوب باللقاء المتناقض مع موقف الشعب السوداني، و خروج عن مبادرة السلام العربية.. و اعتبرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضربةً في صميم مصالح الشعب السوداني!!
* لم تُجمِع هذه الأصوات على إدانة علاقات السعودية و الإمارات و قطر و سلطنة عمان و البحرين بهذه الحدة.. و الخبراء الإسرائيليون، من فنيين و أمنيين، يسرحون و يمرحون في عرَصَات تلك الدول منذ سنوات.. و الفلسطينيون يتعاملون مع إسرائيل و يتجسسون على بعضهم البعض.. و الأردن و مصر في تطبيع رسميٍّ مع إسرائيل..
* و في أعتقادي أن السودان قد دفع الكثير ثمناً للاعتراف بعروبة لم يجنِ من ورائها سوى الذل و الهوان و الاستئساد عليه.. و هذا لا يعني قبولي بالتطبيع مع إسرائيل عن طريق الغتغتة و الدسديس اللذين بدئ بهما، بل يعني أنني أرى ما لا يراه البعض.. و في اعتقادي أن إجراء إستفتاء شعبي تتولى القيام به حكومة مدنية كاملة الصلاحية الدستورية أمر مطلوب في وقته..
* و الذي أعلمه، يقيناً، أن شباب السودان الجديد يعلمون أن العرب لن يرضوا عن عروبة السودان حتى و إن لبس جميع السودانيين العقال و الكوفية و تكلموا العربية كما تكلمها الأصمعي أو كتبوا أشعاراً كما كتبها أبو الطيب المتنبئ..!
* و اسألوا العالم العلامة د. عبدالله الطيب رحمه الله و أسكنه فسيح جناته مع العارفين بالله و العاملين لرضوانه..
* فقد لمس الشباب أن السوداني متى أغضب العرب جرَّدوه من ثوب العروبة، و ألقوا به عارياً في أحراش أفريقيا، حتى و إن كانت جذور آبائه موغلةً في جذورٍ عربية قحة و ليس في جذورٍ عربية الهوى لا الهُوية..!
* و الشاهد زيارة المخلوع عمر البشير إلى سوريا قبل ثلاث سنوات.. و التي أثارت غضب عدد كبير من العرب، فكتب أحدهم مقالاً بعنوان: ( لا تشتري العبد الا والعصا معه، الرئيس السوداني يهدد اسياده في سوريا ).. كتب ذلك في موقع (arabrealitynews.com)
و جاء فيه:-
" لا تشتري العبد الا والعصا معه ,,ان العبيد لأنجاس مناكيد، الرئيس السوداني الأرهابي المجرم عمر البشير مطارد من قبل الشرطه الدوليه ,,الانتربول,, ومطلوب للمحكمه في لاهاي جليس السودان جبان ومجرم عبيد لأل سعود وجنوده مرتزقه لهم...... وها هم اليوم قتلى مثل الخرفان في اليمن مقابل دراهم معدوده يهدد هذا العبد النجس البوال على عقبيه رئيس السودان يهدد أسياده في سوريا............ الشعب العربي المسلم يقول لك يا عبد ويا عبد أل سعود ماذا نالت جنودك في اليمن امام أسود وأبطال اللجان اليمنيه البطله وانصارالله الحوثيون الابطال مرتزقتك اشلاء منثوره على الارض اليمنيه.... يا رئيس السودان تقبيلك لأحذية ال سعود لم ينفعك وانما أنت عبد لا تصلح لشيئ ومهمتك عبد والعصا معك وتخدم الغير."!
* لاحظوا كلمة 'يا عبد' التي تدل على الصفةِ الأصل.. ثم ويا 'عبد أل سعود' التي تدل على إضاف الصفة إلى مضافٍ إليه!
* و المقال أعلاه ليس أشد لؤماً و خسة من ما قاله المذيع العراقي يونس بحر في راديو برلين عن السودانيين إبان الحرب العالمية الثانية حيث قال:-
" أسمع ذبابةً تطِّنُ في أواسطِ أفريقيا.. و تقولُ: هنا أم درمان.. و أم درمان هذه بقعةٌ سوداءُ في أواسط السودان.. و السودانيون حثالةُ البشر.. أثرت على عقولهم حرارة الشمس.. فأصبحوا لا يصلحون إلا للإستعمار.. و الاستعمار الإنجليزي فقط!"
* و جاء المذيع يونس بحر إلى السودان في عهد الرئيس عبود، و كنا تلاميذ في المدارس الوسطى، و إستُقْبل، رسماً، استقبال الفاتحين.. ما أغضب الأستاذ عبدالفضيل حسن علي، أستاذ اللغة العربية بمدرسة ملكال الوسطى، فعكس لنا ما حدث ثم كتب النص أعلاه على السبورة، لننقله.. و نحفظه، فكتبناه و حفظناه.. و لا يزال النص حياً في الذاكرة..
* و يجدر بي أن أذكر أن الأستاذ الجليل عبدالفضيل حسن علي صار مديراً للمناهج في معهد التربية ببخت الرضا بعد عقود من العمل في التدريس.. أطال الله عمره إن كان حياً، و رحمة الله و رضوانه عليه، إن كان سبقنا إلى الدار الباقية..
* و رحم الله لاءات الخرطوم الثلاث التي يستمسك بها بعض النخب السودانية.. بينما لا يكترث لها غمار السودانيين قيد إكتراث.. فهاجس غمار السودانيين عيش الكفاف و الصراع العنيف من أجل البقاء.. و البحث الحثيث عن مخرج غير منظور قادَهم للتفتيش عن المخرج إلى البحث (في خشم إسرائيل).. و لم تعد للعروبة مكاناً في خواطرهم..
* و من متابعتي لآراء الشباب و تعليقاتهم على صفحتي بالفيسبوك على مدى شهور الثورة و إلى الآن.. و من استفتاء طرحته على نفس الصفحة وصلتُ إلى أن الثوار في وادٍ و النخبة السودانية في وادٍ آخر..
* فأرجو من النخب السودانية أن تتنبه.. و ألا تستنكر مباركة الجيش (الرسمي) لخطوة البرهان نحو التطبيع مع إسرائيل.. فالجيش (الرسمي) ليس وحده من يقف مع البرهان في خطوته، غير الدستورية، فالجيش الأكبر و الأعرض و الأقوى هو المتمثل في الغالبية الغالبة من غمار السودانيين.. و صدقوني، إن هذا الجيش الأقوى يقف مع التطبيع سواء أتى عن طريق حمدوك أو عن طريق البرهان.. و سوف يفوز دعاة التطبيع إذا أُجري الاستفتاء الآن..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.