قال د. كمال عبيد، وزير إعلام المؤتمر الوطني، في أكتوبر ٢٠١٠: "لن يكون الجنوبي في الشمال مواطناً حال وقوع الانفصال.."

و استرسل في مهاترة مستفزة: " كذلك لن يتمتع بالمواطنة، والوظيفة، والامتيازات، ولا حق البيع والشراء في سوق الخرطوم»
و اشتَط في سادية حادة: "و لن نعطيه و لو (حقنة) في المستشفى!"
لقد بلغ حقده على الجنوبيين مداه!
كان حاداً.. و كان جاداً في تعبيره عن استراتيجية النظام (المنحل) لما ينبغي أن تكون عليه الحال بين الشمال و الجنوب متى حدث الانفصال ..
و في عام ٢٠١٣، جاء السيد/ علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية وقتها، ليؤكد واقع تلك الاستراتيجية، آمراً قوات الأمن بضرب كل من يحاول تهريب السلع من الشمال إلى الدولة الجديدة ضرباً قاتلاً.. و ردد الصدى صوته الصارم في كل السودان: " لن نسمح بعد اليوم أن نمد عدونا و لو بشق تمرة! و التعليمات لقوات الأمن اليوم: Shoot to kill ! Shoot to kill"!
علي عثمان يطلب من قوات الأمن أن تضرب في المليان.. في مقتل! و كرر جملة ! Shoot to kill مرتين إمعاناً في التشفي!
هكذا شاهدنا و سمعنا د.كمال عبيد يمنع المرضى الجنوبيين في الشمال من ( و لو حقنة). و علي عثمان يمنع جميع سكان الجنوب من ( و لوشق تمرة)..
و استمرت الإستراتيجية.. و جاء د.أحمد بلال عثمان، آخر وزير داخلية النظام (المنحل)، ليعلن أمام البرلمان في عام ٢٠١٨ قائلاً:- إننا لا نعادي الجنوبيين.. ثم يناقض نفسه فيقول إنهم في الحكومة لا يمنحون الجنوبيين الجنسية لأنهم لا يريدون إفراغ الجنوب من سكانه!
و أصبح الجنوبيون في الشمال في عداد (البدون) دون أي ذنب ارتكبوه.. أصبحوا لا يتمتعون بحقوق المواطنة، فلا وظيفة رسمية، و لا امتيازات مستحقة، ولا حق البيع والشراء في سوق الخرطوم..
لقد تحقق ما توعد به د.كمال عبيد الجنوبيين.. و صدَق في ما قال..
لا جنسية سودانية لهم، رغم استحقاق كثيرين منهم لها، و لا جنسية مزدوجة لجميعهم.. و بلغ المنع من الجنسية حد منعها من إبن مولانا عبدالمجيد إمام، أحد أشهر قضاة السودان، و لم يتم منحها له إلا بعد تدخلات (أجاويد)..!
و أعرف جنوبيين كثر لم يتمكنوا من العودة للعمل بدولة جنوب السودان لإرتباط مصالحهم ارتباطاً وثيقاً بالسودان الدولة الأم.. لا يحملون جنسية جنوب السودان و لا الجنسية السودانية.. و المؤلم حقاً أن معظمهم صوتوا لصالح الوحدة..
إنهم يعملون و يدفعون الضرائب المباشرة و غير المباشرة.. لكنهم لا يعاملون كما يعامل المواطنون.. فلا مدارس لأبنائهم و لا حق لهم في الإستشفاء في المراكز الصحية و المستشفيات بعد حظر تجديد هوياتهم السودانية..
و يظلمهم بعض أصحاب العمل من الرأسمالية الطفيلية و يعجزون عن مقاضات ظالميهم لأنهم بلا هوية.. و لا حق لهم في المقاضاة..
إن قائمة الحيف و الجور و المعاملات غير الإنسانية تطول جداً..
يتوجب إيقاف هذا الضيم، و إعادة الهوية السودانية إلى من يستحقها من الجنوبسودانيين بالميلاد و السماح لمن يستحقها بازدواج الجنسية..
كفاية هذا الظلم.. إنه لا يشبه السودان الجديد.. سودان الثورة المجيدة..
كفاية يا ناس!

إن أقصى أنواع الظلم منع الجنوبيين من ازدواج الجنسية السودانية.. بينما ازدواج الجنسية متاح لكل من يحمل جنسية أخرى عدا الجنسية الإسرائيلية..
في إعتقادي أن الأوان قد حان كي تعمل الحكومة الانتقالية على إصلاح العلاقات بين السودان و جنوب السودان، و ترميم ما يمكن ترميمه و البناء عليه..
هذا هو دور الحكومة الانتقالية التاريخي، إذا شاءت أن تؤرخ للحق كله و ليس لبعضه..
إن البيئة مواتية للعب ذلك الدور، يا معالي رئيس الوزراء، مواتية جداً و أنت و الوفد المرافق لك في طريقكم إلى جوبا بحثاً عن سلام مستدام يعم عموم السودان؛ فيا حبذا لو أظهرتم بادرة حسن نية السودان تجاه دولة جنوب السودان بالغاء القرارات المجحفة و المتعسفة في حق الجنوبسودانيين بالسودان..
أنتم الأكثر دراية بأن ثلث سكان السودان و سكان جنوب السودان يعيشون على طرفي الحدود بين البلدين..و أن التمازج بين القبائل في تلك الحدود تمازج إن أمكن فصله سياسياً فمن المحال فصله لا اجتماعياً و لا تاريخياً..
هذا و سبق أن كتبت مقالاً عن قبائل في حدود شمال غرب بحرالغزال و جنوب غرب دارفور يعتبرها المؤتمر الوطني قبائل جنوبية من ناحية السكان في حين يعتبر أرضها أرضاً سودانية من الناحية الجغرافية.. بينما حقيقة الأرض من الناحية التاريخية أنها أرض أجداد أجداد ساكنيها في عمق أعماق التاريخ..
إن من موبقات النظام (المنحل) أنه أحدث تغييراً سلَب هوية و تاريخ و جغرافية السودان بصورة لم يكن يتصورها أي سوداني قبل انقلاب ٣٠ يونيو عام ١٩٨٩..
و غاية أمنياتي أن يعود السودان و جنوب السودان إلى الوحدة بأي شكل قابل للتطبيق بحيث يكسب الكل في
Win-win game
و الله ولي التوفيق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.