اود في هذه المساحة ان اتناول في نقاط بعض المسائل كما أراها، وان اطرح كذلك، على من يهمه الأمر، اسئلة اساسية فيما يخص عملية السلام الشامل في البلاد:

*1. مشكلة السودان في مناطق النزاع في جنوب كردفان/ جبال النوبة، النيل الازرق ودارفور، مشكلة تاريخية ذات جذور ثقافية واجتماعية واقتصادية تتمثل في تداعيات عمليات الاسترقاق والمفاهيم المرتبطة بها في المجتمع السوداني، والتي لازالت تلقي بظلالها الكثيفة على مجمل الراهن الثقافي والاجتماعي والسياسي في البلاد. استطيع القول، وبضمير مستريح، ان الحكومات المركزية لم تعمل منذ 1956 على معالجة هذه المشكلة لانها كانت تفتقد إرادة التغيير، فهي لم تؤمن به ابتداءا بسبب من عقد استعلاء القائمين عليها. ومن ناحية ثانية، كان التغيير يهدد مصالحها ومصالح فئة اجتماعية متواطئة معها، ولذلك لم تبن الدولة السودانية بعيد الاستقلال على قيم الحرية والعدالة والمساواة .*

*2. وبما ان المشكلة في تلك الأقاليم ذات بعد تاريخي، ومتعددة الاوجه والمستويات، ويستلزم ذلك مخاطبة جذورها، فانه يصعب حلها في الاطار الزمني المحدد ب 6 اشهر كما جاء في الوثيقة الدستورية؛*

*3. لا يمكن تحقيق سلام عادل ومستدام ما لم تقدم تنازلات حقيقية لصالح الأقاليم السودانية عموما والأقاليم التي تشهد نزاعات مسلحة على وجه الخصوص في قضيتي السلطة والثروة، وذلك من خلال اعادة هيكلة الدولة السودانية. هذا بالاضافة الى قضايا مهمة اخرى سيتم تناولها في مقالات اخر؛*

*4. هل لدى الحكومة الانتقالية الإرادة والقوة اللازمة لتوقيع وانفاذ اتفاق سلام عادل وشامل تقدم فيه تنازلات مستحقة للأقاليم المهمشة؟ وذلك بالنظر الى ان هذه التنازلات ربما تكون مؤلمة وغير مقبولة لقوى سياسية واجتماعية متنفذة وقعت لها امتيازات تاريخية دون وجه حق وهي حريصة على الحفاظ عليها؛*

*5. هل في مقدور الحكومة الانتقالية الاعتراف والاعتذار لمواطني الأقاليم المهمشة عن التوجهات العنصرية للدولة السودانية، والحروب الطاحنة التي أفضت الى تشريدهم واغتصاب بناتهم ونسائهم وانتهاك كافة حقوقهم بما في ذلك حق الحياة من خلال القتل الممنهج (الابادات العرقية)؟ ان حدث ذلك فستكون سابقة يمكن ان تقرب المسافات بين الفرقاء وتمهد للمصالحات السياسية والسلام والتعافي المجتمعي؛*

*6. هل ستطلق عملية سلام جديدة بمرجعيات ووساطة جديدة، وهل ستمتنع الحكومة الانتقالية عن اتباع الاساليب الفاسدة لحكومات المركز في الالتفاف على مطالب الأقاليم المهمشة وهضم حقوقها، وشراء الذمم باموال الشعب السوداني؟ ومعلوم ان حكومة المخلوع كانت تميل الى التعنت في المفاوضات، وتعمل بشكل منهجي على خلخلة الحركات المسلحة وإضعافها من خلال شراء ذمم العناصر الرخوة فيها دون مخاطبة جذور المشكلة في تلك الأقاليم بقصد الوصول الى حل وسلام مستدام. وبالتالي كانت العبثية سمة تلك المفاوضات التي استغرقت سنين عددا ولم تفض في آخر المطاف الى شيئ يذكر؛*

*7. لا زال المجتمع السوداني منقسم على نفسه وكلنا نعلم اين تكمن الاسباب. فالحروب المستعرة منذ 1983 قد غورت الجراح القديمة، فلا يجب ان ننخدع بشعارات الثورة وهتافاتها التوحيدية، فهي لا تعدو ان تكون تعبير عن عواطف جياشة اعتملت في النفوس في لحظات ثورية صادقة لكنها ليست فارقة. ولن يعرف السودان الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي ما لم تكن هناك ارادة حقيقية للتغيير على مستوى النخب الحاكمة والمثقفة. وهي نخب تستطيع، ان ارادت، انتاج قيم جديدة تعيد توجيه المجتمع نحو مقاصد خيرة تتمثل في تحقيق دولة القانون والمواطنة المتساوية والتسامح وقبول الآخر، وان تتبع ذلك بسياسات قصدية ومناهج اكثر فاعلية في الاجتماع والاقتصاد والتعليم والاعلام يمكن ان تؤسس لوعي ثقافي ايجابي ووجدان مشترك بين السودانيين يساعدهم على تجاوز تحدياتهم الماثلة. وفي رأيي انه قد آن الأوان لنسقط كل التابوهات الثقافية والاجتماعية والسياسية المسكوت عنها والتي اقعدت بنا، ولنبدأ حوارات موضوعية منتجة حولها. كما يتوجب على الحكومة الانتقالية المسارعة الى ايجاد حلول ناجعة للصراعات الدموية المتكررة بين العديد من مكونات المجتمع، ودوننا ماسي دارفور المتناسلة واحداث الشرق الكبير في بورتسودان وخشم القربة وكسلا والقضارف. وما صراع السلطة المحموم بين تحالف الحرية والتغيير وتحالف الجبهة الثورية الا اعادة انتاج للصراع التاريخي بين اولاد الغرب واولاد البحر، وان انكر بعضنا ذلك، ابان فترة حكم الخليفة عبدالله التعائشي. باختصار، الامر اكبر من ان تحتويه هتافات وشعارات ثورية عابرة، او مجرد حديث عاطفي للاستهلاك الشفاهي.*


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.