حمدوك والبدوى رجلان جعل وجودهما على رأس السلطة المدنية فى سودان التغيير، آمال معظم السودانيين تحلق عالياً تفاؤلاً بحدوث إنفراج اقتصادى يضع حداً لمعاناة معيشة ضنكا حاقت بغالبية شرائح الشعب السودانى فى وضع غير مسبوق. وعلى الرغم من ما ذكره رئيس الوزراء عبدالله حمدوك فى أولى لقاءاته بأن السياسة الاقتصادية العامة لحكومته ستعتمد على الإنتاج باعتماد السودان على ذاته بما يصب فى خانة المعالجات طويلة المدى، تقف قضية ديون السودان الخارجية التى بلغت 56 مليار دولار عقبة امام المعالجات الإسعافية التى تلزم استقطاب مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد السودانى المحتضر، خاصة بارتباط معالجة الديون بوجود السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب التى تلزم رفعه من القائمة أولاً.

ومع ذلك تعود بنا وقائع الحاضر وشخوصه الى خانة التفاؤل، فالرجلين عبدالله حمدوك رئيس الوزراء وابراهيم البدوى وزير المالية، خبرا العمل بكبرى المؤسسات المالية والتنموية الدولية والاقليمية ودهاليز سياساتها الاقتصادية، الى جانب ما حظى به السودان الجديد من ترحيب بعودته ضمن المنظومة الدولية كدولة تستحق الاحترام والدعم بحكومة جاءات بقرار شعب انحنى لثورته كل العالم إجلالاً مما يزيد من رفع سقف التفاؤل باعتبار أن معالجة الديون أمر سياسى فى المقام الأول، فطالما خضع إعفاءها للمساومات السياسية، بدءاً بارتباطها بمسار اتفاقية سلام نيفاشا مع جنوب السودان وما يتعلق بها من استحقاقات الاستفتاء ووضعية المناطق الثلاث وما لحق بذلك من توترات، ثم قضية دارفور وتنفيذ مفاوضات السلام حولها، وقضية النيل الأزرق وجنوب كردفان لاحقاً، وكان أبرز تلك المساومات السياسية خارطة الطريق الامريكية التى وضعت فى عهد اوباما واحتوت سبعة من الشروط وأربعة حوافز ابرزها المساعدة بسبل الإعفاء ورفع العقوبات.
النظام السابق عن جهل او تزاكى ركز على العديد من الخطوات الإجرائية فى مجال المعالجة الاقتصادية لإعفاء الدين المتراكم رغم عدم أهلية السودان فى ذلك الوقت بنسبة ديون بلغت اكثر من ثلاث أضعاف المؤشر العالمى (150%) للدخل السنوى للصادرات. محاولاً تارة استغلال ذلك الوضع لصالحه بالدخول فى (مبادرة هيبك) باعتبار السودان ضمن أعلى الدول مديونية، لكن المبادرة التى أسسها صندوق النقد والبنك الدوللين فى العام 1996 بحيث تأخذ بيد الدول النامية الأعلى مديونية والتى تكافح للتخلص من مديونيتها التى تعيق نموها فتمنحها المبادرة فرصة التخلص من تلك الديون، تشترط قيام تلك الدول باصلاحات جادة وتحقيق سجل اداء يثبت استقرار اقتصادها الكلى وخفض نسبة الفقر فى فترة محددة. ولكن بالطبع كانت حكومة السودان بعيدة كل البعد عن تحقيق تلك الشروط ، بل ثبت عدم جديتها فى معالجة دينها باللجؤ الى الاستدانة من دول بسعر فائدة مرتفع مما أدخلها فى المزيد من التعقيدات امام فرص الإعفاء او الجدولة رغم تحذيرات المؤسسات المالية الدائنة. كما قامت حكومة النظام السابق تارة اخرى بمحاولة بيع ديونها التجارية بالعملة المحلية فى سابقة خطيرة، ورغم ما ذكر عن تراجعها عن تلك الخطوة الا أن الاقتصاد السودانى قد وصل درجة من الانهيار اكثر من ما يجره ذلك الإجراء من تبعات متمثل فى الارتفاع المهول فى معدلات التضخم حتى تربع السودان فى الخانة الثانية فى قائمة الدول الأعلى نسبة تضخم، وعجز الموازنة وانعكاسات ذلك على سعر الصرف غير المسبوق.
وعلى ما يبدو أن زيارة وزير الخارجية الالمانى قبيل تشكيل الحكومة المدنية تضمنت أولى الخطوات نحو معالجة قضية الديون بما ذكره بانهم سيسعون لذلك. كذلك الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسى للسودان او لرئيس الوزراء حمدوك لفرنسا كما تتداول الأنباء يعتقد بأنها تسعى لحلحلة الديون كإحدى اهم الأجندة . ويتطلب اللجؤ المرتقب لنادى باريس لإعفاء الدول الأعضاء فى النادى لديونها والتى تمثل 32% من النسبة الكلية للديون الرسمية المقدرة ب 70%، يتطلب أولاً تسديد مستحقات صندوق النقد والبنك الدوللين المقدرة بثلاثة مليار دولار .
ومن جهة يبدو أن الشرط المرتبط برفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب التى ادخل ضمنها منذ العام 1993 إبان عهد الرئيس الامريكى بل كلنتون، لم يعد عسيراً بعد زوال وجه الإرهاب المرتبط بنظام البشير السابق الذى عمل وحمل تلك الواجهة التى يشترط لرفعها كفالة الحريات وحقوق الانسان والعمل على مكافحة الإرهاب وتحقيق السلام. وهى مطلوبات الثورة التى أتت بالحكومة المدنية قبل أن تكون متطلبات للإدارة الامريكية. ديفيد هيل وكيل وزارة الخارجية الامريكية إبان زيارته للسودان اغسطس الماضى، رهن رفع السودان من قائمة الإرهاب بتشكيل الحكومة المدنية والعمل على الشواغل الامريكية فى مكافحة الإرهاب.
وها هى الحكومة المدنية بربانها ومساعديه من الكفاءات واللذين فرضوا قبولاً دولياً يفتحون نافذة أمل لشعب صبر وعمل من أجل حياة أفضل يمكن تحقيقها ما دمنا جميعنا كل فى موقعه نمضى على هدى وأهداف الثورة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.