عفواً أيها القراء، فقد راق لي هذا العنوان لأن وقعه يتناغم مع مُعالج مسرحية "الإرهاب والكباب" الذي أعجبني في فكاهته فيما تحمل مآسيه، للمثل الملهم عادل إمام. والكتاب المقصود هنا، بالطبع كذا يكون قد فهمه القراء، هو القرآن المجيد. واختياري هذا، بدءاً، كي تندفع الدماء في شرايين كل من يسمعه، لأن الأمر الذي أنتشر حولنا، فجأةً وبكثرة ويرفضه كل المسلمين، كما ويرفضه الكتاب نفسه، هو ذات الكلمة التي صاحبت الكتاب في هذا العنوان. 

ما خفقان القلوب هذا واندفاع الدماء في عروق القرّاء، إلا دليلٌ على أن السواد الأعظم من العالم الإسلامي يستنكر ربط الإسلام بالإرهاب، لأنهم يعلمون استحالة تلك التهمة. لهذا آثرت أن أبدأ بها بحثي هذا لنعلم هل هذا الربط هو من دهاء أعداء الإسلام، أم من جهل المسلمين أو سذاجة المؤلفة قلوبهم من المسلمين المستجدين؟
لا شك أعداء الإسلام يسرهم ذلك، ولكن لا أعتقد أنهم يحتاجون للتآمر على الإسلام بتلك السذاجة الخطرة، إذ أن سر فعالية الإرهاب هو أنه لا يمكن تكذيب شناعته ولا تعذير نيته، وهذا ما يساعد الإعداء للغوص فيه. يمكن لهم استغلاله، وليس القيام به، مثل النظرية التي أتت عن تفجيرات بنايتي مركز التجارة العالمية في مانهاتن والتي تقول أنها من تخطيط اليهود أو أمريكا لخلق فوضى سياسية خلاقة تفتح لهم الباب للهجوم على المسلمين، من كيدهم ولكن ليس من فعلهم.
هكذا تلطخت واجهة الإسلام بالدموية والجنون، وما لبث أن أضافت إليها حروب السنة والشيعة في العراق، اليمن، لبنان، سوريا، والتي قد لا تخلو إدارتها من أصابع الصهاينة والصليبيين، ثم بعث الدكتاتورية والحرابة بالتطرف الإسلامي في مصر وليبيا والسودان، ثم تغريب المسلمين في كثيرٍ من الدول الإفريقية وفي كمبوديا والصين وأمريكا والغرب عموماً، وفي كل وسائل السفر والنقل وحركة النقد العالمية.
ثورتنا الفريدة في مفترق الفتنة والعقيدة:
ثورتنا الفتية تشع في سمائنا، وقد بسقت من سِقْيِ دماء شهدائنا الأبرار ودموع أبطالنا الشرفاء
اشتعلت بهتاف الحرية والسلام والعدالة، والتي نفثوها من فعل غي الحركة الإسلامية التي جثمت على صدورهم وحطمت حياتهم ودمرت وطنهم، فصاحوا "الكوز الكوز ندوسه دوس".
وكان ذلك ميراث غريب جداً من جماعة جاءت بحجة نشر بعث جميل الدين الإسلامي في نفوسٍ حسبوها صدئت بضياعها وحيرتها.
واحتجت الشريحة التي اختلفت مع الشريحة الحاكمة بأنها لم تشترك في الحكم وغير مسئولة عن كل ما أغضب القوم، وحسبوا الناس غير منصفين وظالمين، وشرعوا في اتهام الشيوعيين بإدلافهم الشباب النابض بتغريب العقيدة عنهم ودفعهم للعلمانية. هكذا كانت حجّتهم، وقلّما كانوا يعلمون أنه جهلهم هم بكل ما يقولون، على أحسن الفروض، إذا غفلنا عن كون كل ذلك إمعاناً منهم في التضليل وارتهانَ ذاتهم للتأويل، دعك عن جهلهم عن عدم علاقة الشيوعية بالأديان، فهي كفكر مادي لا فلسفة له تطلب محاربة الأديان، وبذا غفلوا عن عيبها في دكتاتورية الطبقة العاملة، والتي تتغوّل على حريات الآخرين والتي فرضها الله تعالى لعدم التعدي عليها كعطاءْ منه لكل الخلق كما في آياته البينات، وذلك لا غرابة فيه فهم أيضاً يتعدّون على الحرية الفردية التي كفّلها الله تعالى للتدخل في عبادة الفرد وعلاقته بربه، والتي لن تفيد شيئاً بل تضر، لأن ما لا يقوم به الشخص بخالص نيته لا تقبل منه كعبادة. والعلمانية هي العمل بالعلم، وهي توجيهات الله تعالى المتكررة في محكم تنزيله لضرورة التعقل والتدبُّر والتعلُّم في آياته ومقاصدها حتى لا تخلط بين المتشابهات.
كانوا في تواصلهم مع الناس يعكسون صورةً نقية عن التواضع والحياء، ويتناجون مع الناس بالحسنى ورقة الحاشية، ويهرعون لصلواتهم وترتيلهم القرآن، وغاب عنهم حرصهم من الخيلاء وسكر الصفوية، وغاب عنهم الحزم في تأديب النفس.
وغاب عنهم ان يعتصموا بحبل الله، بعروته الوثقى وهي رسالة الإيمان، القرآن، قوله تعالى:
وكان كل ذلك الغياب هو سبب كل ذلك الخزي الذي اكتسبوه.
المصدرية في الإسلام:
"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" آل عمران، آية 103
وانقذكم من شفا حفرةٍ من الناس بفضل بيّنات كتابه، وليس تدريس بشره وبحوثهم.
وقال تعالى في سورة القمر: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" آية 22
مبيّناً أن آياته سهلة الفهم ولا تحتاج إلى وسيط.
وقال تعالى في سورة المؤمنون: " وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ 62 بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ 63"
مثبتاً قوله عن يسر القرآن وفهمه بدون تكليف، كما في الآية السابقة، ومبيّناً أن من يعجز عن ذلك ما هو إلا ذو خديعة في إرادته وله أهدافٌ أخرى.
وبمناسبة التكليف هذا، أيضاً قال تعالى: "لا يكلف الله نفساُ إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، البقرة آية 286
ويقول تعالى في ما كسبت: هو ما أفاء به الله تعالى لها، إما بالهداية في جدها لفهم رسالته (بآياته البينات) والعمل بها، أو ما منحها الله من رخصةٍ تعفيها من عسر الواجب، أما ما اكتسبت فهو ما اجتهدت فيه للزيادة في عبادته وعمل الخير خارج تكليفه لها بآياته، فهي محسوبة عليها حتى تبرّئ ساحتها من الإجتهاد خارج تكليف الله بآياته، ولا تشفع لها استعانتها بإمامٍ ولا حديثٍ منقول بواسطة سلف أو خلاف ذلك.
وقد ختم حدود ذلك بقوله تعالى: " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم " المائدة، آية 3
وبدلاً من ذلك فضلوا الإستعانة بمصادر البشر المنقولة، ليحرّفوا الدين ليكون سياسةً، والسياسة هي تلاعبٌ بالقانون والعهود، مثل العقود الاجتماعية التي تحكم علاقات الناس في حقوقهم وواجباتهم المكتسبة بينهم، وبالدستور الذي يحفظ حقوق الفرد وسط الجماعة بالوشائج الحتمية التي تربط بينهم. وبما أنهم التحفوا هيئة الورع، كان الانطباع أن يكونوا فعلاً يؤمنون بأن إرادة الله للعبد هي أن يعبده ولا يُرائي في عبادته، وهي أكبر الموبقات، ولم يأمره بالوصاية على الناس، إرشادهم فقط إذا طلبوا الإرشاد، دعك من تهديدهم وترغيبهم وسومهم سياسياً للوصاية بهم فيما أتمنوك فيه.
وسأورد بحثي عن التحريف والتأويل تحت المصدريات البشرية.
وبيت الداء يكمن في فتنة الأحزاب كما التي تتبنى ذلك النهج لامتطاء صهوة السلطة بإرسانها القوم بحبال الخديعة وخيانة الثقة، وقد قال الله تعالى عنهم:
"مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" الروم آية 31 و32
"فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ" المؤمنون 53 و54
وبيّن متى كان ذلك في قوله تعالى:
وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة * وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة"، البيّنة، آية 4، 5
والبيّنة هي في أمره لهم: عبادة الله تعالى، والإخلاص في الدين (الحقوق والواجبات)، حنفاء: عاصمين أنفسهم لدين القبلة، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
وما هي البيّنة؟ قال تعالى:
"هو الذي انزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هن امُّ الكتاب واخر متشابهاتُ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب"، آل عمران، آية 7
وكيف كان، فيما بيّن الله تعالى؟ كان عن التحوير والتأويل:
البيّنة هي الآية المحكمة، أو الآية المتشابهة التي لا تتناقض مع الآيات المحكمة. أم المعنى المتشابه فيها فيحذّر منه الله تعالى بأنه تأويل غرضه ابتغاء الفتنة، والله وحده يعلم ما ذا في ذلك التشابه غير المتفق مع الآيات المحكمة. ولا يتبعه إلا الذين في قلوبهم زيغ، بمعنى ميول، أي أهداف أو عقائد أخرى تدفع بقلوبهم إلى القبول بالمعنى المتشابه، وليس بحصرٍ للمعنى بلغة الكتاب، وهي المعجم العربي (لسان العرب) وليس المعرّب أو بيانه.
والغرض من ذلك التأويل هو البغي:
"وما تفرقوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك الى اجل مسمى لقضي بينهم وان الذين اورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب" الشورى، آية 14
"واتيناهم بينات من الامر فما اختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" الجاثية، آية 17
"كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم"، البقرة آية 213
"ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بايات الله فان الله سريع الحساب"، آل عمران، آية 19
وما حُكم ذلك الإختلاف مع آيات الله البيّنات عند الله تعالى؟ حُكمه الشرك بالله، عمداً أو سهواً:
"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، الشورى، آية 21
"وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"، الشورى، آية 10
"وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ"، الشورى آية 35


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////