وهل أعدت عدتها لمواجهة الأخطار الجسيمة التي تتهدد الحكومة الانتقالية؟

مع توقيع الإعلان الدستوري، إيذاناً بتشكيل مجلس السيادة ومجلس الوزراء والشروع في بناء والتسكين في هياكل السلطة المدنية الانتقالية، انتقلت الثورة السودانية إلى مرحلة جديدة. السائد في الفكر الكلاسيكي أن هذه الفترة هي فترة الانتقال من مرحلة الثورة، حيث يكون قد تم إسقاط النظام الموجود في السلطة والقضاء عليه، إلى مرحلة الدولة حيث يتم بناء النظام الجديد وتوطيد أركانه. في حالتنا سيكون الوضع مختلفاً بعض الشيء لإننا لم نقض على النظام السابق بعد، بما يعني أننا سنحمل معنا جزءاً من مهام مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، وهو ما سيجعل من مهام هذه المرحلة الأخيرة أكثر صعوبة وتعقيداً مما هي أصلاً عليه.

كأنما لم يكن كافياً أن تواجه قوى الحرية والتغيير مرحلة انتقالية تستوجب منها تصفية تركة ثلاثين عاماً من سياسات وممارسات أبشع نظام عقائدي شمولي إقصائي فاسد شهده السودان في تاريخه الحديث، ليضاف إليه أن حكومة الحرية والتغيير ستكون مطالبة بمعالجة تلك القضايا:
1. وهي تتقاسم السلطة، إلى هذا القدر أو ذاك، مع عناصر من النظام البائد نفسه، حيث تجلس هذه العناصر معها في مجلس السيادة، وتحتل وزارات الدفاع والداخلية، ويتبع لها جهاز المخابرات.
2. وعناصر الثورة المضادة حرة طليقة تمتلك كتائب ظلها وميليشياتها المسلحة، وتسيطر على كل مفاصل الدولة وعصبها الحساس في الأمن والاقتصاد والإعلام والشركات والمصارف والمؤسسات الحكومية، كما تهيمن على السوق والصادر والوارد وتوزيع المواد التموينية، وتملك طائل الأموال والموارد المنهوبة من عرق الشعب وإمكانات البلاد، غير دعم الحلفاء الإقليميين ودعم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

ستسعى قوى الثورة المضادة بكل ما تملك من قوة وموارد لإجهاض الفترة الانتقالية، بتعويق كل محاولات الحكومة الانتقالية لإنجاز مهامها وإدارة البلاد وتحسين مستوى الحياة للمواطنين، ولن تتوقف عن افتعال الأزمات والضوائق المعيشية والتلاعب بالسوق، والقطوعات الكهربائية وانعدام المواد البترولية، وارتكاب الاغتيالات وغيرها من الجرائم لزعزعة الاستقرار وإشاعة أجواء من انعدام الأمن، بحيث ينقلب المواطنون في نهاية الأمر على حكومتهم الانتقالية، فإن لم يفعل المواطنون ذلك، قاموا هم بذلك الانقلاب بأنفسهم، ولن يأسف على تلك الحكومة أحد.

إن التحدي الأول والرئيسي الذي سيجابه حكومة قوى الحرية والتغيير لن يكون هو نجاحها في إنجاز المهام الموكلة لها في إعلان الحرية والتغيير أو الإعلان الدستوري، بل سيكون هو التحدي المتعلق بتأمين بقائها على سدة الحكم، فهل فكرت قوى الحرية والتغيير في هذا التحدي، وهل أعدت نفسها وعدتها له؟ لقد اعتمدت قوى الحرية والتغيير برامجاً ممتازة للتصدي لمختلف قضايا الفترة الانتقالية الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها والتي قامت بإعدادها نخبة من أفضل العلماء والخبراء في مجالاتهم، وعقدت ورش العمل لمناقشتها، وهو جهد يحمد لها بالتأكيد، غير أن كل ذلك سيكون جهداً بلا طائل مالم يرتبط، أولاً، بدراسة وافية للمخاطر والمهددات التي قد تعيق أو تعترض تنفيذ تلك البرامج ويشمل ذلك المخاطر المتعلقة بالبيئة والظروف التي سيتم تنفيذ البرامج فيها، وثانياً، بخطة عمل واضحة بإجراءات ومهام محددة توكل لجهات يتم تعيينها وترصد لها الاعتمادات وتوفر لها الموارد وتضرب لها المواعيد لتحقيق وإنجاز تلك المهام. لا أستطيع أن أجزم بأن قوى الحرية والتغيير لم تتطرق للمسائل التي أثرتها هنا، ولكن يمكنني القول بأنه لم يصدر عنها ما ينم عن إعدادها العدة لها، كما يمكنني القول كذلك بأن تصرفاتها والقضايا التي تستغرق جهودها، كما نراها ونتابعها يومياً، لاتشير إلى أنها تضع تلك القضايا في صدر اهتماماتها.

لقد أحدث توقيع الاتفاق السياسي ثم الإعلان الدستوري خلافات واسعة بين قوى الثورة، وهي خلافات موضوعية ومنطقية لما اكتنف تلك الوثائق من عيوب ونقائص يعترف الجميع بها. وفي حين أن الجماهير، والتي ندعي دائماً أننا أكثر وعياً منها وأننا طلائعها المتقدمة، تعاملت مع تلك الاتفاقات والإعلانات الناقصة بمنتهى الوعي والموضوعية ولم تدع الخلاف حولها يؤثر على وحدتها والتفافها حول قيادة قوى الحرية والتغيير، فإن القيادات الحزبية قد انطلقت من تلك الخلافات لتصعد من خلافاتها بما وضع وحدة قوى الحرية والتغيير على حافة الهاوية. لقد انتقلت الخلافات بعد أن كانت بين الكتل المختلفة داخل التحالف الكبير لقوى الحرية والتغيير، إلى خلافات داخل كل كتلة على حدة وبين مكونات الكتلة الواحدة، بل وفي بعض الأحيان إلى خلافات داخل الحزب الواحد. وتزامن مع ذلك اندلاع الأزمة بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية وهو خلاف لا يمكن على الإطلاق التهوين من شأنه أو التقليل من خطورته على مستقبل السلام في البلاد، وهو أحد، بل وفي مقدمة، القضايا المحورية في التحول الديمقراطي، وذلك بصرف النظر عن رأينا في موقف الجبهة الثورية وما إذا كانت دوافعه صادقة أو مفتعلة.

إن قوى الحرية والتغيير تعاني الآن أوسع وأعمق انقساماتها منذ إنشائها، وفي وقت هي في أمس الحاجة لتمتين وحدتها وترسيخها أكثر من أي وقت مضى. إذا كانت قوى الحرية والتغيير قد تمكنت بدرجة ما من الوحدة من إسقاط النظام بصورة من الصور والتوصل لاتفاقات تفتح الباب أمام الدولة المدنية والتحول الديمقراطي، فإنها بحاجة إلى أضعاف تلك الدرجة من الوحدة لحماية الفترة الانتقالية وتأمين سلطتها طوال تلك الفترة. إنها لا تحتاج إلى الوحدة فقط، وإنما تحتاج إلى شكل قيادي مختلف، لأن الشكل القيادي الحالي، والمسمى بالتنسيقية، هو، في أفضل الأحوال، شكل للتنسيق فقط وليس للقيادة، وقد أثبت عجزه عن قيادة المفاوضات بشكل فعال، كما تم تجاوزه في العديد من الحالات. إن قوى الحرية والتغيير ستكون بحاجة إلى قيادة ذات فعالية وكفاءة فائقة لأنها ستكون هي "الحزب الحاكم" في الفترة الانتقالية، هي التي ستختار أغلبية مجلس السيادة وكل الحكومة التنفيذية وكل المناصب الرئيسية في الدولة، ولا يمكنها أن تعينهم ثم تغيب عن الأنظار لتغرق في خلافاتها، وإنما يجب أن تكون المستودع الذي يوفر الدعم لحكومته والعين اليقظة والساهرة لمراقبة أدائها والتدخل لتصحيحه كلما كانت هناك حاجة. إن فشل الحكومة الانتقالية في إنجاز مهامها، لو حدث، لن يكون هو فشل هذا المسؤول أو ذاك، وإنما فشل قوى الحرية والتغيير بأسرها وستكون هي، وليس أي جهة أخرى، التي ستتحمل مسؤولية ذلك الفشل.

يرتبط بمسؤولية قوى الحرية والتغيير عن حكومة الفترة الانتقالية اختيارها للعناصر التي ستدير الدولة في هذه الفترة وخاصة رئيس الوزراء ووزرائه والنائب العام وغيرهم من شاغلي المناصب الرئيسية. لقد تداولت المصادر المختلفة العديد من الأسماء ونشرت السير الذاتية لبعض المرشحين، وجميعها، والحق يقال، تشهد لهم بالتأهيل الأكاديمي العالي، والخبرة العملية الذاخرة وتقلدهم أرفع المناصب في مؤسسات إقليمية ودولية مرموقة، وإذا كنت تبحث عن تكوين بيت خبرة عالمي المستوى، فلن تجد بالتأكيد أفضل منهم، ولكن، ومع احترامي التام لهم جميعاً، لابد من التساؤل مما إذا كانوا هم العناصر المناسبة لقيادة الفترة الانتقالية. إن قضايا الفترة الانتقالية ليست قضايا فنية بقدر ما هي قضايا، ليست سياسية فحسب، وإنما قضايا نضالية وصدامية من الدرجة الأولى، وهي بالتالي لا تحتاج "لخبراء" أجانب كانوا أم وطنيين، بجنسية واحدة أو مزدوجة، بقدر ما تحتاج إلى سياسيين مصادمين، مناضلين، مقاتلين، أشداء، خبراء في خبث ودهاء الإسلاميين، وقادرين على خوض صراع عنيف وشرس مع عناصر الثورة المتمكنة في أعلى مستويات السلطة، حتى ولوكانت رمزية، والتصدي لأوكار الفساد المستشري في وزارتهم ودوائرهم الحكومية واقتلاعهم اقتلاعا. وحتى لا نظلم مرشحي قوى الحرية والتغيير لشغل مواقع الحكومة الانتقالية فلابد من القول بأن العيب ليس فيهم هم، وإنما في المعايير التي وضعتها قوى الحرية والتغيير كأساس للترشيح، والتي رجحت الكفاءة المهنية على "الكفاءة النضالية"، وكذلك لا نريد أن نظلمهم فنقول أنهم يفتقدون الخصائص التي تحدثنا عنها، فربما كانوا يمتلكونها حقاً، ولكن ما نقوله هو أن سيرهم الذاتية التي أنتشرت في الأسافير لتثبت قدراتهم، لم تشر من قريب أو بعيد إلى تمتعهم بتلك الخصائص.

إن على قوى الحرية والتغيير الآن وفوراً أن توقف سياحة وفودها في القاهرة ثم جوبا أوغيرهما من العواصم دون طائل وأن تكرس كل جهودها لدراسة المخاطر والمهددات الهائلة التي ستواجهها بعد أيام قلائل واتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية بشأنها.