رواندا دولة إِفريقية متناهية الصغر في حجمها ومساحتها ٢٦ ألف كيلو متر مربع وقد تزيد قليلاً، ولكنها كبيرة ويفوق صيتها القارة الإفريقية بأكملها، بلد يقطنه حوالي ١١ مليون وسبعمائة ألف نسمة تقريباً، دولة تفتقر إلي الإطلالة علي أي من البحار (landlocked country)، يتحدث أهلها لغة واحدة تسمي الكينيارواندا، وتتشاطر هذه اللغة مع جمهورية بروندي. وتسمي رواندا بلد الألف تل (le pays des mille collines). يُحد الجوار الجغرافي لرواندا من الشمال يوغندا، وتنزانيا من الشرق، وبورندي من الجنوب والكونغو الديموقراطية من الغرب ، وفي شمالها تمتد مرتفعات وهضاب بركانية تتقاسمها مع يوغندا وتعيش فيها حيوانات الغوريلا الوديعة والتي ما يزال العلماء حائرون في سبر جميع أغوار سلوكها المسالم ، ومناخ هذه الدولة ساحر برغم أنه مداري حيث إن أرتفاعها يجعل الطقس فيها معتدلاً وممطراً طيلة أيام العام، ويقلل الإرتفاع من درجات الحرارة بشكل مذهل، رواندا تعتبر بمقاييس الإقتصاد الدولي المعروفة دولة محدودة الموارد الطبيعية، إلا من محصول الشاي عالي الجودة قليل الإنتاج واسع العائد، والقليل أيضاً من البن، ومعادن القصدير والتتنالوم والتنجستين حيث تصدر لماليزيا كمواد خام. ولكن رواندا برغم كل ذلك تأتي الأن في المرتبة الثانية في أفريقيا من حيث تهيئة بيئة الإستثمار الأجنبي وجذبه، وهي دولة حكم القانون في أنصع مبادئه وصوره، تشيع الطمأنينة والسلام الإجتماعي، وتقيم العدل والمساواة، وتحارب الفساد وتنبذه، وتمضي بخطي واسعة نحو الريادة في كل مناحي الحياة.

وفي أصل التوتسي، يدعي الهوتو بأن التوتسي ينحدرون من أصول غير رواندية، وبالتالي أنهم ليسوا بسكان أصليين، وأنهم قادمون من أدني نهر النيل (السودان) أو الحوض الشرقي له (بلاد الحبشة)، فهم في كلا الحالتين دخلاء لم يهاجروا، بل زحفوا كالخنافس من الحشرات كما كانوا ينادونهم في الراديو اللعين الذي أجج النعرة العنصرية وحرك كوامن البغض والكراهية لدي الهوتو و أدار ووجه عملية الإبادة ساعة بساعة Radio Télévision Libre des Mille Collines (RTLM يبث منه مؤسس وصاحب المحطة الإذاعية (Hassan Negeze) أقذع سموم الكراهية حاضاً علي إباحة القتل، ويقول "أقتلوا الخنافس وإقتلعوا الأشجار الطويلة" فالمفرده الأولي تعني أن التوتسي ما هم إلا خنافس زحفت لرواندا، والثانية تعني كل من هو طويل القامة، أتذكرون التصنيف؟؟ وعندما كانوا يقتلون التوتسي، يرمونهم في نهر أكاقيرا، أحد روافد نهر النيل، ويقولوا للجثث " (Go Home) " في إشارة إلي السودان!!!!.

إرتبطت رواندا في أذهان الجميع بالإبادة الجماعية التي وقعت ضد أقلية التوتسي الإثنية من قبل الأغلبية العرقية من الهوتو في أبريل في العام ١٩٩٤، وحصدت تلك الإبادة والمجزرة التطهيرية أرواحاً بريئة لمليون ومائة وخمسون ألف شخص، وهي الإبادة الأحدث في تاريخ البشرية التي وقعت تحت نظر وسمع العالم المتحضر، وما تزال تقف الإبادة سبه يندي لها جبين البشرية جمعاء. تركت تلك الإبادة جروحاً غائرة في نفوس الروانديين لن تندمل. ففي سبتمبر من العام ٢٠١١، حيث كنت أول سفير لبلادنا لدي رواندا، حشدت جماع إرادتي لأسأل عن أثار الإبادة في قلوب ونفوس الروانديين الناجين من الإبادة. والسؤال في رواندا عن الإبادة لابد أن يكون حصيفاً وبلباقة متناهية، لسببين؛ أولهما حتي لا تنكأ الجراح، وثانيهما لأن رواندا قطعت شوطاً طويلاً في تجاوز مرارات الإبادة وفترتها الأكثر قسوة في تاريخهم، فأصبحوا يصفون أنفسهم بأنهم روانديون فحسب لينؤوا بأنفسهم عن الإثنية والجهوية والإستعلاء العرقي البغيض، وتلك قاعدة العقد الإجتماعي الجديد الذي توافقوا عليه. فسألت أربعة من الروانديين؛ بشكل فردي، كانت تبدو علي أحدهم أثار قطع خلف عنقه عندما كان طفلاً رضيعاً، فحسبوه قد مات. وكان أولئك جميعاً من الذين يعملون معي، وعند إطمئنانهم لمرامي سؤالي، كانوا يسكتون لبرهة ويرسلون نظرات حسرة نحو الأفق البعيد مع زفرات حري، في سكينة تشبه الصمت المطبق الذي لا يعقبه حديث. وكان سؤالي عن عدد من فقدوهم من أفراد الأسرة المباشرين في تلك الإبادة، فكانت إجاباتهم صادمة للغاية في ذكر أعداد أفراد أسرهم الذين راحوا ضحية لتلك المجزرة الفظيعة، وتراوحت تلك الإجابات منهم جميعاً بين ١٠ إلي ١٦ فرداً، من الأب والأم والإخوة والأخوات والأقربون من الدرجة الثانية، فكان سؤالي الثاني، (?Will you ever forget) فكانت الإجابة واحدة، نسامح ولكن لا ننسي؛ ونعلم أن الله خَص الإنسان بخصلة النسيان ولكنها وكأنها لم تكتب للروانديين، وهم صادقون فيما ذهبوا إليه، فقد سامحوا ولكنهم لم ينسوا، ولكن ولفظاعة ما شهده الروانديون فإن الحياة علمتهم فضيلة التسامح وجعلتهم يقدمونها علي النسيان، لأن هذا ما يملكونه حقاً، وبالفعل فقد طوي الروانديين صفحة الإبادة بالتسامح الذي طغي علي قلوبهم ومعاملاتهم، وفتحوا صفحة جديدة في كتاب تاريخهم بالعيش معاً كروانديين والإندماج معاً، بل والتزاوج من جديد فيما بين الإثنيتين (التوتسي والهوتو)، وإفتتحوا سجل تاريخهم الذي يقوم علي أنقاض ليست كأنقاض البيوت الخربة أو العمارات الشاهقة التي تدمرها الحروب، بل أنقاض النفس الكسيرة، والقلوب المفطورة، والعلقم المر في الحلوق، وهم يشاهدون بأم أعينهم من قتلوا أمهاتهم وأبناءهم وإخوتهم ومن إغتصبوا نساءهم وبناتهم يمشون بينهم طلقاء. ولكن كيف حدث هذا الأمر؟ وكيف طوي الروانديون صفحة الإبادة الأكثر ألماً في حياة أي كائن بشري وفي أي بقعة علي وجه البسيطة، ألم لا تحتمله الجبال، فالقتل في شريعة السماء وكافة الشرائع الوضعية أمر تشمزء وتنفر منه القلوب والضمائر، ولا يقبله العقل السوي. نعم قل لي كيف تجاوزوا كل تلك المرارات التي لا وصف لمدي الألم والحزن التي يمكن لطاقة البشر تحملها؟

• الإرادة، والرؤية الثاقبة:

فقد حبي الله رواندا بقيادة لها رؤية وطنية ثاقبه متمثله في (A visionary leader) بول كاغامي، رجل إفريقي، وأحد حكماء إفريقيا الذين ما يزالون يمشون بيننا كحلم اليقظه، رجل قاد نضال الروانديين إلي الإنعتاق من هيمنة الفكر العنصري الإستعلائي، رجل بقامة فارعه، وبفكر ثاقب، يضاهي طول قامته المديدة، رجل حكيم، فكر بأن محاكمة القتلة وإيقاع حكم الإعدام عليهم لن يفعل سوي تعميق الجراح، وصب الزيت علي هشيم النار وجذوتها المتقدة، ناراً في القلوب تزيد إتقاداً كل يوم، وضغينة في الحنايا تشتعل، وثأراً لن يغسله إلا الدم. فتيقن بأن رواندا دولة صغيرة حجماً، فقوانينها الوضعية وجهازها القضائي لن يستوعبا ويسمحا بمحاكمة هذا الكم الهائل من قضايا الدرجة الأولي من الجرائم الجنائية للشخص الواحد، فما بالك بما يقارب التسعمائه ألف من القتلة الذين إرتكبوا جرائمهم في وضح النهار، وعلي مدي مائه يوم، فتمكن الروانديون بعزيمة قوية من طَي تلك الصفحة السوداء من تاريخ بلادهم، فقرروا عدم محاكمة القتلة بالقوانين الوضعية، بل بالعرف القضائي، بمحاكم كانت تعقد قديماً وتسمي ( Gacaca Courts) فأدخلوا هذه الصيغة القانونية في صلب دستورهم، فألغوا عقوبة الأعدام في قوانينهم حتي لا تتعمق الجراح والمآسي أكثر بإعدام الألاف من القتلة، فطويت قضايا الإبادة داخل رواندا، وبإرادة رواندية لا تلين وتقهر فتمكنوا من طي كافة جرائم الإبادة في عشر سنوات داخل رواندا، وكونت محكمة أروشا الدولية بواسطة الامم المتحدة في تنزانيا لبقية المتهمين الذين فروا خارج البلاد. وبدأت مرحلة إعادة بناء المجتمع الرواندي، أولاً بنبذ كل ما يشير للعنصرية، بل حرم علي الروانديين نطق كلمتي هوتو وتوتسي، ولم يسمح لهم إلا (بالقول بأننا روانديون).

• رواندا، تخط عبر التاريخ لعصرنا الحاضر.

فبينما كان يموت نحو مليون ومائة وخمسون ألف من الروانديين العزل في نحو ثلاثة أشهر وعشرة أيام، كان العالم المتحضر غارقاً في سفه النفس، وساسته يدسون رؤوسهم في رمال دهاليز السياسية الجوفاء ويتبخترون في الياقات البنفسجية، يفذلكون القول بما درجت عليه قاعات الأمم المتحدة بما يسمونه (filibustering) للإلتفاف حول الحمي بعدم التدخل في الشؤون الداخليه للدول، متناسين القانون الإنساني الذي لا يحرك الضمير البشري فحسب بل يهزه هزاً قوياً لإيقاظه من هذا السبات اللإنساني، ودول آخري تشتري للقتله السواطير (les machettes) ودول أخري تقف علي الرصيف.

فإن زرتم رواندا، أوصي ضعاف القلوب بعدم زيارة متاحف الإبادة الممتدة علي طول وعرض البلاد، فسيصيبهم الغثيان والدوار والصداع والأرق الليلي، والأحلام المزعجة لأيام طويله، دعك من الحزن والأسي الذي سيعصر قلوبهم وضمائرهم لوقوفهم علي الرصيف وإن لم يكن قد ولدوا بعد. فهناك كنيسة لم ينج منها سوي طفل واحد رضيع نسوه ففلت من آلة القتل الرهيبة فقد إحتضنته أمه الميته وغطته الدماء فحسبوه ميتاً، ولسخرية القدر أصبح هذا الطفل الأن شاباً ودليلاً سياحياً في متاحف الإبادة!!! فأراد الروانديون أن تبقي جثث القتلي في تلك الكنيسة التي لجأ إليها طيف من الروانديين إعتقاداً منهم بأنها الحمي الطبيعي من القتل، فكانت المفاجأة بأن فتح القساوسة أبواب الكنيسة للقتله ودلوهم علي مكان إختباء الضحايا، فقتلوهم جميعاً وتركوهم يتدثرون دمائهم ويحتضنون بعضهم البعض طلباً للحماية، وبما أن السواد الأعظم من الروانديين يعتنقون المسيحية الكاثولوكية (بل هم الأكثر مسيحيه من جميع الدول الإفريقية) فقد قتلوا أمام الصليب، والمفارقة أن من فكر منهم اللجؤ للمساجد وبيوت المسلمين نجوا من هول الرعب والقتل والإبادة.(حيث قررت الأقلية الدينية المسلمة الروانديه عدم المشاركة في الإبادة، بل قاوموا تلك البربرية الوحشية مقاومة سلمية بإيواء التوتسي فأنقذوا حياتهم) سلمياً فأثر هذا الموقف الإنساني من المسلمين تجاه إخوتهم في الإنسانية فكان مدعاه لدخول العديد منهم للإسلام، حتي أن المناظرات التي يقعدها القساوسة من الدول الغربية مع رصفائهم من الأئمة المسلمين، والذين درجوا علي زيارة رواندا كل عام لترتيب تلك المناظرات في الملعب الرياضي حيث تنتهي عادة بدخول أعداد كبيرة من الروانديين للإسلام. ( سبحان الله، تفكروا قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، "الدين المعاملة"، صدق رسول الله). وتأسيساً علي هذا الموقف الإنساني للمسلمين، فقد أطلق الرئيس كاغامي أمر الدعوة الإسلامية في رواندا دون تقييد. كما أمر بأن تبقي أكوام جثث القتلي الأبرياء في الكنيسة علي ما هي عليه لتكون عبرة للتاريخ ولدعاة الحرية والمتشدقين بزخرف الإنسانية الذين تناسوا آنذاك المآسي الوحشيه التي تقع تحت نظرهم وسمعهم، فقد قال صديقي وشاعرنا العظيم الفيتوري، قيثارة إفريقيا "فأستمع لي... أستمع لي إنما أذن الجيفة صماء الأذن " ويمضي في القول "فلقد ثرنا علي أنفسنا ومحونا وصمة الذل فينا .. الملايين أفاقت من كراها" فجاؤوا فيما بعد يتباكون علي الحليب المسكوب.


• سيرة لأبطال سودانيين في خضم الإبادة:

من أبشع الذكريات في الإبادة، أن القتلة كانوا يخيرون ضحاياهم بين شيئين القتل بالساطور أو الرصاص، فإن إخترت الأخيرة فعليك سداد قيمة الرصاصة التي ستقتل بها، وإلا وإن كنت معدما لهذا الحد، وذاك كان هو حال السواد الأعظم من الضحايا، فعليك تحمل تقطيع الساطور لجسدك، بدءاً بالأيدي، (أسف لذكر بعض هذه الفظائع البشعة أثناء الإبادة)، ولكن ولجسارة الضحايا كما حكي لي الأخ المهندس محمد الحاج صاغه * (١)، أحد الناجين من السودانيين من العنف والإنتهاكات الجسيمة لمليشيات الهوتو التي مهدت للإبادة إبان الهجوم الذي شنته الجبهة الوطنية بقيادة بول كاغامي علي العاصمة كيغالي في أكتوبر عام ١٩٩٠ " حيث بدأت مليشيا الهوتو بإستهداف الأقلية التوتسية في مظاهر كمقدمه للتمهيد والإستعداد والتدريب علي أعمال الإبادة " كما قال المهندس محمد الحاج صاغة . وأضاف بأن الناس وهم يقتلون في الإبادة لا تسمع منهم سوي أنين خافت، دون بكاء أو عويل أو حتي إسترحام كي لا يقتلوا. ومن المؤسف فإن السوداني الآخر، الأخ مصطفي خميس وزوجته رحيمة وإبنته خلود وإبنه عبيد كانوا من بين ضحايا الإبادة الجماعية الرواندية، ما عدا إبنته فريدة، فقد سباهها أحد الجنود الهوتو وجعلها خليلة له، إلي أن قتلت قوات الجبهة الوطنية الرواندية المنتصره ذلك الجندي. ومن ثم قام المهندس محمد الحاج بالبحث عن تلك الكنداكة السودانية وكفلها بالرعاية.

وعندما إفتتحنا السفارة السودانية في رواندا، حرصت علي تسمية إحدي القاعات بإسم الشهيد مصطفي خميس، تخليداً لذكراه المطوية في بلاد الألف تل، ولروحه وجسده الذي لم يجد حتي من يواريه بشكل يليق بعظمة شهادته البطولية تلك؛ ونجا المهندس محمد الحاج صاغه وزوجته الكريمة من الموت المحقق، فقد إستأجر الشرطه لحمايتهم وإصطحابهم لسفارة دولة عربية شقيقه طلباً للحماية، فأدخلهم ضابط أمن السفارة، ولكن عندما وصل السفير طلب خروجهم من السفارة فوراً حتي لا يكون إيوائهم سبباً في إستهداف المخابرات الرواندية للسفارة .وأثناء إلحاحهم ورجاءاتهم للسفير بالبقاء في مبني السفارة طلباً للحماية أمطر الثوار التوتسي الذين كانوا يتمركزون علي مقربة من السفارة، مبني السفارة بوابل من الرصاص ظناً منهم أن مليشيا الهوتو تتخذ من السفارة موقعاً لها وكاد أن يخر جميع من هم في السفارة صرعي وشهداء، وشاءت إرادة الله أن تصيب رشقات الرصاص المنهمر جزءاً كبيراً من مبني السفارة فحطمت الواجهة الزجاجية للمبني، فطار قلب السفير خوفاً وهلعاً علي مصيره، فأستنجد علي الفور بالقوات الفرنسية لإخراجهم من حصنهم المتهاوي، فجاءت أفراد من القوات الفرنسية من عملية (Opération Turquoise, a French-led Military operation in Rwanda mandated by the UN
(
لتنقذ محمد الحاج وزوجته ومن ثم السفير وطاقمه من الموت المحقق. وكان القتله يقولون لمحمد الحاج وزوجته فقبض عليهم واوسعوهم ضرباً مبرحاً، وكانوا يقولوا لهم "أنتم توتسي"، (vous êtes Tutsi) وهم يتفحصون شعور رؤوسهم، ويشيرون إلي أنوفهم، حيث لم يصدقوا بأنهم سودانيين برغم إبرازهم لجوازات سفرهم، أما السوداني الثالث، عبدالمنعم قسم الله فقد قبض عليه لأنه لم يكن يحمل جواز سفره معه، وأقتيد للسجن، إلي أن إستنجد محمد الحاج بعد خروجه من المعتقل بالقنصل المصري الذي ذهب إلي بيت عبدالمنعم قسم الله وأحضر جواز سفره فأطلق سراحه، وعندما إستعاد قواه في بيت الأخ محمد الحاج، (حيث لم يكن يقو علي النوم علي أي جنب، أو الجلوس، إلا من الوقوف رافعاً يديه للإستناد علي الحائط علي مدي أسبوع، ولم يكن يتمكن من الأكل إلا من لبن أو شوربة تعدها له زوجة الأخ محمد الحاج) غادر رواندا علي الفور. وتعرض عبدالمنعم لهذه المعاملة القاسية لم يكن بسبب عدم حمله لجواز سفره السوداني فحسب، بل لأنه عندما قدم لكيغالي سكن في بيت كان يسكن فيه مجموعة من الصحفيين اليوغنديين، ولعلاقة الجبهة الوطنية الرواندية بيوغندا وإتخاذها ذلك البلد كقاعدة للإنطلاق لثورتهم، إعتقدت المخابرات الرواندية التي كانت تراقب البيت، بأن لعبدالمنعم علاقة بالصحفيين اليوغنديين وأنه جزء منهم.

وعودة علي ما جاء بكيفيه تصنيف المستعمر البلجيكي العنصري للتوتسي (وهم يمثلون نسبة ١٩٪‏ من السكان) فقد إعتبر كل طويلي القامة والأنوف المستقيمه والشعور الأكثر نعومة توتسي، بل مضي في تعريفه البغيض بأن كل من يملك عشرة بقرات فهو توتسي، وإن كان من الهوتو، فيكتب في بطاقة تعريفه عبارة (توتسي) فللبقره في رواندا أيضاً علاقة وثيقة بالموروث الشعبي، فهي رمز للمرأة الجميلة، فعندما يود أحدهم التقدم لخطبة فتاه، فإنه يذهب إلي بيتهم، ولا يطلب يدها كما تجري العادة بعبارات تكاد تكون متقاربة في العديد من الثقافات، بل يبدأ بالحديث بأنه رأي بقرة جميله تدخل هذا البيت، فيقول له والدها، لا توجد لدينا أي أبقار، ولكنه يستمر في الحديث ويصر علي أنه رأي بقرة جميلة، ويتمادى في وصفها، بأن عيونها رائعة وكحلاء وواسعة وأن جسمها بض وأنها تمشي الهوينا، وعندما يحسّن وصفها بأجمل العبارات يقول له والدها، نعم إنها إبنتي ، ويوافق علي تزويجها له.

رواندا: الحلول المستنبطة من الواقع.

وكسفير جديد عكفت علي دراسة الحالة الرواندية وأنا مثقل بمآسي بلادي في دارفور والجرائم والإنتهاكات الجسيمة التي أرتكبت بحق المسالمين من شعبنا في هذا الجزء العزيز علي وعلينا جميعاً، بدأت بسبر أغوار كلمة Gacaca فوجدتها تعني ببساطة (القش) حيث درج الروانديون الجلوس علي العشب الأخضر (كعادة قديمة متوارثة) في سفوح تلالهم للسمر والتعاطي في شؤونهم، ولدهشتي فهو عين ما كنّا نفعله سابقاً في محاكم الأهلية في السودان، البلد المتعدد الثقافات التي تجعل من المنظومة الإجتماعية من الخصائص التي تجمع السودانيين وتنسق حياتهم وتربطها بشكل وثيق؛ حيث يجتمع حكماء القرية بين يدي السلطان أو الناظر أو الشرتاي أو الشيخ قاضياً وتكون له هيئة محلفين ودفاع وشهود ليحاكموا الجناة ويقرروا العقوبة المناسبة التي يرضاها الجميع فيذهب الشاكي قانعاً. والجاني مقراً بما أوقع عليه من عقوبة، وهو عين ما فعله الروانديون؛ وبهذا يتشابه الأفارقه في إرثهم الثقافي و الشفوي غير المادي سواء في السودان أو رواندا أو غيرها. وقديماً قيل (إن موت عجوز إفريقي كحريق مكتبه) (comme on le dit en Afrique, un vieillard qui meurt c'est un peu une bibliothèque qui brûle فنحن في بلادنا لم نقتل الحكمة وحكمائنا فحسب بل حرقنا مكتباتنا دون موت وبلي.

وللبقرة في الموروث الرواندي مكانة ذات قيمة، فهي أيقونة في رقصهم المعبر، وفخارهم الإجتماعي، وهي مصدر دخل للأسرة، كما لها دور هام في التعايش السلمي أيضاً، فعندما إنتهت الإبادة، ومن أجل حفز التعايش بين إثنيتي التوتسي والهوتو فقد إستحدثت الدولة برنامجاً حكومياً (Grinika) وهو برنامج يهدف لتوفير الدعم للروانديين الناجين من الإبادة (التوتسي) تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع جنباً إلي جنب مع الهوتو، وتمثل البقره وسيلة لإعتمادهم علي أنفسهم. فهي تعطي اللبن وجنينها يمنح للجيران لإنشاء قطيع من الأبقار، ودعماً لهذا البرنامج التكافلي الإنساني والرائد فقد قمت وبدعم مادي سخي من بعض الإخوة من رجال الأعمال السودانيين الذين دعوتهم لزيارة رواندا للوقوف علي تجربتها وفرصها الإستثمارية بتقديم عشرين بقرة فريزين للناجين من الإبادة في إقليم (Bugesera) في وسط رواندا، في إحتفال كبير نقله التلفزيون الرواندي، وما أدهشني حقاً الكيفية التي أديرت بها عملية توزيع الأبقار علي المستحقين، فقد جمع أهل القرية في مكان الإحتفال، وأجريت قرعة بكل شفافية (لا دغمسة فيها) لتحديد المستحقين في القرية، وأجريت قرعة أخري علي الأبقار حتي لا تكون هناك (دغمسة بالدس) في الأبقار. تلك لمحة قليله من رواندا بلاد الشفافية في كل شيء حتي الأبقار!!!!. وبطبيعة الحال فإن التصنيف العرقي اللعين الذي إنتهجه المستعمر البلجيكي كفصل صارم في الهوية لم يشمل عبارة هوتو علي الأغلبية (ويمثلون ٨٠٪‏ من السكان) والبتوا (ويمثلون ١٪‏ من السكان وهم من يعرفون بالأقذام). فكانت تلك البطاقة اللعينة هي أساس القتل، ومن لم يجدوا عنده بطاقة أو من قام بإخفاءها فإنه ما يزال يحملها بصمة في أنفه المستقيم وطوله الفارع ونعومة شعره، وَيَا لها من بطاقة دامغة بجرم هوية نبذت دون جريرة.

ومن بين البرامج الأخري التي تمكنا من الإسهام فيها تفيعلاً لدور الدبلوماسية الإنسانية تمثلت في تسهيل وتنسيق إرسال عشرة أطفال روانديين ولدوا بثقوب في القلب Atrial Septal Defect وكانوا في أمس الحاجة للرعاية الطبية لإجراء عمليات قلب لمعالجة هذا العيب الخلقي الخطير. وأجرت الحكومة الرواندية تنسيقاً موازياً مع مخرج أمريكي للأفلام الوثائقية القصيرة، Kief Davidson وفريقه التصويري لتسجيل رحلة هؤلاء الأطفال من قراهم المتعددة في رواندا إلي السودان مع مرافقيهم من الأسر والأطباء الروانديين والأمريكيين لتلقي العلاج المجاني في مستشفي السلام الإيطالي الخيري في سوبا. وفي هذا السياق، فأنا مدين بتقديم شكر مستحق للأخت الإيطالية من أصل إثيوبي (Elanora Delgadu ) لجهودها الدؤوبة وإنشغالها الإنساني لتنسيق وإتمام هذه الرحلة العلاجية الإنسانية لهؤلاء الأطفال الأبرياء. وقد تم بحمد الله علاجهم جميعاً بإجراء عمليات ناجحة لهم وعادوا بسلام لأسرهم. وسجل المخرج Davidson الفلم تحت إسم Open Heart ونافس هذا الفلم الوثائقي القصير في فعاليات الأوسكار الدولية ضمن ٥٠٠ فلم وثائقي قصير، وتم تحديد ثلاثة أفلام short listed، وكان من بينها، Open Heart وبرغم أنه لم يفز بالجائزة، ولكنه بالمقابل سلط الضوء علي ثلاثة قضايا هامين:

• أولاً: إن للسودان رصيد غير مستخدم في إعمال الدبلوماسية الناعمة في التعاون المشترك مع عمقه الإفريقي. ووعينا بأن إستعادة دورنا للدبلوماسية السودانية في التعاون والتكامل يجب أن يبدأ مع أشقاءنا الأفارقة. فإن للسودان قبول ثقافي وهو مؤهل وبشكل تلقائي كواسطه عقد بين دول الساحل ودول جنوب الصحراء، وبين غرب القارة وشرقها. ولعلي أستذكر ما قال الوسيطين البروفسور محمد الحسن ولد لبات، والسفير محمود درير ممثل رئيس الوزراء الإثيوبي، الدكتور أبي أحمد، لهم منا جميعاً الشكر والتقدير لما بذلوه وتحملوه من مشقة في جهودهم المتجردة والصادقة في إطار الوساطة (الأفروإثيوبية) فما قالوه خير دليل علي صدق مشاعرهم حيث قال الوسيط الأفريقي "أن السودان هو موريتانيا شرق أفريقيا " وقال الوسيط الإثيوبي بكل فخر وهو يذرف الدموع "أن السودان بلده". فعلينا دحر التقهقر في دبلوماسيتنا، وإستنباط الأفكار للدبلوماسية الجديدة تعزيزاً للتفاعل الإيجابي في التعاون والتكامل الأفريقي المشترك.

• ثانياً: حاجة الروانديين الماسة لإجراء مثل هذه العمليات، حيث كان الأطفال المرضي ينتظرون مع المعاناة لعام أو عاميين قدوم أطباء من الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو أستراليا لتجري لهم مثل هذه العمليات وفقاً للضرورة القصوي لكل حالة. وهذا أيضاً نموذجاً لهذا التعاون المشترك المفقود.

• ثالثاً: الإمكانية المتاحة للسودان لتقديم مثل هذه الخدمات المجانية بمساعدة مستشفي السلام الإيطالي الخيري ليست للسودانيين فحسب بل للجوار الأفريقي، ومن شأن ذلك إبراز وجه آخر للسودان، وأن هذا المستشفي الخيري والمشاريع المماثلة التي يمكن أن تنبثق في إطار جهودنا لإعادة بناء السودان الجديد بمقدورها تغيير الصورة النمطية السالبة والواقع الحالك الذي تكرس في أذهان المجتمع الدولي خلال العهد البائد.


• رواندا والدروس المستلهمة للسودان الجديد:

ونحن في خضم معركتنا التالية، معركة إعادة بناء وطننا الغالي، حضرتني الصورة الزاهية لرواندا، أيقونة أفريقيا في تخطي أثار مأساة إنسانية قاسية وهي ليست بعيدة عن مرارت الإنتهاكات الجسيمة، والقتل والتشريد القسري والنزوح واللجؤ والمهانة لكرامة الإنسان في دارفور وأثارها المؤلمة، فجلست أتفكر في عظمة ثورتنا، وكنداكاتنا وشبابنا الغض، وإلهام هذه الثورة لنا في إستعادة عبر تاريخنا السليب في الوئام والسلام الإجتماعي والتكافل والشموخ والكبرياء وفي الأحرف البيضاء التي كتبت بها ثورتنا صفحة جديدة تضاف لتاريخنا الحديث وتاريخ الشعوب من حولنا بأن "القيد قد إنكسر و قد إستجاب القدر" ، فتمخضت عزيمتنا بتحول طالما حلمنا به، وتطلع لِغَد ومستقبل أفضل. وما علينا الآن سوي تشمير سواعد الجد للفلاح، فكما غيض الله لرواندا رئيس ذَا بصيرة نافذة، ورؤية ثاقبة، وعزيمة لا تخور، وإرادة قوية، وروح شفيفة، وتصميم لا يلين في إعادة بناء مجتمع مزقته أكبر الشرور والآثام، آلة القتل الجماعي، والضيم، وسلاح الإغتصاب، وسواطير الجذ القاسي لأشجار السنديان الطويلة، والتصميم علي إنهاء وجود إثنية واحدة، لم تسلم حتي الفراخ والكلاب، حيث كانوا يقولون بأن تلك الفراخ والكلاب توتسيه، وجاءت حالة القتل اللانهائي علي الأطفال الرضع، فكانوا يحملونهم علي أسنه السواطير والسيوف، وما تزال جماجمهم في المتاحف تحمل ثقوب تلك الآلات الحادة، ولهذا لا تذهبوا إلي رؤية متاحف الإبادة في رواندا، فستموتون ألف مرة وأنتم أحياء، فما تحمله الروانديون لا يتحمله بشر. فإن الله قد غيض لنا نحن في السودان فكر ووعي وشعب قائد، فتبقي لنا القيادة والرؤية لنتمكن من العبور معاً إلي بر الأمان نحو غد أبلج ومستقبل زاهر بإذن الله ولكننا لسنا ببعيدين من كل ذلك بإذن الله. فلنعد العدة لإعادة بناء الإنسان السوداني في إستعادة كرامته السليبة، وعزته وشموخه، وإنسانيته، ووحدة أبناء شعبنا العظيم في كل بقعة في بلادنا الطيبة، ولنحارب الضمور التنموي بدءأً بالأطراف نحو المركز فهي التي عانت كثيراً من التخلف وإنعدام الخدمات، ولنحقق الحقوق الإنسانية الأساسية في التعليم والعلاج وقسمه الموارد، قبل التفكير في المناصب.

فبلادنا الأن أحوج ما تكون إلي الوحدة الوطنية والإجتماعية والتلاقي الثقافي إنباثعاً من تنوعنا، وقدرة علي تجاوز الصغائر، والإرتقاء الإنساني إليها، وعلينا نبذ الإستعلاء العرقي إلي الأبد، فنحن لسنا سوي مجتمع متعدد الثقافات لا فرق بيننا، خليط متجذر في أصله الإفريقي وإن كانت لنا ثقافة عربية كانت نتاج للإستعراب في سوداننا النيلي فجاءت لتضفي رونقاً للثقافة النوبية الإفريقية القائمة أصلاً في بلادنا منذ بدء الخلق لسان وثقافة عربية، وحضارتنا ومملكتنا في كوش كانت وما تزال هي أولي الممالك في إفريقيا، فلنفخر أولاً بأصلنا وجذورنا الإفريقية، ولننطلق لنقارع بَعضنا البعض بالحجج بألسنة شتي ولكن بقلب واحد. لا بالبندقية؛ فإن كانت رواندا قادرة علي تجاوز ما تنوء به الجبال، أنغرق نحن في (شبر مويه؟). علينا إستلهام العبر منها ومن جذورنا الإفريقية للتوصل لحلول عاجلة لمشاكلنا الماثلة ونحن أقدر علي ذلك، دعونا من القسمة الضيزي تلك، فمشاكل السودان الان قداختلفت من تلك التي جابهها الوطن في سابق عهوده التاريخية، مروراً بالاستقلال الي ما قبل الإنقاذ وبعده، علينا ركل تواتر الفشل، ولنعكف علي إدارة التنوع ،ألعوبة النظام الشمولي البائد، ولنوطد الديموقراطية فكراً ومنهجاً وسلوكاً، ولنقضي علي التخلف السياسي المقعد في نفوسنا، هذه العقدة الكأداة المعيقة لحركة النماء في وطننا، ولنجتث جذور الفشل في أعماقنا. فنحن بحاجة لتغيير رؤيتنا الي تلك القضايا كلها وتحديد المنهج لمعالجتها والبحث عن أدوات تعيينا علي ذلك. ولا غرو فإن حادينا في ذلك الطريق سيكون دون شك الحس الوطني، والتجرد، فالوطن أولاً، ولا نريد ان تتوقف الديموقراطية عند الحقوق الاساسية فلابد من الإهتمام بالهامش كأولوية وأن ندلف بنهجنا الديموقراطي الذي سنستوحيه من واقعنا للإهتمام بالجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والعمل علي تضمين قيمنا وأعرافنا في صلب دستورنا وقوانينا؛ وأن نعني بقضايا التعليم والتربية الوطنية ونهتم ببعث تراثنا الثقافي غير المادي وموروثاتنا الشعبية المتعددة وصيانتها، وأن نعكف بصدق علي نبذ العنف بأشكاله كافة ومعالجه اسبابه ومسبباته. فمن قاد الثورة بوعيه وفكره وعزيمته وثباته، ومن رفع السلاح في وجه النظام البائد وجموع الشعب الصابر متساوون جميعاً في الحقوق والواجبات، فنحن بحاجة للإرتفاع فوق صغائر المناصب وبريقها الزائف. فمرحلتنا الإنتقالية لا تعدو أن تكون إنتقاليه، فلتكن دفة توجه مسار هذا الوطن الغالي خلالها واجب مقدس علينا. تذكروا أن بلادنا حطام سياسي، وركام إقتصادي، وتشرزم ثقافي، وعنصرية مميته، وفرقه مقعده، وإنفراط لعقد إجتماعي؛ بلد تعمه ثقافة الإفلات من العقاب، وتستشري في أوصاله ثقافة المحسوبية والجهوية وينخره الفساد، ووطننا بحاجة إلي وحدتنا وتماسكنا وعزيمتنا وقوة إرادتنا أكثر من أي وقت مضي في تاريخه الحديث. فلنجلس علي ال Gacaca كما فعل الروانديون وأجدادنا لنستعيد المجد الإفريقي والإرث السوداني التليد، ولنتكاتف في حل مشاكلنا، فإن لم تكن إزالة النظام عصية علي إرادتنا، فإن حل المشاكل وتجاوز العقبات لن تكون هي الأخري عصية البته، فبالصبر والجلد والتضحية والمثابرة سنحرس الثورة ونحصنها، ولنستلهم عبر ثورتنا العملاقة وتضحياتها الغالية والأرواح الطاهرة التي صعدت إلي بارئها والدماء الزكيه التي سالت لتروي أرض الوطن وتمهد الطريق لمثل تلك الجلسة مجازاً علي عشب الوطن. وليفهم أن تلك دعوة لجميع صناع الثورة.

• السودان الجديد والعالم من حولنا:

• فإنني علي يقين بأن المصلحة العليا للسودان الجديد لا يجب أن تبدأ بعداء خارجي سافر ومعلن مع أي جهة، أو دولة أو كيان، ولتكن تلك ركيزة راسخة في سياستنا الخارجية الجديدة، مع إعلاء تحقيق المصلحة القومية للبلاد كأولوية.
• إن من بين تحديات السودان الجديد التحرر من العزلة السياسية، والسعي الجاد لإستعادة موقعه السياسي إقليمياً ودوره في المحيط الدولي وإستعادة توازنه الإستراتيجي، فلنبدأ بالنأي بسياستنا الخارجية عن المحاور والأحلاف المضرة والخروج من نفقها المظلم.
• فبلادنا في هذه المرحلة بحاجة ماسه لحشد الدعم الدولي، سياسي، أو دبلوماسي كان، بغية إعادة الثقة لإلتزاماتنا السياسية تجاه الآخر، ونبرز للعالم مسارنا السياسي وتعاوننا الدولي الشفيف في شتي المجالات الذي سيقوم علي مباديء القانون الدولي وإحترام المواثيق والمعاهدات الدولية، فالعالم الحر الذي شهد علي هذه الثورة متأهب لفتح أفاق التعاون مع بلادنا في عهدها الحديد.
• ولنكف عن إرسال أي رسالة سياسية سالبة الأن أو في أي وقت في المستقبل، وعلينا طي صفحات العداء المعلن للدول والكيانات ونبذ السياسات العدائية التي إنتهجها النظام البائد وأجندته السياسية التي لم تجلب لبلادنا سوي العزلة والهيمنة والإقصاء والتقذيم لدورنا الطبيعي في الحراك السياسي الدولي والإقليمي إستعادة لمكانته التاريخية مستلهمين مؤتمر اللات الثلاثة.
• ويتوجب علينا إبداء النوايا الصادقة والأفعال الملتزمة في فتح أبوابنا مشرعه لجذب الإستثمارات بعد تهيئة بيئتها، ولنمد أيدينا للإسهام في التعاون الإقليمي والدولي؛ ولتكن تلك الرسالة المحورية منحاً ونهجاً إستراتيجياً لسياستنا الخارجية، ويجب أن تضمن في الكلمة الأولي لرئيس الوزراء التي من المؤمل إدلاءه بها عقب تنصيبه مباشرة في إطلالته الأولي علي الحضور المشارك للشعب السوداني فرحته بتتويج إنتصار ثورته وتوقيعه علي الإتفاق التاريخي للتحول للحكم المدني وكذلك مخاطبته للمجتمع الدولي عبر نافذة الإحتفال، ( ولابد أن نعكف علي تمحيص صياغة وإعداده تلك الكلمة بمهنية ودبلوماسية حاذقة) ولتتضمن أيضاً الإعلان عن القيم التي ستقوم عليها سياسة السودان الداخلية والمباديء والأسس لسياسته الخارجية الجديدة.
• ومن أهم الخطوات الإصلاحية لتحقيق النهضة الشاملة في السودان الجديد، والتي يجب علينا تبنيها، وإعطاء المرأة مكانتها المستحقة لتلعب دورها في الحياة السياسية، ولتكن نسبتها في التمثيل الحكومي والتشريعي مساوٍ للرجل، كنوع من التمييز الإيجابي؛ وإصلاح الدستور والقوانيين بما يعزز دور السودانيين في الحياة العامه ومؤسسات الدولة.

عاشت ثورة ١٩ ديسمبر العملاقة، وعاش السودان، وعاش الشعب السوداني العظيم حراً أبياً.

• (١) أول سفير للسودان لدي جمهورية رواندا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.