*مقدمة*

قرأت مقالا في الواتساب عن الثورة السودانية نسب إلى الدكتور حيدر أبراهيم، وهو باحث مرموق. طلب الدكتور حيدر من القراء التفاعل مع ما كتب، وإبداء الرأي فيه. فقال في سماحة في نهاية مقاله: ( للنقاش والنقد)

فملاحظاتي عن ما كتب إستجابة لطلبه، بالإضافة إلى أني وجدتها فرصة أبين فيها بعض معاني الدين، ذات الصلة بما قال،حسب علمي المحدود لها.(تعرض لنا من خلال تعليقنا على مفاهيم اعتبرها مهمة لأجل ذلك استرسل في توضيحها. فإذا لم ير القارئ أن الإسترسال فيها مناسبا، فإني التمس منه العذر)
هذه الملاحظات نوع من الحوار، غرضه الوصول إلى إتفاق كلي أو جزئي مع د. حيدر. وفي عدم حصول على هذا الإتفاق، أن يتعرف كل طرف منا على آراء ومواقف الآخر.
(2)تجدر الإشارة إلى أن الكثيرين يعتبرون الحوار المستخدم للحجاج هو البديل للصراع وطريقة لفض النزاع بين المختلفين. ولكن للأسف فإن عالم اليوم تحكمه القوة العارمة ولا تحكمه المبادئ والقيم. والأدهى والأمر صارت المبادئ والقيم تستخدم كوسيلة لتحقيق المصالح، فيتم الضغط على دولة بدعوى تجاوزها حقوق الإنسان ، ويغض الطرف عن دولة أكثر تجاوزا لها. واشتكى من تهميش الفكر والمفكرين فلاسفة غربيين كبار أمثال السدير ماكنتير فقال: إن المفكرين مهمشين وتدار الأمور وتصدر القرارات عن طريق مراكز القوى.
وما يظهر أنه حجاج ما هو في الحقيقة إلا أساليب تضليل كاذبة وماكرة، اشتكى منها نعوم تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام" وكتب في نفس المعنى هيربرت شيللر "المتلاعبون بالعقول". ويكاد يجمع المراقبون على أن العلاقات الدولية يحكمها مبدأ الواقعية ، أي تحكمها القوة وليس القانون أو الأخلاق وهذا ينطبق أيضا على العلاقات الداخلية . لذا يعتقد المعلق أن العمل الجاد لحماية الذات والقيم هو إمتلاك القوة ،هذا الامتلاك ليس للهيمنة أوالسيطرة أوالإستعلاء أوالإستغلال. وفي حالة عدم توفر القوة اللازمة للردع فإنه لا بديل إلا الحجاج لإثبات الحقوق.
(3) وتجدر الإشارة أيضا إلى أمر يعتبره المعلق في غاية الأهمية وهو: أن ما يصعب مهمة الحوار وتحقيق الأهداف التي ترجى منه ، طبيعة المجال الذي يتم فيه الحوار. ففي المجال السياسي ومجال العقائد الدينية والفلسفية ونظم الحياة وأساليبها، كثيرا ما تؤثر فيها الرغبات والتحيزات بل الهوى. كما أنه يصعب فيه وضع معايير يتفق حولها الناس، وعند وجود هذه المعايير يصعب الالتزام بها. هذه المشكلة ليست خاصة بالمجالات المذكورة، ولكنها تصيب كل المجالات العلمية كالفيزياء، عندما تتصل نتائجها بالعقائد ونظم الحياة وأساليبها. فقد أورد جعفر شيخ إدريس قولا لألفريد هويل وهو أحد كبار علماء الفيزياء المعاصرين- وهو ليس من المؤمنين بالدين- قال فيه :إن علماء الاحياء التقليديين لن يقبلوا نظريته في التطور المخالفة لنظرية دارون ، والتي فحواها أن تطور الاحياء على أرضنا لا يسير بالمصادفة وبلا هدف كما تدعي تلك النظرية ، بل إن سيره محكوم بقوى واعية خارج أرضنا، ويقول إن هؤلاء العلماء لن يقبلوا هذه النظرية رغم وجود جبال من الأدلة على صحتها، لأنها قد تؤدي إلى إيحاءات دينية، ولأن العلماء التقليديين مهتمون بمنع الرجوع إلى الغلو الديني الذي حدث في الماضي أكثر من اهتمامهم إلى التطلع إلى الحقيقة. وأورد جعفر قولا لجاسترو قال فيه الأخير: إن ردود فعلهم (العلماء) لشاهد لطيفا على الموقف الذي يتخذه العقل العلمي، وهو يفترض أن يكون في غاية الموضوعية تجاه مهنتنا. تبين أن العالم يتصرف كما يتصرف كل منا حين تصتدم معتقداته مع الدليل ، ينتابنا الضيق وندعي أنه ليس هنالك صدام، و نخفيه بعبارات لا معنى لها.
ومما يدل على ما قاله جاسترو ما حدث لدارون، فيما يمكن تسميته بحالة الطاووس. قال دارون إنه يشعر بأزمة فكرية كلما رأى ريش الطاووس، وقال إن منظر الطاووس يجعله يشعر بالسقم كلما أمعن النظر فيه. لأن جمال الطاووس لاينسجم مع تفسيره لنشأة الكائنات، والذي يقوم على بقاء الأصلح، والذي لا يحتاج إلى هذا الجمال الزائد على الحوجة. ولكن عاد ليزعم أنه وجد تفسيرا لجمال الطاووس، وأن هذا الجمال يعود إلى الإصطفاء الجنسي حيث تختار الانثى الذكر الأجمل، ولكن إذا صح هذا فهو يفسر بقاء الأجمل ولا يفسر ظهوره. ولكن جاء تكذيب نظرية دارون التي تفسر جمال الطاووس في بحث لمجموعة من العلماء اليابانيين في جامعة طوكيو، الذي توصل إلى نتيجة أن إناث الطاووس لا تهتم بجمال الذكور عند الزواج.
والفيلسوف المشهور كارل بوبر أظهر تحيزا بل تطرفا في دفاعه عن الرأسمالية، وهو صاحب مبدأ التكذيب والذي استخدمه بصرامة في نقد ماركس وفرويد، فقال في رده على من انتقد العالم الغربي ونظمه: الحقيقة إننا نعيش في عالم بديع جميل مجتمع حر مفتوح مدهش. ورفض بوبر وجود مظاهر سلبية في النظام الرأسمالي. بالرغم من أنه أقر بأن البطالة تمثل مشكلة حقيقية، لكنه قلل من خطورتها، وكأنه يقول ليس في الإمكان أحسن مما كان (كما قال فوكاياما). كما أنه قلل من أهمية تفشي المخدرات والكحول والتفاوت الاقتصادي وقال إن هنالك جهودا تبذل من أجل المحتاجين. ووصف القائلين بفكرة الغربة بالسخف، تلك الفكرة التي يعتبرها الكثيرون من حسنات فكر ماركس المبكر.
*إن ما أورده المعلق من شواهد على تحيز العلماء ليس المقصود منه اثبات عدم امكانية الموضوعية لكن التحذير من عدم قبول مواقف العلماء دون اختبار والوقوع في مزالقها*

ومما يسهل الحوار مع الدكتور حيدر حسب مقولة فقهاء الجدل في الإسلام، أن يعرف كل طرف مذهب ومرجعية الطرف الآخر. لم أقرأ كثيرا لدكتور حيدر حتى اعرف (مذهبه أو مرجعيته). وكان انطباعي أنه ماركسي، ولكن عندما وردت عبارة "مرض الطفولة اليسارية" في مقاله شككت في هذا الانطباع. وعندما قرأت تشبيهه النهضة السودانية بالنهضة الأوربية وتبنيه محمولات الحداثة، قلت لعل له ميولا ليبرالية وعندما تحدث عن لجان الأحياء قلت لعل الأثر الماركسي ما زال باقيا وذكرني ذلك بناقش دار بيني وبين زميل في الدراسة، وأثناء النقاش شعرت أنه غير مقتنع تماما بمقولات الماركسية فقال لي: يا زروق ( جلبطوها فينا وأبت ما تمرق ). في الحقيقة ظاهرة ( الجلبطة) هذه يصيب منها شيء كل من انتمى إلى ايديولوجيا أو فكرة .وأيضا الليبرالية ( خشم بيوت )، وقد تكون ليبرالية دكتور حيدر فكر حداثة معدل. معذرة لهذا الاستطراد، وعلى اية حال فإن الماركسية لم تعد لها هوية معلومة، فمفكر ماركسي كقراميشي قام بمراجعات جذرية في الماركسية. فلنحاول فهم النص الذي بين ايدينا. لاشك ستكون لدكتور حيدر أو لقراء آخرين ملاحظات على ملاحظاتي. فلندع الحوار ما أمكن أن يستمر.
ملاحظاتي في كلمات: أؤكد على ما قال دكتور حيدر أو أوضح ماقال أو أقيد ما قال أو أضيف إلى ما قال أو أشكك في ما قال أو أصحح ما قال أو أجعل حديثه أكثر توازنا وإنصافا أو أعبر عن وجهة نظر مخالفة.
فمثلا ما قاله الدكتور حيدر عن الشرور التي لازمت السودان، وكذلك عن محمولات القرن العشرين من انجازات فتعليقي عليه عبارة عن إضافات وتقييد. وتعليقي عن وصفه الحكومة الإسلامية بالدينية بمعنى أنها ثيوقراطية أو طائفية خاطئ ويحوي مغالطة. وحديثه عن الإنجاز الثقافي للنهضة والثورة في السودان فيه تضخيم وهكذا. وستضح تعليقاتي العامة هذه أكثر بعد تناول هذه الجزئيات في ملاحظاتي المختلفة.( بالرغم مما أعتبره من أهمية ومغذى لهذه المقدمة فإنها لا تؤثر في حجاج ما سأذكره من ملاحظات)
(4) الملاحظات:
ستكون ملاحظاتي على مقال الدكتور حيدر في المحاور التالية:
1-شعار الثورة: ديمقراطية مدنية.
2-الفساد الأكاديمي وتجفيف الجامعات الأيدولوجية.
3-الإنفاق والإختلاف بين النهضة الأروبية والنهضة في السودان. ومتطلبات النهضة (الثورة): ما أنجز وما ينتظر الانجاز. وتحويل الأرض إلى فردوس!!
4-الكيانات التي في الساحة السياسية السودانية:
القوى الحديثة
القوى الرجعية (أهل القبلة)
5-اقتلاع السلبيات لتي لازمت الوطن، ومحاكمة النظام البائد وجبر كل الاضرار التي تسبب فيها.
6-الشرور التي لازمت السودان
7-محمولات القرن العشرين من إنجازات

أبدأ ملاحظاتي بما اتفق فيه مع الدكتور حيدر، ثم بما أتوقع أن لا يكون هنالك خلاف كبيرا حوله، ثم نتدرج إلى ما اعتقد قد أن يكون هنالك خلاف حوله.
اتفق مع دكتور حيدر في أنه ينبغي محاكمة النظام البائد وجبر كل الاضرار التي تسبب فيها، واسترداد الأموال التي سلبت وايقاف الصرف البذخي وتحسين سبل المعيشة وغيرها من السلبيات.
سأتناول التعليق على المحور الخاص بالسلبيات التي لازمت الوطن، ومحمولات القرن العشرين من إنجازات في آخر التعليق. والآن أتناول محور: الفساد الأكاديمي، وتجفيف الجامعات الايدولوجية. قال دكتور حيدر:من أهم مظاهر الفساد والمطوب وقفها ما يسمى بالفساد الاكاديمي وهذا يبدأ بتجفيف الجامعات الايدولوحية غير الاكاديمية مثل جامعة أفريقيا والجامعة الإسلامية وجامعة القرآن الكريم وتحويلها إلى كليات ومهنية وتقنية ... ولابد من مراجعة الشهادات بالذات العلمية فوق الجامعية التي تمنحها هذه المؤسسات.
نعم الجامعات التي أشار إليها بالايدولوجية تحتاج إلى إصلاح ولكن ليس إلى تجفيف وإزالة، فوجودها ضروري ونافع كما سيتضح. وقال دكتور حيدر ينبغي تجفيف الجامعات الإسلامية وأن تحل محلها كليات تقنية ومهنية هذا الترتيب ليس بالضروري ما دام المجتمع يحتاج للمؤسستين معا لانهما يؤديان وظائف مختلفة وضرورية، بجانب ذلك أن كل الجامعات في السودان تحتاج إلى إصلاح وإصلاح كبير. فليس واضحا لماذا جعل الدكتور حيدر الفساد حصرا في الجامعات الإسلامية وجامعة أفريقيا العالمية. هل لأن هذه الجامعات ايدولوجية كما وصفها.واضح أنه أراد بالوصف صفة سلبية .الأمر يحتاج منا قبل أن نقيم وصفه هذا للجامعات الإسلامية وجامعة أفريقيا العالمية النظر في مفهوم الأيديولوجيا ومعناها. وهذا ما سنتناوله بشئ من التفصيل.
من ناحية أخرى، فإنه مما لا شك فيه أن الجامعات الأخرى بها فساد، ولكن من الضروري بقاءها ، إزالة ما علق بها من فساد، لأنها تؤدي خدمة للمجتع، فلماذا لا نعامل الجامعات الإسلامية والجامعة الأفريقة بالمثل لأنها هي أيضا تؤدي خدمات ضرورية ونافعة للمجتمع. هذا ما سنتناوله بعد نقاش مفهوم الايدولوجيا.

(8) الايدولوجيا:
إن لفظ " الايدولوجيا له معان متعددة: عندما أطلق هذا اللفظ أول ما أطلق كان يقصد به علم الأفكار وبحث تجريبي عن نشأة الأفكار، وتحرير التعليم من التحيز الميتافيزيقي، وأستخدم اللفظ بمعنى أن الأيدولوجيا عائق للتفكير العقلاني، وسبب لأخطاء في التفكير لا يشعر الفريسة بتأثيرها. وهذا قريب من رأي ماركس الذي يرى أن الأيدولوجيا تمثل مصالح الطبقة الحاكمة ويتبناها أفراد المجتمع الذين تتعارض مصالحهم مع مصالح الطبقة الحاكمة، وذلك في حالة وعي كاذب. ومؤخرا صار اللفظ يطلق على النظم السياسية المعاصرة كالليبرالية والاشتراكية وجماعة السلام الأخضر والاتجاه المحافظ والاتجاه النسوي والأصولية الإسلامية وغيرها. كما يستخدم اللفظ للدلالة على من لا يستجيب للحجة وغير واقعي. ويستخدم اللفظ أيضا لذم المعارض واعتبار قيمه وأفكاره غير صحيحة. ويرى هابرماس أن الأيدولوجيا صفة النظم السياسية التي تعوق الحوار المفتوح والنقاش الحر. وهنالك من يعتبر الأيدولوجيا نظرة للكون وتمثل الاطار المفاهيمي لهذه النظرة. وهنالك من يعتبرها مجموعة العقائد والقيم. وقد يستخدم اللفظ مقابل البرجماتي بمعنى أن الايدولوجيا لا تناسب الواقع ولا تحقق المصلحة والمنفعة، وقد يقصد بها عكس ذلك . و تعني عند البعض اعتقاد متعصب غير قابل للنقد ، وهلم جرا.
يرى المعلق ما دام اللفظ يستخدم كوصف محمل بقيم ويستخدم بمعنى محايد أو بقصد الذم. اذن من غير المفيد وصف اتجاه أنه ايدولوجي. وإذا استخدمناه بقصد الانتقاد كما فعل الدكتور حيدر ينبغي أن نوضح الجوانب السلبية في ما نريد نقده، وندلل على ذلك .
(9) ما هي مبررات وجود جامعات إسلامية ووجود جامعة أفريقيا العالمية؟ فيما يلي بعض المبررات:
دعنا نقول إن الجامعات الإسلامية تنتج (سلعة ضرورية للموطن المسلم العادي وليست سلعة كمالية).المواطن المسلم يود ان يعرف حرمة أو اباحة فعل معين . مثلا إذا لم يرزق أبناء هل يجوز أن يكون له طفل عن طريق التلقيح الإصطناعي، وإذا أراد الاستثمار قد يود أن يعرف المعاملات المباحة من غير المباحة. وقد يكون يريد أن يعرف حكم الشرع في حالات أسرية معينة : كالطلاق والنفقة والخطبة أو يريد أن يعرف الحكم الشرعي في الحالات التي قد تشكل عليه في الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها. وقد يود أن يعرف حدود التعامل الشرعي مع غير المسلمين، وفقه الحرب والسلم. وقد يريد أن يعرف موقف الدين من النظريات العلمية والفلسفية الحديثة،.... والقائمة طويلة . فهنالك مستجدات كثيرة في هذا العصر.والمستجدات تحتاج إلى بحوث علمية لمعرف أحكامها وما أحكامه معروفة يحتاج الى تعلم ودراسة. وانسب جهة لانتاج هذه (السلعة) الجامعات الإسلامية. هذه السلعة الطلب عليها متزايد. وما يدل على ذلك أن هنالك بنوكا غربية صارت تجعل بعض معاملاتها على الشروط الإسلامية. وتوفر كثير من الفضائيات برامج دينية وفتاوى. وهنالك فضائيات دينية.
إن كليات وأقسام الدراسات الإسلامية منتشرة في جميع بلدان ومدن العالم . مثلا في ادنبرا حيث نال كبار الأساتذة السودانيين درجة الدكتوراة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية. وفي السيربون وفي معهد الدراسات الاسيوية والافريقية وفي هارفرد وغيرها. فكيف تجفف في بلد مسلمين؟ إن تجفيفها وإزالتها شيء وإصلاحها شيء آخر.
إن الجامعات الإسلامية تفيد في التعامل مع المجتمعات ذات الثقافة الإسلامية والجاليات والأقليات المسلمة في أنحاء العالم. وسبب للتبادل الثقافي مع تلك التي لديها مؤسسات مشابهة. أما جامعة أفريقيا العالمية فإنها بجانب ما ذكرنا من وظائف تقدم خدمة جليلة لقطاعات من المسلمين في أفريقيا، خاصة للذين هم اقل حظا فتمنحهم درجات في العلوم والدراسات الاجتماعية والإنسانية.
عودة إلى مسألة أصلاح الجامعات. فحدث ولا حرج عن تدني مدخلات الجودة في الجامعات من كتب ودوريات ومعامل وممتحنيين خارجيين وبعثات خارجية وإجازات سبتية ومستوى الابحاث بجانب ما ذكره دكتور حيدر من تدني مستويات الشهادات فوق الجامعية.
(10) حديثي إلى الآن مجاراة لطريقة دكتور حيدر في تناول ما سبق من قضايا ويكاد أن يكون حديثه عن بلد وشعب لا تهمه الثقافة الإسلامية ولا يهمه تراثها وفكرها وأساليب حياتها. لكنه من المعلوم بالرغم من أن المجتمع السوداني بسبب الاستعمار والغزو الفكري والتخلف الذي أصاب المجتمعات المسلمة صارت هنالك رغبة للعودة للدين – كما هو الحال في جميع الدول الإسلامية. وهنالك قطاع كبير من السودانيين يودون أسلمة الحياة في مجتمعهم ويحاولوا أن يجمعوا بين الأصالة والمعاصرة ويحاولوا أن يطبقوا الإسلام في كل جوانب حياتهم تطبيقا سليما، ويعتبرون النظام الإسلامي أفضل النظم، ولا يؤثر في توجههم ولا في اعتقادهم هذا تجربة الانقاذ فهي للعبرة والإعتبار. فالإسلام باق فوق كل الجماعات والأفراد. فالإسلام مر بفترات صعبة وحرجة أكثر بكثير مما يمر به الآن. والقضية أمر دين. ودين الإسلام مرجعيته القرآن والسنة الثابتة. ولا شك أن عامة المسلمين تأثروا سلبا بتجربة الانقاذ. والمعادون للإسلام استفادوا من ذلك في حربهم عليه . والأمر يحتاج إلى توعية وإزالة ما حدث لكثير من المسلمين من وعي كاذب، وإزالة ذلك أمر ممكن. وفي رأي المعلق فإن تجربة الانقاذ أضرت بالإسلام وسمعته –كما تقدم- أكبر مما اضرت بالاقتصاد والحياة الاجتماعية في السودان وأضرت للأسف الشديد بدعاة النموذج الإسلامي في البلاد المسلمة.

شعار الثورة: ديمقراطية مدنية.
(11) ديمقراطية
إن شعار الديمقراطية كشعار يكاد يرفعه كل الناس. الكل يقول إنه يؤيد نظام الحكم الديمقرطي، وذلك داخل الدولة المعينة او في إقليمها أو في العالم أجمع. وبعض الدول تسمي نفسها ديمقراطية ولو كانت في حقيقة الأمر دكتاتورية وليست ديمقراطية. إن إشكالية الديمقراطية ليست في طرح الشعار إنه في الإيمان الحقيقي والإلتزام بها. إن ما سأقوله من ما تواجهه الديمقراطية من معوقات و من أسباب الفشل ليس الغرض منه تعزيز المشاعر ضد الديمقراطية وبالتالي مساندة النظم الإستبدادية، إن ذكر معوقات الديمقراطية الغرض منه تلافيها والتغلب عليها. إن أهم شيء لبقائها وإستمرارها، خلق ثقافة مؤمنة بها ومساندة وداعمة لها ومراقبة لتنفيذها، والتأكد من أنها منتجة ومحققة لاهدافها المرجوة منها. وخلق ثوابت عامة يلتقي حولها أفراد المجتمع وجماعته.
معوقات الديمقراطية : من اكبر معوقات الديمقراطية هي عدم إيمان والتزام الأطراف الفاعلة بها. والتخلي عنها متى ما سنحت الفرصة لذلك. فكثير من الناس لا يرضى في الحقيقة بحكم الأغلبية، فعندما سؤلت سياسية امريكية عن احتمال فوز جماعة إسلامية من خلال الإنتخابات في العراق قالت بصراحة نحن لم نرسل أبناءنا ليموتوا في العراق لكي تحكم الشريعة الإسلامية. وحادثة ووتر قيت الشهيرة ادت كاتب أمريكي أن يكتب كتابا بعنوان امكانية الديمقراطية VIABLE DEMOCRACY”" يقول فيه إن الالتزام بالديمقراطية يحتاج إلى تربية المواطن لاحترامها. لكن ينبغي الإشارة إلى أن وضع الديمقراطية داخل الدولة الغربية أفضل بكثير من حالها في دولنا العربية ولكن للأسف الشديد هنالك مظاهر تقهقر في الالتزام بها حيال المسلمين بعد ازدياد اعدادهم فيها. ومن المعوقات الكبرى لها فشل التجربة بأن تسوء أحوال البلاد الاقتصادية والمعيشية والأمنية للمواطنين في ظل حكم ديمقراطي. إن عامة الناس لا يؤيدون الديمقراطية من أجل أنها تسمح لهم بحرية التعبير أو المشاركة في الحكم والسلطة فهم عادة ليست لديهم الرغبة في المشاركة وانفاق الوقت فيها، فهم قد يكون لديهم اهتمام بالفنون والآداب أو الاستثمار أو بزيادة دخلهم أو بالوعظ والإرشاد أو العلم أو العمل الطوعي أو غيرها من الاهتمامات . أن مشاركتهم تكون كبيرة وقت الازمات. وفي الغالب عند التصويت ومعلوم ان نسبة المشاركة في التصويت قد تتدنى في الدول الديمقراطية الى حد عشرين في المائة لمن هم مستوى مرض من يحق لهم التصويت . إن اهتمام عامة الناس هو بما يوفر لهم حول تحسين مستوى المعيشة والخدمات الصحية والتعليمية بشكل مرض وعدم المساس بمعتقداتهم وان يسود الأمن بلادهم. فالأحوال السيئة والتي فيها لا تلبى هذه الاهتمامات عادة ما تعطي مبررا لانقلاب عسكري يجد تأييدا شعبيا له. وقد حدث ذلك في السودان بعد الحكم البرلماني الأول وحدث مرة أخرى بعد ثورة أكتوبر وحدث بعد الحكم الديمقراطي الذي جاء بعد إسقاط الحكم العسكري لنميري . ونأمل أن لا تحدث إنتكاسة للديمقراطية القادمة يإذن الله بعد ثورة ديسمبر و بعد ما مر السودان بهذه التجارب المتكررة التي ينبغي أن يكون قد أخذ منها الاعتبار. ومن المعوقات فساد النخبة وسعيها لتحقيق مصالحها الشخصية الضيقة ومن المعوقات التنازع والتناحر وانعدام التنافس الشريف، واستغلال النخب غير الرشيد للكيانات القبلية والطائفية والمذهبية والفكرية والتعصب الفكري والانتماءات الضيقة. أقول غير الرشيد للقبلية لان القبلية في اعتقادي كيان طبيعي وليس بالضرورة كيان ضارا ومعوقا إلا عند استغلاله وتوجيهه التوجيه الخاطئ غير الرشيد. ومن معوقات الديمقراطية دعم الدول والقوى الاقليمية والعالمية النظم الاستبدادية التي تحقق مصالحها وإعاقة قيام أنظمة ديمقراطية بالرغم من التشدق بأن تكون نظم الحكم نظما ديمقراطية وما تمارسه من نفاق بالمنادة بحقوق الإنسان.
(12)مدنية
قال دكتور حيدر: وكان شعار مدنية يعني رفض العسكرية والدينية ، اي الثيوقراطية والطائفية معا. إنه من المتفق عليه بينهم (متقدميين ورجعيين-هنالك إسلاميين شاركوا في الإحتجاجات) أن لا تكون الحكومة عسكرية، كما يتفقون أن لا تكون دينية مشابهة لنموذج الإنقاذ الذي اتسم بالفساد. من ناحية أخرى، فإن حصر دكتور حيدر معنى دينية في ثيوقراطية أو طائفية وبطريقة متضمنة في نموذج الإنقاذ غير صحيح.
الثيوقراطية هي الحكم الذي يدعي الحاكم فيه أن الله خوله أن يحكم باسمه وبطريقة مباشرة، وأنه في حكمه وقراراته ملهم من قبل الله سبحانه وتعالى كبابا الكنيسة الكاثولوكية ، ولقد عارض البروتستانت هذه العقيدة وكانت سببا من انشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية. أما الطائفية الدينية فمثالها الإمام (الحاكم) المعصوم والذي عصم الله سبحانه وتعالى أحكامه من الخطأ، وهو واجب الطاعة بإطلاق. هذا نموذج للطائفية يمكن تسميته بالنموذج القوي. وهنالك نماذج أضعف، منها نموذج يستمد مبرراته وشرعيته (بطريقة خاطئة) من عقيدة القضاء والقدر، فيبرر الحاكم انفراده بالحكم بأن الله خوله ليحكم لأن كل شيء وكل حدث يحدث يكون حدوثه وفق المشيئة الإلهية ، فكونه حاكم فذلك بإرادة ربانية، اذن فهو واجب الطاعة! و هنالك طائفية دينية كما هي عند بعض الصوفية توجب طاعة المريد الشيخ في كل الأمور وليس فقط في الجانب السياسي. لكن معظم مشايخ الصوفية يبتعدون عن النشاط السياس خاصة المباشر منه .هنالك طوائف دينية في السودان كطائفة الختمية وطائفة الأنصار وكلاهما نشط في العمل السياسي. لكن ليس كل الاتباع يطيعون الإمام أو السيد كطاعة الاتباع لإمامهم وشيخهم في النموذج القوي، وقد تحدث انشقاقات داخل الطائفة.
إن الحكم الذي تدعو له بعض الجماعات الإسلامية لا تنطبق عليه أي من أوصاف النماذج سالفة الذكر. فهو لا ثيوقراطى ولا طائفي ولكن مرجعيته دينية (القرآن الكريم والسنة الشريفة). صحيح قد يصبح بعض المنتمين إلية كاتباع الطوائف. ولكن هذا لا يلزم من ذات التجمع وهذه الصفة قد تلازم كل الجمعات سواء كانت ذات مرجعية دينية أو غير دينية. إنه من طبيعة غالبية البشر أنهم إذا انتموا إلى عقيدة فإنه يصعب عليهم التخلي عنها.
الجدير بالذكر أن بعض المسلمين قد لا يقبلوا حكما إسلاميا ولو قيل لهم إنه ليس شبيها بحكم الإنقاذ خشية أن يكون مماثلا له في ثوب جديد، أو نفوسهم (أو هواهم) لا يطاوعهم للامتثال له عمليا. أو لأن المعترضين على ذات الإسلام أثاروا الشبهات حول إمكانية تطبيقه أو اثاروا الشبه حول صلاحيته. هذه الحالات تستوجب من دعاة الإسلام التصدي لها وإزالة الفهم الخاطئ عند من يؤمنون بعقيدة الإسلام وردهم عن الوعي الكاذب للوعي الصادق للإسلام الذي يؤمنون به في داخل أنفسهم.
(13) النهضة
تحدث دكتور حيدر عن الاتفاق والاختلاف بين النهضة الأوربية والنهضة السودانية. وعن متطلبات النهضة (الثورة) في السودان وما أنجزت من متطلبات وما ينتظر أن تنجز. وتحويل الأرض إلى فردوس!!
ما حدث في السودان حسب تصور دكتور حيدر ليس فقط تغيير سياسي ولكنه نهضة حضارية، والدليل على ذلك ما أنجزته الثوره وما هي موعودة بإنجازه. وشبهها بالنهضة الأوربية مع الفارق الذي هو: أن الثورة الأوربية استدعت ماضيها وحاولت بعث الحضارات الإغريقية والرومانية بفهم جديد، ولكن الثورة السودانية مطالبة بالولوج (توا ومباشرة دون استدعاء أو استفادة من التراث- قد يكون سبب قول الدكتور حيدر هذا أنه يرى أنه لا فائدة من الرجوع إلى التراث السوداني الإسلامي أو غيره من تراثه في عملية النهضة ) في العصر الحديث. لم ير دكتور حيدر ضرورة ذلك وإكتفى بالاقتداء بتجربة النهضة والحداثة الغربية، *مخالفا في ذلك كبار مفكري العالم العربي أمثال: فهمي جدعان(نظرية في التراث) وطه عبد الرحمن( تجديد المنهج في تقويم التراث) والجابري(نحن والتراث) وحسن حنفي والمرزوقي وغيرهم* . *فقد أجمعوا أن تكون بداية النهضة دراسة والتعامل مع التراث. مع إنهم إختلفوا في تقييمه وطرق الاستفادة منه. قال الجابري: أي مسعى للنهضة والتجديد لا يمكن أن يتم إلا من خلال التعامل مع التراث.* *إن معظم النقاد يقبلون مقولة الجابري هذه إلا المتطرفين من العلمانيين والتابعين للفكر الغربي.* ولم يهتم دكتور حيدر بنقد فكر الحداثة ولا بالمراجعات التي قام بها مفكرون غربيون معاصرين. إن نموذج الحداثة رفضته بعض مدارس ما بعد الحداثة وبعض الفلاسفة أرادوا الحفاظ عليه كأمثال هابرماس لكن بعد أجراء تعديلات عليه . وهذا الاتجاه الأخير قد يتناسب مع من يتبنى مرجعية إسلامية.
(14) متطلبات النهضة: ما أنجزت وما ينتظر أن تنجز.
قال دكتور حيدر أنجزت الثورة ثلاثة أبعاد : بعد سياسي وبعد اجتماعي وبعد ثقافي،
البعد السياسي هو قيام سلطة مدنية ديمقراطية تتحقق من خلال الحكومة الانتقالية ثم الحكومة المنتخبة. باعتبار أن الحكومة الانتقالية تتكون من: المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي ، فأنه جزء من كيان السلطة وهو المجلس السيادي سيكون من العساكر. نعم الراجح أنه قد تتحقق ديمقراطية كما تحققت عدة مرات بعد حكم عسكري مر به السودان، ولكن المهم استمرارها. فينبغي أخذ الاحتياط حتى لا تنتكس كما انتكست أخواتها، ولقد تقدم الحديث عن ضمانات استمرار الديمقراطية.
قال الدكتور حيدر: " ويمثل البعد الاجتماعي في أنها ثورة القوى الحديثة (الشباب والمرأة) بينما عزلت القوى التقليدية الرجعية نفسها في تحالف الطائفية والأخوان المسلمين والادارة الأهلية وقوات ا لبشير المسلحة وجهاز الأمن. وقال: قد ينظر فيلسوف ويسميها (أهل القبلة) "
قال آدم أبو العسل فيما نسب لهذا الاسم في الواتساب : " المأساة تكمن في أن الثورة أفرزت قوى اجتماعية جديدة من الشباب إلا أنها فشلت في أن تجعل منهم قوة دفع اضافية في الحياة السياسية إلا تحت مظلة كهول السياسية السودانية واللافتات الأيدولوجية يمينا ويسارا التي اقعدت هذه البلاد طوال نصف قرن أو يزيد ". إن كلام آدم أبو العسل قد يكون صحيح . لكن قوى الحرية والتغيير حاولت أن تجعل من الشباب شريك ولكن كان ذلك بطريقة رقيقة.
(15) أهل القبلة.
وصف دكتور حيدر قوى الشباب بأنها القوى الحديثة وأهل القبلة بأنهم القوى الرجعية.
واضح أن استخدامه وصف حديثة يراد به المدح، ووصف رجعية يراد به الذم. لكن ليس كل حديث حسن، فقد يكون حسنا وقد يكون غير حسن . وأهل المنطق اللاصوري يصفون اعتبار كل حديث حسن مغالطة تسمى مغالطة " مغالطة ما هو جديد " . ولقد شاع في السودان تسمية ما يعرفوا بالقوى التقدمية والقوى الحديثة من الشيوعين بالمخربين لأنهم حسب الاعتقاد أزالوا بنيانا وصرحا حسنا وجميلا. فلنترك هذه الأوصاف العاطفية (رجعي، تقدمي، حديث، ماضوي، أيديولوجي) المحملة بأحكام مسبقة ايجابية أو سلبية كانت، ونثبت أن لجماعة ما صفات سلبية أو ايجابية. و قال الدكتور حيدر إن مكونات أهل القبلة المكونة من الكيانات سالفة الذكر ثورة مضادة لثورة الشباب، وهو أمر جائز ولكن تجمع أهل القبلة التقي قبل الثوره ، فاجتمع في هذا اللقاء من ينتمون لحزب الامة والحزب الاتحادي والسلفيين وأهل الطرق الصوفية والاسلاميين ورموز وشخصيات اجتماعية وغيرهم . وجائز أن يكون ذلك اللقاء لأغراض سياسية غير مقبولة. ولكن فكرة التجمع على أساس رابط وفكرة مفيدة وليست قاصرة على تجمع أهل دين معين لأن في التجمع قوة. ولا يحتاج المعلق أن يعطي أمثلة لتجمعات كثيرة. وليس بالضرورة أن يكون هدف تجمع ما اقصاء أحد ولكنه بطبيعته لا يناسب آخرين فتجمع الاطباء لا يكون في عضويته دبلوماسيين. وللأسف اللقاء الذي حدث قبل ثورة الشباب لم ينجح. من ناحية أخرى فإن كل التجمعات يمكن أن تستغلها جهة لأغرضها كالنقابات في نظام البشير أو جبهة الهيئات بعد ثورة أكتوبر. وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور حيدر اعتبر كل مكونات ما أسماهم بالقوى الرجعية ذات طبيعة سلبية في ذاتها. ولكن كيان القبيلة كيان طبيعي في البنية الاجتماعية، قد يعتبر امتدادا للأسرة الصغيرة والأسرة الممتدة. وإن كان ثمة مشكل فإن ذلك يحدث عندما تستغل جهة ما هذا الكيان استغلالا سيئا وقد قال بهذا برهان غليون. يقول سبحانه وتعالى " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ولا يدري المعلق ماذا يعني دكتور حيدر بقوات البشير المسلحة ولو قال مليشيات البشير لكان الأمر أوضح ، فالقوات المسلحة أبعدت البشير من الحكم. وقد يقول قائل الأمر مسرحية . ولكن ماذا عن الشراكة بين القوات المسلحة والحرية والتغيير والتي لا يود دكتور حيدر أن يزايد عليها أحدا.
قال دكتور حيدر: ويمثل البعد الثقافي الحضاري دور الإبداع والفن في الثورة: الشعارات والاغاني والرسوم. واضح وبشكل كبير أن البون شاسع بين ما انجزته الثورة من فنون وما أنجزته النهضة الأوربية والمقارنة بينهما في الحقيقة غير منصفة لأن الثورة في السودان لم يمر عليها إلا شهور. وإذا قارنا ما ذكره الدكتور من انجاز للثورة بانجاز النهضة الأوربية فلا مقارنة حقيقية بينهما. فمثلا في جانب الاغاني ليس هنالك من جديد يذكر فحشود البشير تنتهي بالعرضة والرقصات، وتمجيد البشير ونظامه. والفارق - إن كان ثمة فارق - بين الاغاني في احتجاجات الثوار وفي حشود البشير في المحتوى ففي الأخيرة تمجد الثورة وشعاراتها . والرسوم شبيهة بالرسوم في المعارض الطلابية. بالمقابل فما أنجزته النهضة في أروبا فمثاله (ما طوره الرسامون من تقنيات مثل دراسة الضوء والظل والتي اشتهر بها ليوناردو دايفنشي وأيضا علم التشريح البشري. هذا التغيير الذي طرأ على المنهج الفني جدد الرغبة في تصوير جمال الطبيعة. وتمثل أعمال مايكل أنجلو ودايفنشي هذا التغيير، والذي سيقتدي به العديد من الفنانين في المستقبل). إن مقارنه دكتور حيدر بين الثورة في السودان والنهضة الأوربية متسرعة وغير دقيقة وغير عادلة وأخشى أن ترسم صورة خاطئة في ذهن الشباب.
قال دكتور حيدر: ينبغي اقتلاع كل السلبيات والشرور التي لازمت السودان منذ الاستقلال. وعدد منها: روح الأنانية، و النرجسية، والميول الاستهلاكية، والتفاخرية، والتوجهات العنصرية والجهوية والقبلية. ما سأورد من تعليقات موجزة يمكن اعتبارها كحاشية لحديث الدكتور حيدر.
إن الميول الاستهلاكية أثرها محدود في شعب نصف سكانه يعيشون تحت خط الفقر وكثير منهم لا تتوفر له وجبات الغذاء اليومية. صحيح أن قطاعا قليل العدد يميل للتفاخر والإستهلاك. وأن تقييد الإستهلاك وعدم التفاخر في كل الأحوال شيء حميد. ولكن الميول الاستهلاكية التي تمثل مشكلة كبيرة في عالمنا، خاصة في الدول العربية الغنية هي أنها تستورد وتستهلك ولا تنتج. أما وصفه العنصرية والجهوية والقبلية بالشرور ففيه نظر. فالقبيلة – كما تقدم - كيان اجتماعي طبيعي وهو امتداد للأسرة الصغيرة والأسرة الممتدة. يقول الله سبحانه وتعالى: " وجعاناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". وإن كان ثمة مشكلة تتصل بالقبيلة – كما قال برهان غليون- فإن ذلك من التوظيف الخاطئ وغير الرشيد من جهات معينة للقبيلة. وإن الشعور بالجهوية والعنصرية قد يكون ناتجا من تهميش. ولكن الشعور بالعنصرية والانتماء لجهة داخل الوطن في الغالب ليس بالأمر الحميد وينبغي اقتلاع أسبابه.
أود في هذا الموضع أن أميز بين الشرور التي تتصل بالمواطن وتلك التي تتصل بالنظام السياسي والسياسيين، وأضيف إلى الشرور التي أوردها الدكتور حيدر شرورا أخرى أرها مهمة ، منها: أن المواطن السوداني عموما لا يهتم بالشأن العام اهتمامه بشأنه الخاص، فتجد كثيرا من السودانيين بيوتهم في الداخل في غاية النظافة والجمال ولكنك تجد خارج منازلهم أو بالقرب منها تلالا من الأوساخ. وتجده يهتم مثلا بما ييسر الموصلات الخاصة له وليس ما ييسرها لكل أفراد المجتمع . وترى المسؤول السياسي لا يهتم بأوضاع المعاشين وكبار السن، ولكنه يكتسب الأموال بكل وسيلة لكي يؤمن حياته هو شخصيا. وفي المقابل السياسي في البلاد الغربية الذي لا سبيل له لمثل ذلك الكسب يؤمن حياة كل فرد في المستقبل وبذلك يؤمن حياته. هنالك ممارسات لدى موظفي الدولة والعمال تتصل بإهدار وقت العمل، فمثلا تجد الموظفين والعمال يتركون مكاتبهم واعمالهم ليقوموا بعزاء زميل لهم، وكان يمكن أن يقوموا بذلك العزاء في غير أوقات العمل. كما أن الالتزام بوقت دوام العمل خاصة لكبار الموظفين ضعيف ، وقد يقضي الموظف وقته في ما هو غير متصل بعمله. ومن الشرور الكبيرة الأمية والجهل والتبعية للمشايخ والرؤساء والقادة. ومن الشرور التناحر والشجار المذهبي والايديولوجي. ومن أكبر الشرور هو عدم الصدق عموما و في التعامل التجاري ومن جانب أهل الحرف والصنائع كالسباكين والنجارين وفنيي السيارات ة) وتدني كفاءتهم فيما يقومون به من عمل وجمعهم بين معرفة مثلا السباكة والنجارة والحدادة وأعمال الكهرباء غيرها بسبب كسب العيش . والتحيز الحزبي والأيديولوجي في المؤسسات العلمية والخدمة المدنية والمحسوبية والرشوة. وتجد الواحد منا ينتقد ممارسة المحسوبية وهو عند الاختبار يمارسها.
ومن شرور الممارسة السياسية:
عدم وجود رؤية متكاملة لإدارة الحكم، وفساد النخبة السياسية، والمحسوبية والمصلحة الحزبية الضيقة، والانقلابات العسكرية. واللجوء للقوة الخارجية للتقوي بها بسبب الطمع في السلطة وضد مصلحة البلاد أو بسبب ما يحس به من ظلم كبير وقع عليه . والاستغلال غير الرشيد للقبيلة والطائفة من أجل كرسي الحكم. التناحر والتشاكس حول السلطة والمناصب.
المطلوب انجازه حتى تتحقق النهضة (محمولات العصر الحديث). أعطى الدكتور حيدر المكونات التالية:
التقنية والعلوم والعقلانية والرفاهية والإنتاج ،العدالة والسيادة ،وتحويل الأرض إلى فردوس!! وعبارة تحويل الأرض إلى فردوس في اعتقاد المعلق ذات صفة إنشائية أو أدبية. وما كنت أود أعلق عليها، لولا أنه تكرر ذكرها في الوسائط الاجتماعية فنسبت مرة إلى محمد أحمد محجوب رئيس وزراء ووزير خارجية سابق ومرة أخرى إلى نقد سكرتير لحزب الشيوعي السابق.
هذه المحمولات ضرورية، ولكن من المهم ذكر شروط تحققها، والتنبيه إلى أن بعضها يحتاج إلى تحديد معناه كالعقلانية.
أبدأ التعليق على هذه المكونات دون الترتيب الذي وردت فيه. فتحقق السلطة الشعبية يتم بتحقق الديمقراطية، وتحقق الديمقراطية يعتمد على إزالة عوائقها – كما تقدم- وأنه لا بديل للديمقراطية كنظام للحكم. والسيادة على الذات لا تتم إلا بالاكتفاء الاقتصادي الذاتي، وينبغي امتلاك القوة العسكرية التي تمكن من الدفاع عن الذات والمقدرات والقيم ، بالإضافة إلى القوة الإعلامية والفكرية. ومن أهم شروط الانتاج: الاستقرار السياسي محاربة الفساد والعدالة والتحفيز والتخطيط والاهتمام بالبحث العلمي.
أما العقلانية في سياق حديث دكتور حيدر فهي مماثلة لمفهومها في فكر الحداثة. وهذا المفهوم استقر وصفه بأنه أداتي وتم نقده خاصة من قبل فلاسفة ما بعد الحداثة وحاول بعضهم الحفاظ عليه كهابرماس بعد إجراء تعديلات عليه. والمعلق يرى مراجعته من منظور إسلامي ( وهو الجمع بين العقل والوحي). والعلم والتقنية ينبغي أن تكون ملازمة لمنظومة قيم. ومفهم العدالة مفهوم رقيق يحتاج إلى تكثيف معناه.
أما قوله : تحويل الأرض إلى فردوس، ينبغي أن يقيد بحيث لا يكون تعبيرا عن فكرة غير حقيقية ويعطي انطباعا خاطئا وقد يقود إلى نوع من الإحباط. بالرغم من أن الحياة على هذه الأرض يمكن السيطرة عليها ولكن لهذه السيطرة حدود. وينبغي التذكير بجانب وجود أحوال جنان وراحة وسرور، ينبغي التذكير أيضا أن بها أحوال ابتلاء وألم ومعاناة . صحيح أن في هذه الدنيا نعم كثيرة " وإن تعدوا نعمة الله لن تحصوها ". إن فيها أشربة وأطعمة ومأكولات شهية وحلوة ،وملابس وحدائق جميلة وروائح عطرة، ومركبات فارهة ومنازل وقصور فخمة. وفي الدنيا قدوم مولود وشفاء مريض، ولحظة براءة ولحظة انتصار ولحظة تكريم ولحظة إكتشاف وإبتكار، وإعتراف بفضل، وتذوق جمال ومتعة روحية. وفيها شعور بالمحبة وشعور بحلاوة الإيمان، إلا أنه من المشاهد أيضا أن في هذه الدنيا ظلم وعدوان، وفقدان حبيب وعزيز، ونكران للجميل، وخيانة، وسوء ظن، وحسد وطمع وإشانة سمعة وانتهاك أعراض وقتل وتشريد للأطفال والنساء وكبار السن وتشريد وتعذيب واحتلال أوطان وزلازل واعاصير وحوادث طائرات. وعندما يكتف الإنسان من الأشياء المادية، ويتاح له قدر كبير من الحرية، فقد يشعر، كما هو الحال في الغرب بالسأم والملل والضجر والاكتئاب. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يتمنون أن تصير الأرض في يوم من الأيام جنة ، فماركس مثلا تحدث عن الشيوعية التي ستأتي بعد الإشتراكية والتي ستتلاشى فيها الدولة والسلطة لزوال أسباب النزاع بين الناس ويعيش الناس في وئام وسلام(وسعادة). وكان فوكاياما أكثر واقعية ، بالرغم من أنه قال بنهاية التاريخ . لأن التطور قد أوصلنا إلى الديمقراطية ونظام الاقتصاد الحر، ولكن اعترف أن هذه النهاية لا تعني أن المجتمعات الغربية حققت حالة من السعادة. يعتقد المعلق أن مشكلة ماركس وفوكاياما أنهما اختزلا الحياة في الجانب السياسي والاقتصادي. فبالرغم أن الإنسان في العالم المعاصر قد حقق نجاحات كبيرة سهلت جوانب من الحياة وساهمت في التمتع بها. فاستطاع العلم مثلا أن يعالج كثيرا من الأمراض، واستطاع أن يزيد من كمية المحاصيل باستخدام المكننة وتحسين البذور، وأحرز نجاحات كبيرة في مجال المواصلات والإتصالات.
لكن في المقابل ما زالت هنالك مشكلات عديدة تشكو منها المجتمعات، كمشكلة العنصرية والخلافات المذهبية والثقافية والإثنية والدينية والقومية ،والجريمة وتناول المخدرات والأسرة وكبار السن والفقر والبطالة والعنف والبراميل المتفجرة القنابل العنقودية والأسلحة الكيماوية وهدم المنازل والمستشفيات والمدارس ودور العبادة وقتل الأطفال والعجزة والانتحار والتعذيب والتشرد والنزوح القسري والكراهية والقلق والاكتنات. وكون الأنسان سعيد أو غير سعيد يعتمد على الظروف المواتية وغير المواتية التي يجد الإنسان فيها نفسه وسعيه وعمله وقضاء الله وقدره . والناس يتفاوتون في قدر ما يتعرضون له من ابتلاء. والكل معرض للمصاعب والآلام " تألمون كما يألمون وترجون من الله ما لا يرجون " ووجود الشر في العالم اقتضته الإرادة الإلهية لحكمة، قد نعلمها وقد لا نعلمها. فلولا وجود الشر لما تحققت قيما أخلاقية معينة كالصبر والرحمة والمساعدة والتضحية والإنفاق. ذكر رسل وهو من كبار الفلاسفة وملحد أنهم كافحوا وناضلوا لتحسين أحوال الطلاب، ونجحوا في أن يوفروا لهم حياة سهلة تتسم بالرفاهية، ولكنهم حرموهم قيمة تجربة الصبر والكفاح. وهنالك أسباب كثيرة تبين الحكمة من وراء وجود الشر، مثلا فإن الألم منبه للخطر الوارد للإنسان وجسمه. قال العالم برندا أنا أنظر إلى الألم كواحد من أعظم الميزات الرائعة لتصميم الجسم البشري. وقال: "إذا أمكنني أن أختار هدية لمرضى الجذام عندي فستكون الألم". وقال: "أحمد الله لأنه اخترع الألم ولا اعتقد أنه فعل شيئا أفضل من ذلك". فلوجود الشر حكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها. أورد سامي العامري كلاما لابن القيم قال فيه الأخير: إن الفاعل إذا فعل أفعالا ظهرت فيها حكمته ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة ثم إذا رأوا أفعاله تكررت كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه ، لم يسعهم غير التسليم لما عرفوه من حكمته واستقر في عقولهم منها، وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه. هكذا يجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم . فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم (وخالق عقولهم)
(15) وسائل تحقيق أهداف الثورة.
لم يتضح لي نهاية حديثه من بداية الفقرة التي تقول: " من ناحية أخرى لابد من وقف المزايدات على قوة الحرية والتغيير " إلى نهاية مقاله. واجتهدت في تحري المقصود فإذا لم يكن ما سأناقشه قصد الدكتور حيدر فلنفترض أنها مقولات قد يكون من المفيد نقاشها.
هذه الفقرات تحوي معاني أود أن أشيد بها، منها قوله:" علينا مساندة الشباب ومناصحتهم" . وليس فقط مساندتهم، لأن مناصحتهم الرشيدة فيها نفع لهم وللوطن. لقد شاع القول: في الآونة الـأخيرة أن الكبار لا فائدة منهم وهم سبب الأضرار السياسية ، فينبغي للشباب أن يأخذوا أمورهم بأيديهم. إن الشباب قد يكونوا أكثر تجاوبا للأوضاع المستجدة وأنهم أكثر استعدادا للتضحية من الكبار لقلة التزاماتهم. وأن الكبار يميلون للحذر الشديد. لكن كل هذا لا يسمح باستنتاج كاسح بأن الخبرات السابقة، لا دور لها في الرشد. من ناحية أخرى لحماس الشباب ومثاليتهم، ينبغي أن يناصحوا فإنه في بعض الأحوال أن ما يهدفون إليه قد يكون غير واقعي. طبعا للشباب الحق في قبول النصح أو عدم قبوله لأنه من جنس الاستشارة. وتحدث دكتور حيدر عن المزايدين حديثا فهمت منه انهم يريدونها سلمية والحرية والتغيير تريدها سلمية فلم يتضح المشكل، و تحدث عن ثورة محمية بالسلاح . السؤال ما طبيعة هذه الثورة المحمية بالسلاح ومن أين تأتي الحماية؟ هل من القوات المسلحة؟ أم من الحركات المسلحة أم من كيان عسكري جزء من افراد الثورة عبارة عن جناح عسكري بجانب الجناح السياسي، وفي الحالات الثلاث فإن العسكري قد يعتبر شريك في الثورة وله حق المشاركة في توجيهها. ما هو واقع في السودان أن القوى الفاعلة هي القوات المسلحة أو المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. والمجلس العسكري يقول انه حامي الثورة. من ناحية أخرى فقد تحدث الدكتور حيدر عن اللجان الشعبية . قد يتساءل الشخص ما هي وظيفة هذه اللجان الشعبية في حالة قيام حكومة انتقالية متفق عليها، وفي حال قيام حكومة منتخبة عن طريق الشعب؟ وهل اللجان الشعبية شبيهة باللجان الشعبية في النظام المباد، ففي النظام المباد فهي تابعة لحكومته ، وهل يريدها شبيهة للجان الشعبية في نظام القذافي؟ وهل اللجان التي يقترحها دكتور حيدر تابعة للحكومة الانتقالية ومن ثم للحكومة المنتخبة ام لكيان آخر وما هو هذا الكيان. وعلى اية حال لا ينبغي أن يكون عملها غير متسق مع الحكومة الشرعية وأن لا يتعارض نشاطها مع الدستور. ويقول دكتور حيدر الثورة ينبغي أن تكون مستمرة، إلى متى؟ هل إلى أن يتحقق شعارها؟ أم بعد ما تحقق، وما هو طبيعة عملها إذا كان نشاطها سيستمر بعد تحقق شعار الثورة- كما تقدم.
(لقد أطلت الحديث في هذه المسألة لأنه لم يتضح لي معنى ما ذكره دكتور حيدر بشأنها- فمعذرة ).
قال آدم أبو عسل: " التفكير الراديكالي لإحلال لجان المقاومة في الأحياء مكان اللجان الشعبية للنهوض بمهام سياسية وتنفيذية لحماية الثورة يمثل ردة على أسس التحول الديمقراطي، إذ سرعان ما تتحول إلى مليشيات غير مسلحة تستخدم قوة الجبر والاكراه"

عبد الله حسن زروق