كم هو معيب أن تظهر بعض الأقلام والأصوات في الوقت الذي قطعت فيه الثورة الشعبية مسافات كبيرة نحو التخلص من حالة الفشل والإعاقة التي لازمت تكوين الدولة السودانية الحديثة، بسبب فشل القوى التقليدية التي تولت زمام الحكم دون رؤية سياسية واضحة ومنهج علمي يخاطب قضايا البلاد الأساسية في توطين الديمقراطية وإشاعة الحريات العامة وتحقيق العدالة والمساواة بين كل مكونات البلاد السياسية والاجتماعية والثقافية، الامر الذي دفع السياسيين في تلك المرحلة لتسليم السلطة في طبق من ذهب للعسكريين في ١٩٥٨، مما فتح شهية العسكر لاحقاً للقيام بانقلابات عسكرية أجهضت الديمقراطيات المستعادة، حدث ذلك في إنقلاب ١٩٦٩، وفي ١٩٨٩، في كل هذه المرات ظل الشعب السوداني يناضل من أجل إستعادة الديمقراطية.

فعلها في إكتوبر ١٩٦٤، وفي ١٩٨٥، وفي ٢٠١٩، قدم تضحيات في كل ثوراته، لكن في ثورتنا الحالية التضحيات أكبر وقد أفلحت في إسقاط الطاغية عمر البشير، إلا إنها لم تحقق كامل أهدفها في إقامة الحكومة المدنية التي تتصدى لركام الفشل والخراب والدمار الذي خلفته تجربة الإنقاذ ، بسبب التدخل الإقليمي والدولي الذي سعى لحرف مسار الثورة لصالح أجندته الخاصة، التي تتقاطع كلياً مع مصالح بلادنا، مستفيداً من الخونة وضعاف النفوس ممثلين في المجلس العسكري الإنتقالي، الذي إلتزم حتى الآن مواقف غير مبالية، بل معيبة سياسيا ووطنياً وأخلاقياً بتفريطه في أمن وسيادة البلاد لصالح مشروع المؤامرة . . !
وقد ساعده في ذلك بقايا النظام وكل أعداء الحرية والديمقراطية أنصار الطغيان والشمولية الذين دافعوا بإستمامة عن الواقع المثقل بالقهر والإستبداد والظلم والفساد والإقصاء وغياب التوزيع العادل للسلطة والثروة وتقديم الغطاء السياسي لكل هذه المظالم في الوقت الذي يئن فيه الوطن من الخيانة والشعب يتعرض للبطش والقتل من قبل المجلس العسكري الإنتقالي ومن خلفه أجهزة النظام السابق ممثلة في جهاز الأمن والدعم السريع، وكتائب الظل كل هذه الأذرع إرتكبت المجزرة المروعة بحق الثوار والثائرات وقد أودت بأرواح المئات من الشهداء، بجانب الجرحى والمصابين.
وعي المؤامرة ضد الوطن والشعب والثورة في حد ذاته ليس كافياً لابد من موقف وطني موحد يعبر عن وعي الشعب وأرادته يقول: للمتآمرين أن الشعب السوداني، بكل مكوناته السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية وقبائله وطوائفه في العاصمة الخرطوم والأقاليم في كل مدنه وقراه قد وعى الدرس، لذلك هو مصمم على رفض المؤامرة وإبطالها وإفشالها بسلاح الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل، الذي أعلنه تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير، رداً على المؤامرة الشريرة وعملائها الصغار في بلادنا الذين تكفلوا بتمريرها على حساب أمن الوطن وحياة الشعب ومصادرة آماله وتطلعاته في أن يحيا في رحاب دولة مدنية ديمقراطية، والمشي فوق أشلاء ودماء الجرحى والمصابين والآم وجراحات الأهل والأسر التي إتسعت خارطتها في أعقاب الجريمة النكراء، التي يتحمل المجلس العسكري الإنتقالي مسؤوليتها كاملة، بسبب سلوكه وسياساته وتوجهاته التي أظهرت إنه ليس شريكاً في الثورة بل خصماً عليها وعلى أهدافها .
التحدي الذي يخوضه شعبنا على إمتداد أرض الوطن هذه الأيام بثبات وإقتدار منقطع النظير.
يشكل فرصة وطنية للذين تخلفوا عن قطار الثورة في بدايتها حتى يلتحقوا به لكي نقطع الطريق على المؤامرة ونحرر بلادنا من القهر والإستبداد، وتتعافى من أمراض الماضي التي أقعدتها طويلاً، وهو أن يبدع كل فرد في مجاله للدفاع عن حريته وكرامته، أن يبدع كل إنسان في هذا الوطن الجريح حيثما كان لكي يفتح طريقاً جديداً للحياة، طريقاً خالياً من القهر والظلم والحروب والمظالم .
لنكتب ونرسم ونشكل معاً ملامح السودان الجديد، سودان الوحدة الوطنية والديمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية، سودان الدولة المدنية، دولة القانون والمؤسسات.
لذلك نقول : كل من يقف في صف الشمولية هو بالضرورة يخون الثورة وفوق هذا وذاك يخون نفسه. . ويخون حاضره ومستقبله.
إن أردتم التيقن مما أقول: فقط أنظروا للعالم المتقدم من حولنا، في أميركا وأوروبا وكندا واليابان وأستراليا وماليزيا .
هل تحكمه الشموليات . . ؟ ؟ ؟
الطيب الزين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////