تمثل ثورة ديسمبر – ابريل، علامة فارقة في مسار الحركة السياسية السودانية هي الأبرز منذ الاستقلال. فهي اول حركة احتجاجية في تاريخ السودان ما بعد الاستقلال تستمر لما يقارب الأربعة أشهر ثم تتمكن من الاطاحة بنظام يعد من أشرس النظم والديكتاتوريات العقائدية في المنطقة. ليس ذلك فحسب بل أن استمرارها بإصرار شديد عبر اعتصام الجموع أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة حتى اليوم مطالبة بإكمال تحقيق أهدافها التي دفع ثمنها ما يقارب المائة شهيد سقطوا برصاص كتائب أمن نظام الانقاذ، هو درس آخر في الوعي يقدمه السودانيون ويبهرون به العالم. لقد استطاع الثوار من خلال وقفتهم الصلبة بعد خلع رأس نظام الانقاذ أن يستردوا الثقة في قوة ومضاء الفعل الشعبي وهذا الأمر بحد ذاته هو من اكبر انجازات هذه الثورة التي يبدو أنها ستغير وجه السودان إلى الأبد، وستضعه في أعتاب مرحلة جديدة. أن هذه الارادة لن ترضى بأقل من تحقيق أهدافها الكبرى في الوصول إلى نظام ديمقراطي حقيقي يحترم التنوع السوداني بكل أطيافه ويؤسس لدولة الديمقراطية والسلام والعدالة، شعار الثورة الأبرز.

وبرغم أن الثورة وضعت السودان على أفق جديد لاستشراف المستقبل، إلا أنها مواجهة بجملة من التحديات التي تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية في التعامل معها. فما هي أهم هذه التحديات وكيف يمكن تحويلها إلى انتصارات بما يصب في مصلحة الأهداف العليا للثورة؟

أولاً: المحافظة على السلمية كخيار استراتيجي
لقد أثبتت السلمية قوتها كسلاح لا يقاوم ولا ينكسر. ولا يجادل اثنان في أن هذا السلاح قد جرّد نظام الانقاذ وزبانيته من أي مشروعية وأي مسوغ اخلاقي لإجهاض الثورة التي انطلقت عبر مدن السودان. ليس هذا فحسب، بل أن استراتيجية مفهوم السلمية تتجاوز ذلك إلى كونها ترسخ قيمة جديدة من قيم احترام الاختلاف والمقدرة على تحمله والدفاع عنه حيث ثبت للجميع أن الوسائل السلمية يمكن أن تحقق اكبر الغايات. والواقع أن ترسيخ هذه القيمة لا تقتصر أهميتها على الفعل السياسي، وإنما تنتقل معه إلى السلوك الاجتماعي في تكويناتنا الاجتماعية المختلفة ابتداء من الأسرة وانتهاء بالكيانات السياسية والثقافية. وحيث أن السلمية بحد ذاتها قيمة متمدنة وحضارية، فإن التمسك بها بشكل استراتيجي من شأنه أن يحقق أحد أهداف الثورة وهو الهدف الذي ما توقفت الحناجر عن ترديده على مدار الشهور، حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب. والانتصار للسلمية هو تحقيق لعنصر جوهري في شعار محوري. لذا يجب فإن أبرز تحدي أمام قوى الثورة هو ألا تحيد ثورتهم عن هذا المكتسب الذي جلب لها تعاطف العالم وتضامنه ودعمه، بغض النظر عن تبدل مواقع القوة والسلطة والمبادرة.

ثانياً: الاستفادة من تجارب الشعوب والارث الانساني
ربما يكون من حسن حظنا كشعب أن ثورة ديسمبر - ابريل اندلعت بعد ما يقارب العقد من الزمان من قيام انتفاضات ما عرف بالربيع العربي في عدد من البلاد العربية المجاورة مما يمنح الفرصة لنا كسودانيين لتأمل المآلات التي انتهت إليها تلك الانتفاضات الشعبية من تونس إلى مصر، مروراً بسوريا وليبيا وانتهاء باليمن. ان اللحظة التاريخية الراهنة في السودان تقتضينا أن ندرس كل تجربة من هذه التجارب على حدة للتبصر في مآلاتها ودور الابعاد الثقافية والاجتماعية والتاريخية والدولية في تشكيل سيرورتها أو نهاياتها. إن مثل هذه الدراسة ستعزز وعينا بموقعنا وسط كل هذا الزخم وبحجم التحديات التي تواجهنا ومدى استعدادنا لها. علينا أن ندرك مدى أهمية امتلاك الوعي بكل هذه الأبعاد في ادارة صراع انتقال السلطة وتحقيق اهداف الثورة في بلادنا. إن المتأمل للتطور السياسي والاجتماعي في تلك التجارب يجد أن الثيمة الأساسية التي تحكمت في مسار الأحداث وفي مصائر هذه الشعوب، هي صراعات القوى الليبرالية واليسارية والقومية مع تيارات الاسلاميين من أخوان مسلمين إلى سلفيين جهاديين إلى غيرها من تيارات الاسلام السياسي. وهذه الصراعات على اختلاف البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلدان الربيع العربي، ظلت هي المتحكمة في مصائر هذه البلاد طيلة العشر سنوات الماضية أي سنوات ما بعد الربيع العربي وكانت العنصر الأساسي الذي عمق ازمات تلك البلاد. ان المتأمل للأحوال في مصر، ليبيا، سوريا، تونس، وحتى اليمن التي يبدو الحوثيين في مشهد نزاعها، لا يملك أن يشيح عن أبعاد الاستقطاب السياسي وموقع صراع الاسلام السياسي مع القوى الليبرالية والتقليدية فيه.

ان ادراك هذه الحالة ينبغي أن يدفع بنا إلى التأني في مقاربة واقع الصراع السياسي/الاجتماعي في بلادنا بعيداً عن المسلمات التاريخية والأفخاخ التي قادت النخب السياسية للوقوع في يد المؤسسة العسكرية. فباختلاف التجارب مابين اليسار واليمين والوسط، وعلى اختلاف البنى الاجتماعية والسياسية في البلاد العالمثالثية، ثبت تاريخياً أن المؤسسة العسكرية ظلت هي الممسكة لأوراق اللعبة مستفيدة من تباينات النخب وتمترسها حول أيديولوجياتها وظلت هي العقبة الكأداء أمام مسار التطور والنماء في هذه البلاد، بل جعلتها بشكل مستمر في إسار القوى الاستعمارية وأجندات الافقار المستمرة. كما ثبت تاريخياً أنه مهما كانت بدايات تسلم هذه المؤسسة للحكم، عبر تحالفاتها السياسية، بدايات مزهرة وثورية ومتخمة بوعود المستقبل المشرق، إلا أنها مالبثت أن وقعت في براثن الفساد المؤسسي والعقم الاداري والاستبداد والترهل متوسلة أدوات القمع داخليا والمصانعة والخنوع خارجياً ضاربة بعرض الحائط مصالح بلادها وشعوبها. هذه هي شواهد التاريخ خلال الخمس عقود الماضية من امريكا اللاتينية وحتى افريقيا. لذا فإن كان من درس مستفاد من هذه التجارب التي امتدت على مدار نصف القرن أو يزيد هو عمر الدولة الوطنية في معظم دول العالم الثالث، فهو ضرورة أن تجتهد القوى السياسية مهما كان التباين بينها للوصول إلى بناء ائتلافات مدنية تشكل صمام أمان لاستمرار الحكم المدني الديمقراطي. إن هذا الأمر تبرر أهميته حقيقة أن كافة القوى السياسية من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها وعلى اختلاف أجندتها قد اكتوت بما يكفي من نير الأنظمة العسكرية. بالاضافة لذلك شهدت هذه القوى بأم عينها كيف أن الشقة تتسع بينها وبين النخب العسكرية يوماً بعد يوم بعد تولي هذه الأخيرة السلطة والانفراد بها. هذا الدرس وعته القوى السياسية في أوروبا والغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وربما كانت الحرب نفسها هي الثمن الباهظ الذي دفعته تلك الشعوب لتسديد فواتير طموحات قادتها العسكريين ونزواتهم. لذا كانت تلك الحرب نقطة تحول تاريخية لم يعد بعدها وارداً أن تحكم المؤسسات العسكرية تلك البلاد.

ثالثا: تجاوز عقبة الايديولوجيا و الموجدة التاريخية إلى بناء الائتلاف المدني
إن أهمية الحديث في الحالة السودانية الراهنة عن ضرورة الإئتلاف المدني الواسع لوضع حد لطموح المؤسسة العسكرية في قيادة مغامرة أخرى لحكم البلاد تكمن في أهمية اللحظة التاريخية التي نعيشها. ومعنى ذلك أن ما يُطرح في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا، من تصور بهذا المعنى، قد لا يصلح طرحه في وقت آخر نظراً للإيقاع السريع الذي تتسارع به الأحداث وتعمل به كل القوى المعنية بالشأن السوداني، سواء داخلياً وخارجياً. إن هذه المرحلة التي يتم فيها اعادة الاصطفاف وإعادة هيكلة التحالفات السياسية المرحلية أو الاستراتيجية داخلياً وخارجياً، هي المرحلة التي يصلح فيها الحديث عن هذا الائتلاف المدني الواسع. وفكرة الإئتلاف المدني الواسع هي فكرة أقتبسها مع بعض التصرف من مفهوم الكتلة التاريخية، ذلك المفهوم الذي طوره المفكر الايطالي النهضوي انطونيو قرامشي كي يجسر الهوة الشاسعة بين القوى السياسية الوطنية في إيطاليا لمواجهة الفاشية الاستعمارية التي كانت ممثلة في تحالف ديكاتورية الفاشيين الايطاليين والنازيين الألمان. فإيطاليا كانت تعاني إلى جانب هذه القبضة الساحقة، من إشكالات اجتماعية وخصومات تاريخية كان مبعثها التفاوت الاجتماعي والطبقي بين شمالها وجنوبها مما جعل الحوار بين الشقين أقرب إلى المستحيل. فالشمال كان يقوم على بنى مدنية حديثة ومتطورة وصناعية، وكان الجنوب بعيداً عن كل هذا يرزح تحت سيطرة التخلف والتسلط الثيوقراطي. وحيث أن علاقات الانتاج هي البنى التحتية التي تفرز علاقات المجتمع، البنى الفوقية، وتصنفها، فقد نشأت البنى الاجتماعية في كل من الشمال والجنوب على طرفي نقيض، إلا أن ما كان يمكن أن يوحد هذه البنى هو تماثل الأهداف المشتركة العليا لكليهما وهي محاربة الفاشية والنازية وبناء الدولة الوطنية. لذا كانت التربة ممهدة لبناء ما أسماه قرامشي بالكتلة التاريخية التي ضمت ضمن تحالفها نسيجاً متنوعاً من التيارات والقوى السياسية ما بين اليسار واليمين في تحالف وطني واحد لهدف واحد هو محاربة الفاشية الاستعمارية وبناء الدولة الوطنية على قاعدة عريضة من القوى الوطنية.

إن التحالف المدني الذي ندعو إليه هو قائم على جوهر هذه الفكرة. فهو نسيج متفاوت المواقع من القوى السياسية والشعبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا التنمية السياسية والاجتماعية والقوى والتنظيمات الفئوية كالتشكيلات النسوية والشبابية وغيرها والتي يصعب في الظروف العادية جمعها في تحالف واحد، ولكن يبرز البعد التاريخي كعامل موحد لهذه القوى، ونقصد بالبعد التاريخي تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ المجتمع التي تحتم على كافة القوى ايجاد حدٍ أدنى وهدف واحد سامي يجمعها. فمثلما كان هذا الهدف في نموذج الكتلة التاريخية هو محاربة الفاشية الاستعمارية ودعم البناء الوطني الديمقراطي، نجد أننا كأمة في لحظة تاريخية مشابهة. فقوانا السياسية من يسارها إلى يمينها بكل تفاوتها، بما فيها تلك التي تواطأت مع الأنظمة العسكرية، تدرك في هذه اللحظة التاريخية الاثمان الباهظة لتركة هذه الأنظمة التي صادرت ما مجموعه اثنان وخمسون عاماً من عمر استقلال بلادنا البالغ ثلاث وستون عاماً.

إن القوى المعنية بتشكيل هذا التحالف المدني تجمعها قبل كل شيء مدنيتها. فكل القوى التي تعمل بأدوات العمل السياسي على ما بينها من تفاوت وعداء، ينبغي أن تضع في اعتبارها أن تشكيل التحالف المدني هو الضمانة الوحيدة والحقيقية للمحافظة على الديمقراطية وعلى حظوظها في إيصال صوتها بل وفي الوصول إلى الحكم عبر الوسائل الديمقراطية. فما يوحد هذه القوى هو رفض وصول المؤسسة العسكرية إلى حكم البلاد مرة أخرى. لذا فإن بناء هذا التحالف التاريخي يتطلب حداً أدنى لتشكيله يتمثل في توقيع ميثاق شرف ينص على القضايا الآتية على سبيل المثال لا الحصر:
1. أن يُحكم السودان رضائياً عبر الوسائل المدنية الديمقراطية التي تضمن حرية التعبير والتداول السلمي للسلطة وسيادة حكم القانون وتحتفي بتنوعه السياسي والديني والاثني. وأن تتعهد كل القوى الموقعة على الميثاق بالدفاع عن حقوق الانسان كما جاءت في الشرعة الدولية وحماية الديمقراطية بكافة الوسائل السلمية.
2. تتعهد القوى الموقعة على الميثاق بالعمل على تأمين القرار الوطني واتباع سياسة قوامها تقديم المصالح الوطنية العليا على ما سواها والعمل على بناء علاقات متوازنة خارجياً.
3. العمل على تفكيك دولة الحزب الواحد الموروثة من نظام الانقاذ البائد، وتفكيك مؤسساتها الحزبية والتنظيمية وفك ارتباط هذه المنظمات بمؤسسات الدولة من خلال برنامج عمل زمني متدرج ووفق خطط علمية مدروسة.
4. اعادة هيكلة النظام العدلي والقضائي بما يضمن تحقيق العدالة دون أية اعتبارات جهوية اوسياسية أوعقائدية وأن تكون الكفاءة هي المعيار الأوحد في تقلد المناصب القضائية والعدلية.
5. الاعتراف بقضايا الهامش والعمل على معالجتها وفق خطط اسعافية وبرامج للتنمية المستدامة. وأن يتم تنفيذ برنامج لخلق التوازن التنموي في السودان بين المناطق الأكثر تخلفاً والمناطق المتقدمة نسبياً.
6. تشكيل مجلس أعلى للأمن والتخطيط الاستراتيجي من رئيس مدني ونائب أول عسكري، يكون المجلس ذا صفة استشارية ويكون أعضاؤه من أغلبية مدنية ويكونوا من المتخصصين في شؤون الأمن والتخطيط الاستراتيجي، وتكون مهمة هذا المجلس دراسة المخاطر الاستراتيجية التي تشكل تحديات أو مهدداً للوطن ولنظامه الدستوري، ووضع خيارات مواجهتها أمام الجهاز التنفيذي للدولة.
7. قوام الاقتصاد السوداني يكمن في الاستفادة من موارد البلاد الغنية، ويتم استغلال هذه الموارد من خلال اعادة هيكلة الاقتصاد وازالة التشوهات في علاقات الانتاج وتحويله إلى اقتصاد منتج من خلال وضع استراتيجية يساهم فيها المجلس الأعلى للأمن والتخطيط الاستراتيجي ويطبقها الجهاز التنفيذي بصرامة.
8. الايمان بضرورة الحوار كأسلوب لوضع حد للصراعات العسكرية في مناطق الصراع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق التي تشهد نزاعات أهلية أو قبلية أو جهوية.
9. تنفيذ برنامج للمحاسبة والعدالة الانتقالية لمعالجة قضايا النزاع في دارفور وضحايا التعذيب الذي قامت به أجهزة الأمن تجاه المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي في كافة انحاء السودان.
10. تمثيل القوات النظامية بنسب ثابتة في الجهاز التشريعي ويكون ذلك لفترة عشرة سنوات حتى يتم تثبيت هياكل البناء الديمقراطي بالمحافظة على قناة التواصل مع المؤسسة العسكرية عبر ممثليها. ثم يعاد تقييم التجربة بعد ذلك.

رابعاً: المحافظة على مكتسبات الثورة لمواجهة تحديات المرحلة
على الرغم من أن الثورة فرضت واقعاً سياسياً مختلفاً أعادت فيه زمام المبادرة للشعب وصار صوت الثوار في الشوارع هو الصوت الأعلى للمرة الأولى منذ ما يقارب الثلاثين عاماً هي عمر نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، إلا أن الإفراط في التفاؤل والتوقعات بأن تنساب الأمور بشكل سلس تجاه تسليم السلطة للثوار لبدء بناء هياكل الدولة الديمقراطية، ثم الانتقال إليها بكل يسر، لن يخدم مصالح الثورة بل سيؤدي إلى الاحباط العدو الأول للثورة. على العكس من ذلك فإن أوجب واجبات المحافظة على مكتسبات الثورة هو النظرة الشاملة لما حققته هذه الثورة خلال الخمسة أشهر الماضية من اعادة الثقة في الشارع ومقدرته على المبادرة، اعادة الثقة للهامش في إمكانية بناء المشروع الوطني السوداني مرة أخرى بعد أن بدأت تدب روح اليأس في هذا الهامش، كذلك حققت الثورة المعنى الحقيقي لحرية التعبير وهو جوهر الديمقراطية. كل هذه المكتسبات لا يجب أن تحبطها مطاولات المجلس العسكري ومراوغته في تسليم السلطة. على العكس من ذلك يجب استثمار هذه الفترة في تقوية الروح الوطنية، وفي زيادة معدلات رفع الوعي الجمعي للسودانيين بأهمية الدولة المدنية. إن تبني هذه الجموع شعار المدنية وانتقالها من الهتاف (الثورة خيار الشعب) إلى ( مدنية خيار الشعب) هو بحد ذاته مكسب كبير للثورة وانتقال كبير في مسارها ينبغي أن نعض عليه بالنواجز.

لقد أجبرت ثورة الشعب قادة القوات المسلحة على الانحياز لخيار الشعب وتنحية رأس النظام، لكن بقي ارث ثلاثين عاماً من دولة الحزب الواحد الذي تغلغل في أجهزة الدولة وأعمل فيها مناهجه، ورفدها بكوادره، وكرس فيها أدبيات وفرض فيها رقابة اجهزته الأمنية المتعددة. فالشيئ الطبيعي أن مثل هذا البناء يحتاج لعمل متواصل وجهود كبيرة من أجل اصلاح ما يمكن اصلاحه فيه، وتفكيك كل مفاصل قوته التي هي بتعبير آخر حصون فساده المؤسسي. قد تكون نتيجة الافراط في التفاؤل هي الاحباط من عدم تحقق ما كان الناس يتطلعون إليه، ولكن بدون شك تعتبر أهم نقطة تحول لصالح الثورة والثوار هي الوعي بضرورة التعامل بواقعية حقيقية مع الثورة بوصفها حالة سيرورة وليست فعل منفصل. بمعنى أنها حراك وتغيير مستمر على مستوى الوعي أولاً ثم الممارسة السياسية ثانياً.

هل تقود قوى الحرية والتغيير مبادرة الائتلاف المدني؟
إن الزخم الكبير وهذا العمل المدهش الذي تقوم به قوى الثورة وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير والقوى المتحالفة معها، والمقدرة الكبيرة على تحريك الشارع بالإضافة إلى الانضباط في تنظيم هذا الحراك والمحافظة على زمام المبادرة فيه يجعلنا نزعم ان هذا التحالف يمكن بقليل من الجهد الواعي في تجاوز الخلافات والمرارات التاريخية والخلافات السياسية الضيقة، أن يشكل النواة الصلبة للإئتلاف المدني الذي ندعو إليه ليضع فاصلاً مهماً في مسار العمل السياسي السوداني ويحصن الممارسة السياسية من الوقوع في فخاخ الانقلابات العسكرية، كما يؤسس لثقافة احترام الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم على أسس المواطنة لا المحاصصة وتوفر الحقوق لكل المواطنين بلا تمييز، بل وتضمن للمؤسسة العسكرية أفضل الظروف لأداء مهامها المنوطة بها على الوجه الأكمل.


13 مايو 2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.