عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

14 يناير 2019

منذ انطلاق الثورة السودانية في ديسمبر الماضي واضطرام أوارها واستمرارها واتساع نطاقها وتصميم شبابها على إسقاط نظام الإنقاذ مهما كلف الأمر من تضحيات ودماء مجسداً ذلك في شعاره البسيط في مفرداته الكبير في معناه: تسقط...بس! أصبحت تتوارد علينا كل يوم بيانات ومقالات من الإسلامويين بعضهم مجاهدين سابقين كما يسمون أنفسهم وبعضهم كان في الدفاع الشعبي وبعضهم كادر تنظيمي والبعض الآخر محسوب على المؤتمر الشعبي وآخرهم مجموعات خرجت من حزب الطاغوت مؤخراً، ثم التحقت بكل هؤلاء مجموعة من أئمة المساجد. تعكس تلك البيانات والمقالات على اختلاف مصادرها المأزق الأخلاقي الحرج الذي تواجهه هذه المجموعات، حيث انها أصبحت تدعوا صراحة للحاق بركب الثوار وتدين بأشد العبارات سفك الدماء الذي يمارسه الطاغوت وزبانيته ضد المتظاهرين العزل.

من ناحية أخرى، وبجانب المأزق الأخلاقي – سأعود اليه أدناه - تُجمع تلك المقالات والبيانات على فشل الدولة التي كانوا عمادها وسدنتها في توفير ابسط مقومات الحياة للشعب واستشراء الفساد فيها وأنها تحولت الى طاغوت وأن من يعتلي سدتها أصبح ينافس فرعون ذي الأوتاد في الطغيان، وأن مواجهتها ومنازلتها أصبحت واجب بل فرض عين على كل إنسان حر.

الى هنا وموقف أصحاب البيانات والمقالات جيّد... لكنه غير كافٍ... لماذا؟
لأن وخذ الضمير او الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية للأفراد تجاه ما حدث وما يجرى، لا يمثل في جوهره المنصة الصحيحة للانطلاق للمشاركة في التغيير – كما نوضح - وقبل أن استطرد، يجب عليّ أن أعترف رغم خلافي الفكري مع طرح الإسلامويين ورغم فظاعة ما ارتكبوا في البلاد والعباد ، رغم كل ذلك، أشهد لهم بأنى أعرف عدداً غير قليل منهم من أفاضل الناس وأكثرهم تجرداً والتزاما وخلقاً، لكنهم للأسف ضلوا الطريق وتم خداعهم بوهم اسمه الدولة الدينية! لذلك وجد هؤلاء أنفسهم محاصرين بجرائر خطيرة لم تكن يوماً في حساباتهم، لم يشاركوا فيها ولم يخرجوا من أجلها. هؤلاء الذين أعنيهم لم يمدوا أيديهم للمال السحت، لم يعذبوا أحداً، وبالطبع لم يلغوا في الدم الحرام. اندفع أغلبهم بحمية دينية وصدقوا الترهات التي باعها لهم من يسيطرون على تفاصيل اللعبة، نسجوا لهم خيوط الوهم والأماني السندسية ووعدوهم بحلم اسمه الدولة الدينية التي ستربط قيم السماء بالأرض او كما قالوا. الآن فقط اتضح لهم كذب ما وعدوهم به!

اشرت إلى أن وخذ الضمير او المأزق الأخلاقي الفردي ليسا المنصة الصحيحة للالتحاق بركب الثورة المتسارع، لأن مثل هذا الفهم يستبطن أن بالإمكان تأسيس دولة دينية "فاضلة"، وأن دولة الإنقاذ انحرفت وهكذا الخ.... لكن في حقيقة الأمر لا توجد دولة دينية البتة، إنما ما يمكن تأسيسه هو قيم فاضلة مستمدة من الدين يعيشها المجتمع ويركن إليها ويتبعها طواعية وليس من خلال القهر الرسمي للدولة. عليهم أن يدركوا أن الإنقاذ لم تنحرف، بل طبقت مفهوم الدولة الدينية ( بضبانته)، ولو منحوا فرصة أخرى لإقامة دولة دينية ستنتهى الى ما انتهت إليه الإنقاذ، فالدولة الدينية هي مجموع كل ما فعلته وانتهت إليه الإنقاذ، لا فرق، مسيحية كانت أم إسلامية! تبدأ بشعارات براقة، ثم تنغمس في سفك الدماء، ثم نهب الثروات والفساد وتنتهي الى ملك عضوض، يخرب النفوس ويدمر المجتمعات ويحيل البلاد الى خراب، بل يفعل عكس ما يقول ويكلف الخلاص منه دماء غزيرة ونفوس عزيزة.

لكل ذلك فالمنصة الصحيحة للانطلاق ومشاركة السودانيين ثورتهم هي الخروج من وهم الدولة الدينية الذي اشتروه بحسن النوايا و كما يقول المثل الشائع :"إن الطريق الى الجحيم مفروش بحسن النوايا"، ويصدق هذا بصورة خاصة في السياسة.

حسبُ هؤلاء الدعوة لتلك القيم والمعاني والأخلاق الفاضلة التي يؤمنون بها، - إسلامية كانت أم إنسانية - لكي تسود في المجتمع. وقد قال صلى الله عليه وسلم:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وهذا يعنى أن البشرية عرِفت مكارم الأخلاق قبل الإسلام. ولذلك فالنظر للمجتمعات غير المسلمة على أنها مجتمعات للرزيلة والفسوق، أمر يخالف الحديث النبوي نفسه إذ لا يوجد مجتمع إنساني تنعدم فيه القيم الفاضلة التي تمثل في كلياتها مكارم الأخلاق. وهل هنالك قيم فاضلة أكبر من الحرية التي منحها الخالق لعباده، او قيم الاعتناء بكبار السن، او الرفق بالأطفال او المعاملة الخاصة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، او منع التعذيب، أو الصدق والأمانة في إدارة شئون الناس. ترى أليست هذه هي ذات القيم التي يدعو لها الإسلام، أم ترى أن للإسلامويين قيم أخرى كالتي انتهت إليها دولتهم!

لينظر هؤلاء الى الحطام الذي انتهت إليه دولتهم التي لم تتورع حتى عن سفك الدم الحرام، لينظروا الى كل هذا الحطام الذي انتهوا إليه، ويقارنوه ليس بالغرب الأوروبي، بل بإفريقيا من حولنا! ترى هل هنالك حكومة في إفريقيا دمرت بلادها ومواطنيها وباعت الممتلكات العامة وجوعت الشعب وحرمته من ابسط الخدمات الضرورية كما فعلت دولتهم...!

لست سعيدا البتة بموقفهم الحالي الذي انتهوا إليه بعد أن أدمى الواقع أنوفهم، ولا أحد يطلب منهم ندامة الكسعيّ، إنما المتوقع منهم الخروج نهائياً من الوهم... وهم الدولة الدينية وليس فقط النظر الى البشير أو على عثمان وزبانيتهم بأنهم كانوا السبب. أقول لهم ذلك لأنني مقتنع تماماً أن لا قداسة في إدارة الشأن العام وقد انتهت الى هذا شعوب كثيرة من قبلنا. فما يتطلبه الشأن العام هو قوانيين ولوائح ونظم يتوافق عليها الناس، يعاقب من ينتهكها، يُشغل المنصب العام حسب الكفاءة والقدرات، بصرف النظر عن المعتقد، فالزعم بأن التقوى الدينية الظاهرية هي المعيار لتولى المنصب العام أمر ثبت خطله. ولو كان الأمر كذلك، لحكمت الكنيسة الكاثوليكية أوروبا حتى اليوم رغم فساد بابواتها وحاشيتهم! ومن يقرأ تاريخ أوروبا يلاحظ بسهولة أن المجتمعات الأوربية لم تنطلق للنهضة إلا بعد أن وضعت كل مكون للمجتمع في مكانه الصحيح. ساوت بين المواطنين، أطلقت حرية الرأي، فتحت مجال البحث العلمي في كل ضروب العلوم، أسست لاستقلال القضاء، ووضعت قوانيين ونظم ولوائح لإدارة الشأن العام واتخذت من الدين مرجعية قيمية وأخلاقية يستند اليها المجتمع يتزود منها مكارم الأخلاق ويعزز منها الفضائل والكرامة الإنسانية. وأوروبا ورغم ما يبدوا ظاهرياً انها تعيش في سلام اجتماعي، إلا أن الرجوع لماضيها القريب يكشف لنا أنها أكثر بقاع الأرض التي سفكت فيها الدماء، ولا اعرف مكاناً آخر في الأرض سفكت فيه الدماء مثل أوروبا. ولم يستقر السلام المجتمعي وتستقر المجتمعات وتقلّ او تتضاءل النزاعات والحروب إلا بعدما ترسخت قيم الحرية والعدالة الاجتماعية ووضِعت القوانيين لإدارة الشأن العام وتولى المسئولية والقيادة. ينتخب الناس لقيادتهم من يعتقدون أنه الأنسب والأصلح، بعد ان يتاح لهم نكث حياته بكاملها، ليعرفوا طبيعته، وميوله ومقدرته على القيادة واستقامته وحكمته واتزانه في اتخاذ القرار.
فمسئولية القائد ليس توفير الغذاء والطعام، بل قبل ذلك تقع عليه مسئولية حماية دماء الناس وأعراضهم وحياتهم الخاصة وممتلكاتهم وأمنهم، تلك هي المسئولية الأولى التي لا تدانيها مسؤولية أخرى، أما القوت فهو قضية مقدارية يتفهم الناس أنها تخضع لتقلبات الزمن والحياة وظروف الوفرة والندرة. في أوروبا لا يضيع الناس وقتا كثيرا في بحث الذمة المالية للمتطلعين للقيادة، لأن من يوجد طعن في ذمته المالية مهما صغر، لا تتيح له القوانيين والآليات القائمة فرصة التقدم للأمام مطلقاً، بل ينتهي في السجن!

إن المطلوب من الإسلامويين اليوم ليس عض بنان الندم والبكاء على لبن الدولة الدينية المسكوب، بل – وحتى تصدق نيتهم – عليهم الخروج تماماً من وهم الدولة الدينية. لأن اعتقاد بعضهم أن هنالك شيئاً اسمه الدولة الدينية يقوم على التقوى والأيادي المتوضئة، إنما هو رهاب يحسبه الظمآن ماء. ما يمكنهم فعله هو التركيز على نشر القيم الفاضلة في المجتمع بالطلف والقدوة الحسنة وليس بالغلظة والقسوة والعنف. فمثلا أن كانت هنالك حانة تبيع الخمر في منطقة سكنية، وأقلع سكان الحيّ عن الشرب لوازع ديني، ترى ماذا سيفعل صاحب الحانة! والخمر سلعة مثلها مثل أي سلعة أخرى تخضع للربح والخسارة وعدد المستهلكين الذين متى ما تناقص عددهم سيجد صاحب الحانة نفسه مضطراً لإغلاقها تجنباً للخسائر وهكذا تحارب الموبقات ويقاوم الرجس. إغلاق الحانات او تحويلها لمساكن او نشاطات أخرى أمر يحدث يومياً في أوروبا لدرجة لا ينتبه الإنسان لها، لأنه خاضع لقوانيين التجارة والربح وشروط راس المال. لذلك فبالطواعية فقط تتحقق قيم الدين وليس بالقسر والقهر. أما الادعاء الأجوف بأن نواهي الدين يمكن تحقيقها بسلطة الدولة فذلك نفاق لا طائل منه، فلا الشاربين سيقلعون عن الشرب، ولا الدولة تستطيع استئصال الخمر من المنبع بل سيتخذه البعض مدخلاً للجارة والثراء. وكما يقول القانون البسيط في الاقتصاد:" طالما هنالك مشتر.. هنالك بائع".

لقد آن الأوان للإسلامويين أن يقتنعوا أن دولتهم قامت على المظاهر الكاذبة، وعلى النفاق، وانهم لم يخدعوا إلا أنفسهم، ولذلك انتهت الى المسخ الحالي. لن يكون بإمكانهم الخروج من وخذ الضمير والمأزق الأخلاقي نتيجة ما تسببوا فيه لأنفسهم وللسودانيين ولبلادهم إلا بخروجهم من الوهم الذى عاشوا فيه ومن ثم العودة للحياة بمفاهيم جديدة تقوم على المساواة بين المواطنين والاشتراك مع الآخرين في تثبيت قيم الحرية والعدالة وفصل السلطات وبناء دولة جديدة تحتفى بكل أبنائها بصرف النظر عن إثنياتهم او معتقداتهم.

إن كان ذلك منطقهم للالتحاق بقطار الثورة فأهلاً بهم، أما إن كانوا لا يزالوا يعتقدون أن بإمكانهم بناء دولة دينية أخرى بعد التخلص من البشير، فتلك كارثة ستقودهم حتماً الى أزمة أكبر وسيسفكون المزيد من الدم الحرام وسيدخلون في مأزق آخر الله وحده يعلم نتائجه.