قبل أن يتصدع المشروع الإسلامي بسبب المفاصلة الشهيرة ليصبح بعدها فجوراً في الخصومة وضيقاً في العيش وتلاعباً بأموال الشعب وإهداراً لموارد الدولة، سبق الدكتور حسن الترابي "رحمه الله" غيره في الحديث عن نطفة فسادٍ بدأت تتكون في رحم الجسد الإسلامي، وأذكر حينها، إن لم تخني الذاكرة، أن عراب الإنقاذ قد خصص نسبة 9% ليصف بها حجم فساد الإسلاميين في ذلك الوقت.
لم يقدم الشيخ الترابي كشفاً بأسماء المفسدين أو أدلة تثبت فسادهم ولكنه، دون شك، وهو القانوني الضليع، لم يكن ليطلق التهم جُزافاً دون أن تكون قد تجمعت لديه قرائن عديدة وخيوطٌ كثيرة قادته للكشف عن مواطن الفساد الذي إستشرى وتمدد وإزداد تأسناً بمرور السنوات حتى وصل بنا الحال إلى إستسهال ممارسته والتشدق بالذكاء في حبك خيوطه وألاعيبه، بل وصل بنا الأمر إلى درجة الإستخفاف بالفساد فسنوا له عقوبة "مايعة" كغانية في ماخور رخيص وأطلقوا عليها مسمى "التحلل".
لم يكتفِ الترابي بتصريحاته تلك بل تحدث أكثر من مرة في لقاءات متفرقة عن فساد الدولة وضلال أهل الحل والعقد فيها وكيف أنهم تطاولوا في البنيان دون رقيبٍ يردعهم عن شهوة السلطة وفتنة السلطان.
لا يمكن إغفال شهادة الدكتور الترابي عن الفساد في العهد الإسلامي للدولة السودانية وهو الشخصية المحورية الأولى في ذلك المشروع الإسلامي بغض النظر عن رأي كثيرٍ من الناس حول مقصده من الإفصاح عن دواخله وأسفه وحسرته على ما آل إليه حال تلاميذه وحوارييه من ولعٍ بالدنيا ونسيانٍ للآخرة! ما قاله قبل العام 2000م نعيشه واقعاً في العام 2018م وليس هذا من قبيل ضرب الرمل أو التنجيم ولكنه كان يعي ويعرف ما يقول.
إن نبوءة الترابي الإستباقية عن الفساد وتبريره لغوص الإسلاميين في مستنقعه بسبب عدم تربيتهم على مدافعة شهوة السلطة وفتنة السلطان، يفسر ما آل إليه الحال الآن ويكشف لنا لغز التطاول في البنيان.
من جهة أخرى، كان المرء يتعجب كثيراً من تبرم وضيق رئيس الجمهورية عند ذكر الفساد في الدولة وكانت حجته دائماً أن من يمتلك أدلة على فسادٍ أحدهم فليقدم برهان إدانة، فهل من يقوده ذكاؤه وضميره الغائب إلى جني الملايين دون رقيب أو حسيب يمكن أن يترك دليلاً يا فخامة الرئيس! وإن توفر الدليل فكيف يمكن محاربة الكبار!
كلنا شهودٌ على ردود أفعال رأس الدولة وتضجره عند ذكر الفساد ولو تلميحاً حتى خشي الجميع من الحديث عنه وصار من المحرمات حتى ثقل الحمل وتقوس ظهر الدولة فكانت تلك الهبة المتأخرة والإنتفاضة العجوز على مواطن الفساد وأهله والإنقاذ تخطو نحو عامها الثلاثين فصرنا نسمع مواء "القطط السمان" التي لم تأكل من خشاش الأرض بل صارت تسرق من قوت الشعب.
أعجبتني عبارة "الإنفتاح النيوليبرالي" التي وصف بها دكتور التيجاني عبد القادر ظاهرة تحول إخوته الإسلاميين من الزهد في الدنيا إلى الرأسمالية الدنيوية، وأحزنني في نفس الوقت أن يكون الوطن هو مسرح تطبيق هذا النموذج ليكون الشعب هو الضحية.
ما بين نبوءة "حسن" وتضجر "عمر" ضاعت قيمٌ كثيرة، مادية ومعنوية، وأرقام الفساد الفلكية نعجز حتى عن نطقها وكتابتها، فتدخل الأمن بوحدته المكلفة بالتحقيقات في جرائم الفساد وسجن البعض وحرر آخرون وتحسس كثيرون مواطن الخلل في أعمالهم ولربما بادر البعض بتطبيق "فقه التحلل" في هدوءٍ تام حتى يأمنوا شر خلع الأظافر إذا عدُوا من القطط السمان!
مهما يكن من أمر، فهناك صفتان قميئتان تلازمان الحالة السودانية الآن وعلينا التخلص منهما وهما "الفساد" و"قذارة" عاصمة البلاد، ولنا في ذلك عودة، فهلا أسرعنا الخطى لمحو آثارهما عن جسد الوطن!


مجدي مكي المرضي
4 أكتوبر 2018م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.