جاءت سياسات بنك السودان المركزي للعام 2018م معتمدة على عشر مرجعيات شملت موازنة الدولة للعام 2018م التي تغنى بها الكثيرون بما فيهم احزاب الحوار الوطني المشاركون في الحكومة في وزارات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والذين ربما إن كانوا خارج الوزارة لأشبعوها سباً؛ وهدفت هذه السياسة الى تحقيق ثمانية اهداف رئيسة ذات سقف عالٍ من الطموحات تحقق الاستقرار والنقدي والمالي في سبيل انجاز نمو مستدام؛ لكن الناظر لحال الاقتصاد الآن ومعاناة الموطن وسعر الجنية مقابل الدولار والعملات الاجنبية الاخرى يدرك تماما أن ما تحقق لا يعدوا ان يكون صفراً وادنى من ذلك، رغم مرور ثمانية أشهر على بداية الموازنة وبدء هذه السياسات، وهذا الحديث ليس زعماً ولكن حقائق سوف نستعرضها من خلال مناقشة وتحليل نتائج أهداف السياسة التي اطلقها البنك المركزي فيما يعرف بسياسات بنك السودان المركزي للعام 2018م؛ وكان اول محاور واهداف هذه السياسة المحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار عن طريق الحد من التضخم واحتوائه في حدود 19.5 في المائة وتحقيق معدل نمو في حدود 4 في المائة، وهذا لم يتحقق حتى الآن حيث وصلت نسبة التضخم في نهاية يوليو 2018م الى 64.9 في المائة بينما كانت في ديسمبر 2017م في حدود 25.2 في المائة؛ وفي أول شهر من موازنة 2018م ارتفعت الي 52.4 في المائة أي بزيادة اكثر من الضعف في غضون شهر واحد. كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك (CPI) من 861.5 نقطة في ديسمبر 2017م الى 1125.13 نقطة في مارس 2018م؛ وهذا له علاقة بسعر صرف الجنية مقابل الدولار وحجم الكتلة النقدية المتداولة، وذكر أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكينز ومدير مشروع العملات المضطربة بمعهد كاتو الأميركي ان التضخم الذى تم قياسه في يونيو 2018م وصلت نسبته الي 111 في المائة؛ اما فيما يخص نسبة النمو المتوقعة لم تحدث زيادة في نسبة النمو تذكر علماً بأنها في ديسمبر 2017 كانت 3 في المائة. وجاء في محور السياسات سعى بنك السودان الي عقد مزادات لبيع وشراء الصكوك الحكومية والصكوك المالية الأخرى وحتى الآن لم اطلع على أي مزاد ولم يعلن البنك عن أي مزادات؛ وجاء في هذا المحور أيضا تعزيز وتطوير القدرة التسويقية للأوراق المالية وتوسيع قاعدتها بالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات الصلة وليس هناك اية معلومات عن الاجراءات التي اتخذت لتنفيذ ذلك.

كان الهدف الثاني تحقيق استقراراً في سعر صرف الجنيه مقابل العملات الاجنبية عن طريق ادارة سعر صرف مرن لم يستطيع كبح جماح الدولار ولم يضيق الفجوة بين السعر المرن وسعر السوق الموازي أي أن سعر الصرف المرن المدار لم يؤثر على ارتفاع سعر الدولار بل ساهم في ارتفاع الاسعار الجنون وغير المتناهي؛ وذكر المتعاملون في السوق السوداء ان سعر الجنيه مقابل الدولار وصل الي خمسون جنيهاً بالنسبة الى المبالغ المستلمة خارج السودان ومثال ذلك دبي في الامارات، ورغم ان سعر الدولار تأثر بإجراءات الحكومة ضد تجار العملة ولكن هل هذا حلاً لتدهور قيمة الجنيه التي تعتبر مشكلة اقتصادية في المقام الأول والإجراءات التي لا تستند الي اسس علمية وتعتمد على حركة وأسعار الصرف في السوق السوداء لن تجدى نفعاً. وكان هناك هدف فرعي اهتم بالاستفادة من انظمة الدفع الاقليمية لتسوية المعاملات بين السودان والشركاء الدوليين وهذا لم يتحقق حتى الان بسبب وجود السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى الآن، أيضا سعى بنك السودان إحكام السيطرة على اموال الوزارات والجهات الحكومة لتكون ضمن ارصدة بنك السودان وحتى الان فشل هذا المسعى في وجود قرار بإنشاء وفتح الوزرات والهيئات الحكومية حسابات ودائع لدى البنك المركزي بالعملة المحلية والنقد الاجنبي اثر على احتياطيات البنوك والسيولة النقدية لديها وقدرتها على مقابلة مسحوبات العملاء، علماً بأن هذا القرار اتخذ مؤخراً وليس من بداية موازنة العام 2018م في خضم ازمة سيولة نقدية خانقة. وجاء ايضاً في المحور الثالث استقطاب واستخدامات الموارد الذى كان هدفه زيادة كفاءة وتنوع الخدمات عبر استخدام النظم الالكترونية لتحقيق ما اسماه البنك الشمول المالي وهذا الهدف ارى انه لم يحقق المرجو منه بسبب دفع الناس نحوه بالقوة عن طريق السيطرة على اموالهم وعدم تمكينهم من سحبها اما بتحديد سقفاً للسحب أو تجفيف السيولة أو من خلال تبديل العملة فئة الخمسين جنيهاً؛ دون التبشير بهدف الشمول المالي ومزاياه وتطبيقه بالتدرج من خلال منافذ الوزرات مع توفير البيئة التقنية الآمنة ذات البنية التحتية القوية واللازمة لإجراء مثل هذه التعاملات واكسابها الثقة لدى المتعاملون، كما أن الذى حدث من شح في السيولة والمعاناة الكبيرة التي وجدها العملاء في سبيل السحب النقدي اكسب البنوك سمعة سيئة وافقدها ثقة العملاء والمواطنين؛ ثقة يصعب تحقيقها مرة اخرى في المدى القصير؛ علماً بأن الأساليب والأدوات التي تستخدمها البنوك المركزية ضمن الأطر القانونية المعمول به تضمن سلامة ودائع العملاء لدى المؤسسات المالية وإعادتها إلى أصحابها عند الطلب أو حسبها، ومهمة البنك المركزي الرقابة على الودائع لتحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها ضمان إعادة هذه الودائع إلى أصحابها مع عدم إساءة البنوك لإدارة هذه الودائع وضمان الاستغلال الأمثل والمفيد مع الوفاء بالتزاماتها نحو أصحاب الودائع الادخارية والاستثمارية والحسابات الجارية، وهذا يحقق ويضمن الاستقرار الاقتصادي، حيث إن أي إخلال للبنوك بالتزاماتها يؤدي إلى اضطراب اقتصادي. اذاً كان هناك فشلاً واضحاً من ناحية رقابة الودائع والائتمان في القطاع الائتماني، فليس هناك سيطرة على عرض النقود وفشل في المحافظة على حقوق المودعين، وفشل في تحجيم التعثر المصرفي والحد من التعاملات المشبوهة في بورصة الخرطوم للأوراق المالية، والخلل الكبير في منح الائتمان.


بنك السودان و8 أشهر من فشل السياسة النقدية 2-2
نواصل هنا ما جاء في المقالة الفائتة، جاء في أهداف سياسات بنك السودان المساهمة في تحفيز تحويلات العاملين بالخارج والاستثمار الاجنبي كهدف رابع لجذب موارد النقد الاجنبي؛ فمن ناحية تحويلات العاملين بالخارج فهي لم تتحقق لا من خلال منشور التمويل العقاري الذى مات في مهده، والمشكوك في مدي شريعته بسبب شبهة الربا فيه؛ ولا من ناحية المصفوفة التي أقرها مجلس الوزراء لاستقطاب تحويلات المغتربين والتي يجمع المغتربون على انه لم يكن فيها حافز ذو دلالة واضحة ولتقييم ذلك يمكن مراجعة الحصاد منذ اجازة المصفوفة حتى الآن؛ اما في مجال الاستثمار الاجنبي لا اعتقد ان تقدماً قد حدث من ناحية دخول مستثمرين جدد خلال الفترة السابقة ولم نشاهد سوى المعارض والملتقيات واللقاءات؛ وطالما ان الاستثمار الاجنبي يقع بين فكي الفساد والبيروقراطية وتداخل الاختصاصات بين الوزرات ومطرقة وسندان سعر الصرف، وهروب رؤوس الاموال الوطنية فلن يجازف مستثمر اجنبي بالاستثمار في السودان.
جاء الهدف الخامس بهدف توسيع قاعدة الشمول المالي والتي قصد منها توسيع عرض الخدمات المالية المصرفية وانشاء شبكات وكلاء المصارف واستخدام تكنولوجيا (Fin Tech) التي تهدف الى نشر الخدمات المالية، والقيام بالمسئولية الاجتماعية فيما يلي التعريف ببرامج الشمول المالي، وحسب علمي لم يتحقق شيء من ذلك وليس هناك احصاءات، والا حجم ومدى استخدام تكنولوجيا (Fin Tech) سوى محاولات خجولة لدفع الناس للاستفادة من نظم الدفع الالكترونية، ولا توجد برامج توعوية اتبعت للتعريف بالشمول المالي واهدافه ومعناه.
اما الهدف السادس فقد كان عن تطوير التقنية المصرفية ونظم الدفع الالكترونية من خلال ابتكار منتجات جديدة بالاستفادة من نظم الدفع الالكترونية، واستخدام المنتجات المصرفية الالكترونية المتاحة كالنقود الالكترونية وتعزيز الثقة فيها، واستكمال اجراءات تطبيق نظام الرقم المصرفي العالمي في المصارف السودانية المعروف بالايبان (IBAN)، وقبول استخدام البطاقات العالمية المعروفة وإجراءات التسويات الخاصة بمعاملاتها، الالتزام بالحد الادنى للمعايير الدولية المطلوبة في النظم المصرفية للمصارف لتمكن من الربط مع النظم المحلية ولاندماج في النظم العالمية؛ لم اجد في هذا المجال سوى لائحة اصدرت في عام 2013م تحت مسمى لائحة تنظيم أعمال نظم الدفع، ايضاً لم اجد موجهات حول تطوير التقنية ولا حول المنتجات المصرفية التي تعتمد على نظم الدفع الالكترونية، كما لا توجد برامج واضحة لتعزيز الثقة في نظم الدفع الالكترونية ولا حتى تعليمات حول استكمال اجراءات تطبيق نظام الرقم المصرفي العالمي في المصارف السودانية، وفي مجال استخدام البطاقات العالمية لم تتمكن البنوك من اقناع البنوك والمؤسسات العالمية المصدرة لهذه البطاقة بالتعامل مع السودان وادخاله ضمن المنظومة العالمية وربطه بها بسبب استمرار وجود السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبسبب تخلف السودان في تطبيق اشتراطات ومعايير لجنة بازل في حدها الادنى، ايضاً انشاء نقاط البيع يعانى من ضعف البنية التحتية وربما اثر عدم وجود صيغة عامة للعمولة متفق عليها بين البنوك واصحاب المؤسسات التجارية، وربما ايضاً بسبب شك التجار في استخدام معلومات الشبكة كدليل لحجم المبيعات لدى الضرائب.
كان الهدف السادس من سياسات بنك السودان توجيه التمويل للقطاعات الإنتاجية وتعزيز دور القطاع الخاص بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية ودعم القطاعات الانتاجية وانشاء المحافظ والصناديق الاستثمارية في وجود موجهات حول المرابحات واقساطها، وتمويل القطاعات الانتاجية بشقيها الزراعي والصناعي وقطاع التعدين من خلال تحديد حافز بنسبة 5 في المائة كحد اقصى كتخفيض من نسبة الاحتياطي النقدي القانوني للمصارف التي تستطيع توجيه 50 في المائة من محفظتها التمويلية لهذه القطاعات الانتاجية ومشكلة هذا الهدف انه لم يحدد نسبه ملزمة لكل قطاع يجب على البنك أن يخصصها من محفظته التمويلية مع ضآلة الحافز الخاص بالاحتياطي النقدي القانوني الذى لا يهم البنوك كثيراً؛ فكان الاجدر تحديد نسب تمويل القطاعات الانتاجية ومراقبتها مع وجود عقوبات عند الاخلال بها وبالتالي تكون هناك جدية في تمويل القطاعات الانتاجية التي تحقق التنمية الاقتصادية، وعدم الزام البنوك بنسب معينة كما كان في بداية التسعينيات يجعلها تتجه نحو اسهل الطرق لتحقيق الارباح وهى المرابحات التي يسهم تمويلها في زيادة الاسعار ودعم التجارة المحلية. تضمن الهدف السادس من سياسات بنك السودان موجهات للبنوك تحقق الاستقرار المالي والسلامة المصرفية؛ فمن ناحية رفع رؤوس الاموال لم يتحقق شيء، ومن ناحية تطوير الضبط الداخلي فإن الكشف عن حجم المخالفات تدل على وضع الضبط الداخلي والمؤسسي، ايضاً من ناحية حجم السيولة النقدية سواء بالعملة المحلية والاجنبية لم تتحقق مطلقاً وازمة السيولة تدل على حجم السيولة المحتفظ بها والتي لم تغطى مسحوبات العملاء وسببت مشكلة كبيرة في الايام الماضية.
الهدف الثامن تعزيز ونشر برامج التمويل الأصغر والصغير والمتوسط بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخفض حدة الفقر؛ من خلال استعراض هذه الموجهات لا توجد بيانات حول نسبة التوظيف البالغة 15 في المائة من المحفظة التمويلية الكلية خلال العام للتعرف على مدى تحقق هذه النسبة، اما في مجال موجهات الانتشار الافقي عبر فتح نوافذ وفروع جديدة في المناطق الريفية لم يتحقق شيء في هذا المجال، أيضاً لا توجد بيانات حول مدى مساهمة البنوك في المحافظ التمويلية المشتركة والصناديق الاستثمارية المخصصة لمبادرات خفض مستوى الفقر علماً بأن نسبة الفقر في ازدياد مضطرد، كذلك لا توجد بيانات حول اسهام البنوك في زيادة فرص التمويل لقطاع المرأة وشرائح الشباب والجمعيات التعاونية، اصحاب الحرف والمهن الحرة في الانتاج الزراعي والحيواني وجمعيات الخريجين. من خلال هذا الاستعراض لسياسة بنك السودان لعام 2018م نجد أنه لم يتبين تحقق اي نجاح لهذه السياسة خلال ثمانية أشهر، السؤال هنا أين الخلل ؟ وهل يدرك بنك السودان هذا الفشل ؟.
الصيحة: 09/09/2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.